شرح العقيدة الواسطية للهراس 34

شرح العقيدة الواسطية للهراس 34

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 34، الدرس الرابع والثلاثون : (وقد ذكر سبحانه في هذه الآيات بعض ما يتعلق ... وعن إحاطة علمه بجميع الأشياء). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

علم الله تعالى وإحاطته بكل شيء وتفسير الآيات المتعلقة بالغيب

يشرح الشيخ عبد الله بن عمر الآيات التي تتحدث عن علم الله وإحاطته بكل شيء، ويوضح معنى مفاتح الغيب بخمس أمور لا يعلمها إلا الله. يُفصّل الشرح معاني الآيات المتعلقة بالغيب مثل تنزيل الغيب وما في الأرحام.

الرد على المعتزلة في تأويل صفات الله تعالى

يناقش المقطع آراء المعتزلة في صفات الله، منتقدًا تأويلهم للأسماء والصفات الإلهية بتفسيرات سلبية، ويؤكد أن إثبات الصفات لله لا يقتضي التعدد مستدلاً بالآيات والأدلة الشرعية.

تفسير قوله تعالى: «جميع الأشياء» وتوضيح شمولها

يشمل جميع الأشياء كل ما سوى الله من خلق الله أو ما تعلق بما ليس في الوجود، ويعني ذلك الأشياء المتعلقة بالله أو بالمخلوقين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. قال الشارح رحمه الله تعالى: قال وقد ذكر سبحانه في هذه الآيات بعض ما يتعلق به علمه للدلالة على شموله وإحاطته بما لا تبلغ علوم خلقه. ومعنى ما يتعلق به علمه يعني مواضع علم الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: فذكر أنه يعلم ما يلج أن يدخلوا، والولوج معنى أوسع من الدخول، فهو الدخول وزيادة. فيلج في شيء في فراغ أو يلج في شيء مصمت، فكل ما يلج في الأرض يعلمه سبحانه وتعالى، سواء في منافذه أو في مواضعه المصمتة. قال: أن يدخلوا في الأرض من حب وبذر ومياه وحشرات ومعادن وكل شيء. فما من المعاني التي تدل على العموم، وهي للعاقل ولغير العاقل. قال: وما يخرج منها، قال: أي من زرع وأشجار وعيون جارية ومعادن نافعة كذلك، وكل شيء. وما يدل على العموم كذلك. قال: وما ينزل من السماء، قال: أي من ثلج وأمطار وصواعق وملائكة. وما يعرج أن يصعد فيها، والأصل يعرج عليها، وقال هنا فيها، فيقال: فيه ما سبق، إما من تضمين الفعل معنى فعل آخر بمقتضى ما يناسب من حرف. وهذه طريقة فقهاء النحو كما سبق، وإما أن يضمن الحرف معنى حرف آخر. قال: كذلك من ملائكة وأعمال وطير صواف، أي مجتمعات متراصة كثيرة. قال: إلى غير ذلك مما يعلم جل شأنه. قال: وذكر فيها أيضا أن عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو. ومفاتح الغيب قيل: خزائنه، وهذا بعض ما في الغيب. وقيل: طرقه وأسبابه التي توصل بها إليه، جمع مفتاح بكسر الميم، أو مفتاح بحذف ياء مفاعيل، وكله معنى معقول. قال: وقد فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «مفاتح الغيب خمس»، مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْبَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. وقوله عليه الصلاة والسلام: «مفاتح الغيب خمس» يدل على أن هذه المذكورات هي مفاتح الغيب. وهل يدل أنه لا مفاتح للغيب إلا هذه الخمس؟ الصحيح: لا. فإن مفهوم العدد على القول الصحيح عند الأصوليين لا يفيد الحصر. قال: ومن يمثل لنا مثالًا؟ نعم، يعني أيش يستفيد من نعم؟ ليس المقصود سبعين، إنما المقصود حصول استغفار كثير. وهكذا كذلك: خمس من الدواب يقتنى في الحل والحرم، ليس المقصود هذه الخمس فقط، لا يقتل غيرها، وإنما يقتل ما كان بمعناها. قال: فمفهوم العدد عند الأصوليين على القول الصحيح أنه لا يفيد الحصر، فإذن هذه الخمس هي أهم مفاتيح الغيب، أهم مفاتيح الغيب التي يعلمها الله سبحانه وتعالى. قال: وهذا الحديث الذي أشار إليه، كما ذكر المعلق، أصله في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وجاء كذلك بالبخاري من حديث ابن عمر، وجاء من حديث بريدة وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم. وقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْبَ﴾ فيه نقطة لطيفة بلاغية أفادها بعض الشراح، وذلك أن تنزيل الغيب هو الذي ينفع، وأما المطر فإنه قد ينفع وقد يضر وقد لا ينفع. قال: ولهذا لا يطلق الغيب غالبا إلا على ما هو نافع، وأما المطر فإنه يطلق غالبا على ما لا يكون فيه نافع، بل ربما يطلق على ما فيه عذاب، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾. قال: وفيه إشارة أولا أن الله سبحانه وتعالى استأثر بنزول الغيب للمطر، وفرق بين اللفظين. فالله عز وجل استأثر بنزول الغيب، أي المطر النافع. قال: قد يعلم الإنسان وقت نزول المطر بما علمه الله سبحانه وتعالى، لكنه ما يمكن أن يعلم أبدا أي المطر الذي ينفع، ما يمكن أن يعلم أبدا، وليس هذا في مقدوره، بل هذا من الغيب الذي استأثر الله عز وجل بعلمه. قال: وفرق بين الأمرين مع أن العلم بالمطر كذلك ليس هو يقيني، العلم بنزول المطر ليس هو يقيني، بل هذا مما يتوصل إليه الإنسان بما علمه الله على وجه التغليب، ليس على وجه اليقين. قال: ولو قدر أنه استطاع أن يصل إلى ذلك باليقين، ليس هو المقصود، ولكن المقصود هو ماذا؟ نزول الغيث. وينزل الغيث وهكذا كذلك. قال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾، فيعلم ما في الأرحام، ليس المقصود ذكر أو أنثى أو حي أو ميت، لأنه عبر بما التي تدل على العاقل وغير العاقل. قال: فهو يعلم ما في الأرحام بكل معنى العموم في هذا الذي في الرحم من كونه ذكر أو أنثى، من كونه شقي أو سعيد، من كونه صالح أو طالح، من كونه واحد أو اثنين، وغير ذلك مما يتضمنه معنى العموم في هذه اللفظة. قال: وهذا مما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. وأما العلم أن هذا أنثى أو ذكر أو واحد أو اثنين، فهذا قد علمته العرب قبل العلوم المعاصرة وقبل الأجهزة الحديثة. قال: فإنهم بخبرتهم استطاعوا أن يميزوا على وجه التغليب بين حمل المرأة للذكر أو الأنثى، وللواحد أو الأكثر. ولكن هذا ولو وجد مثله وأشد منه بالعلم الحديث، ليس هو أولا يقيني، بل هو على وجه التغليب. قال: وثانيا ليس هو من أول الأمر، وإنما هو في آخر مراحل الحمل. وثالثا ليس هو المقصود بلفظ الآية، فالآية فيها ما هو أعم من ذلك. قال: وهكذا كذلك: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾، فهذا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. قال: وهكذا: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله إذا أراد قبض نفس رجل بأرض جعل له فيها حاجة. قال: كم من إنسان ما يخرج من بلده أبدا، فإذا أراد الله قبض روحه في مكان آخر جعل له حاجة، إما علاج فيموت في الموضع الذي يعالج فيه، وإما حج أو عمرة، وإما تجارة أو غير ذلك. قال: فيجعل الله له في تلك الأرض حاجة، فيكون كما أراد الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: وقد دلت الآيتان الأخيرتان على أنه سبحانه عالم بعلم هو صفة له قائم بذاته. ووجه الدلالة من ذلك ظاهرة. قال: فهو سبحانه عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، وهكذا ما سبق من تفصيل علمه سبحانه. قال: وقوله: «وصفة له قائم بذاته» يعني أنه يعلم بعلم، وهذا العلم موصوف به سبحانه وتعالى بذاته. قال: خلافا للمعتزلة الذين نفوا صفاته، فمنهم من قال: إنه عالم بذاته، وقادر بذاته إلى آخره. قال: ومر معنى «عالم بذاته» يعني ليس له صفة علم، فيجعلون «عالم» لفظا جامدا لا معنى له، مثل رجل اسمه صالح لا يلزم منه وصفه بالصلاح، ورجل اسمه جميل لا يلزم وصفه بالجمال. قال: فجعلوا معنى ذلك لله