الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 7، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ بتوضيح أهمية حديث الافتراق للنبي صلى الله عليه وسلم، ويشرح مدلولاته في بيان افتراق الأمم إلى فرق مختلفة. يشير إلى أهمية هذا الحديث في فهم أصول الافتراق.
يتناول المقطع الثاني موضوع الافتراق في الأمة، ويبين أن الاعتصام بالحق هو السبيل للاجتماع على الكتاب والسنة، ويحذر من التفرق رغم كراهيته. يشدد على أهمية التمسك بالحق.
يفصل المقطع الثالث في حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، ويوضح أن الفرقة الناجية هي التي تلتزم الحق، وأن الجماعة هي من كان على الحق. يبين أيضًا أحكام دخول الفرق الأخرى النار.
يختتم الشرح بتأكيد أهمية حديث الافتراق كأصل عظيم في الإسلام، ويشدد على ضرورة حفظه والاعتناء به لما له من دلالات عميقة في فهم الفرقة الناجية والابتعاد عن الفرق الضالة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال شيخنا أبو عبد الرحمن، غفر الله لنا وله وللمؤمنين: الحديث السابع. قال الإمام بن أبي عاصم رحمه الله، كما في «السنة»: حدثنا عمر بن عثمان، قال: حدثنا عباد بن يوسف، قال: حدثني صفوان بن عمر، عن راشد بن سعد، عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، واحدة في الجنة وسبعين في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، والذي نفسي بيده، لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، واثنتان وسبعون في النار». قيل: يا رسول الله، من هم؟ قال: «هم الجماعة». قال شيخنا، غفر الله له: وإسناده جيد، قاله الشيخ الألباني في تخريج «السنة»، رغم (63)، والصحيحة (92) و(400). الحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هذا الحديث هو كذلك من الأحاديث العظيمة، ومن الأصول التي كان يهتم بها علماء أهل السنة، لما فيها من بيان أصل الافتراق، ويسمى هذا الحديث بحديث الافتراق، لما فيه من بيان افتراق الأمم، وأن هذا مما قضاه الله جل وعلا كونا في هذه الأمم جميعا. فقد أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن اليهود افترقت على 71 فرقة، وأن واحدا منها فقط هي التي في الجنة، وكذلك النصارى، وكذلك هذه الأمة، وأن هذه الأمة أكثر الأمم افتراقا، فالافتراق فيها إلى 73 فرقة، فالناجون ثلاث فرق من هذه الأمم الثلاثة، كما جاء بحديث عبد الله بن عمرو كذلك عند ابن أبي عاصم بإسناد حسن، أن الأمة ستفترق إلى فرق، لا ينجو منها إلا ثلاث فرق. وفي هذا الحديث مجموعة من المسائل، من أهمها أولا: التفريق -يرحمك الله- بين أمة الإجابة وأمة الدعوة، فإن الأمة أمتان: أمة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمتان: أمة الدعوة، وهم كل من سمع بدعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهم مدعوون: المسلم والكافر، البر والفاجر، القريب والبعيد، ممن سمع أو أمكن سماع دعوة النبي عليه الصلاة والسلام، يسمى أمة الدعوة. ومن استجاب لهذه الدعوة سمي من أهل أمة الإجابة، فأمة الإجابة أخص من أمة الدعوة، وهم من استجاب لدعوة النبي عليه الصلاة والسلام. وفي هذا الحديث من المسائل: أن الافتراق أمر لا بد منه، لا يمكن رفعه في الأرض، لا يمكن رفعه، فذلك أمر كوني قدره الله جل وعلا، ومع ذلك فإن الله جل وعلا يكرهه ولا يحبه ويبغضه، ونهى الناس عنه، كما قال الله عز وجل: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، وقال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾، وهكذا قال الله عز وجل: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، ونحوها من الآيات التي فيها التحذير من التفرق. ومع ذلك قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾، ولذلك خلقه. ومعنى ذلك أن الافتراق أمر لا بد منه، سيكون، كما أن الكفر يكرهه الله عز وجل ولا يحبه ويبغضه، ومع ذلك فإنه سيقع في الأرض، وقدر الله جل وعلا وقوعه محنة وابتلاء. وهكذا كذلك الافتراق، فإن الافتراق أمر لا بد من الوقوع، أمر لا بد من وقوعه، كما في هذا الحديث، وفي الآيات الواردة في هذا المعنى. وعلى هذا، فقول من يقول: إنه لا يمكن أن يقع الافتراق، وأن الافتراق يجب أن يرفع من الأرض، فهو في الحقيقة مخالف لإرادة الله الكونية، فإن الافتراق أمر لا بد منه. ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. ومع ذلك فنحن مأمورون بالاجتهاد بالاعتصام، لكن الاعتصام يكون بالحق، وبه يعلم ما أمر الله عز وجل به من الاعتصام بالحق. ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾، الاعتصام بحبل الله، أي: بصراط الله. ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾، فإن الاجتماع الحق هو الذي يكون على الكتاب وعلى السنة، على الهدى الذي أنزله الله عز وجل. فإذا خالف من خالف، فلا يبال بمخالفته، لا يقول: إن قائل الخلاف شر، وهي كلمة حق أريد بها باطل. الخلاف شر، ومعنى ذلك أن يحصل اندماج بين أهل الحق وأهل الباطل، ويحصل تميع وتضييع للحق مع أهل الباطل، فهذا أمر مرفوض، ترده أدلة الكتاب والسنة. ولهذا قال الله عز وجل آمرا نبيه عليه الصلاة والسلام: «قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَأَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَأَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ». لو كان الأمر فيه وسطية، وفيه كذلك مسائل مشتركة، لكان ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام، وهو أرحم الناس بالأمة، وهو أحرص كذلك على الاجتماع والألفة. ولكن المسألة ليست مسألة عواطف، ولا مسألة كذلك مجاملات، وإنما المسألة مسألة حق أو باطل، مسألة لزوم للصراط المستقيم. ولهذا جاء في مسلم، جاء في البخاري ومسلم: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فرق بين الناس، كما في حديث جابر، قال: «فرق بين الناس». كيف فرق؟ فرق بين أهل الحق وأهل الباطل، لأنه لا بد من ذلك. ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾. وبهذا يعلم هذا المعنى الذي لم يفهمه كثير من الناس، خصوصا في هذا الزمان. والمسألة الثالثة فيه كذلك: أن هذه الأمة -أمة الإجابة- ستفترق، وأن ثمرة هذا الافتراق: أن لا ينجو منها إلا واحدة، وأن اثنتين وسبعين منها ستدخل النار. وهذا الدخول ليس هو على وجه الجزم، وإنما مثل ما نقول: السارق في النار، والزاني في النار، فالحكم على الفعل لا على العين، فإن زيدا من الناس سرق، فنقوله: تحت المشيئة؛ لأنه من المسلمين، فهو تحت المشيئة. وكذلك إن كان زيد من الناس من أهل الفرق المفترقة المخالف للصراط المستقيم، فهو كذلك تحت المشيئة، نخاف عليه لإساءته، ولا نجزم عليه بنار، لا نجزم عليه بنار، لكن نجزم أن من خالف الصراط المستقيم والجماعة: أنه من أهل النار، نجزم. لكن زيدا من الناس كان منهم، لا نستطيع أن نجزم عليه؛ لأنه تحت المشيئة؛ لأن هذه الأمة هي أمة الإجابة، وأمة الإجابة معاصيها تحت المشيئة. وأما قول من يقول: إن المراد بهذه الثنتين وسبعين فرقة التي بالنار أنها المرتدة والكفار، فهذا ليس بصحيح؛ لأنه قال: «وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها بالنار إلا واحدة». وهذا معنى أن هذه الأمة ليست أمة الدعوة، بل أمة الإجابة التي تستجيب للنبي عليه الصلاة والسلام. وهذا هو القول الحق الذي قالته أهل السنة والجماعة من قديم الزمان إلى زماننا هذا. وهكذا كذلك من مسائل هذا الحديث: فيه أن هذه الفرقة الناجية، من أعظم صفاتها أنها هي الجماعة. والجماعة كما قال ابن مسعود: هم من لزم الحق، أو من كان على الحق ولو كنت وحدك. فلا يلزم أن يكونوا كثرة، بل هم بنص الحديث قلة، ولا يلزم كذلك أن يكونوا مجموعة، بل لو كان واحدا في موضع من المواضع وكان على الحق، فإنه هو الجماعة، فإنه هو الجماعة. وقد جاء عن السلف في ذلك شيء كثير، وقد كان جماعة يقولون: أبو حمزة السكري جماعة، ويريدون بذلك أنه كان على الحق. وبه يعلم معنى الفرقة الناجية: أنها تنجو بما تمسكت به من الحق، وهو الهدى الذي أنزله الله عز وجل على نبيه عليه الصلاة والسلام. والخلاصة: أن هذا الحديث أصل عظيم، ولهذا سمي بحديث الافتراق، ولأجل هذا كان مما ينبغي أن يعتنى به ويحفظ، فذكر في هذا الموضع، وبه نكتفي، الحمد لله رب العالمين.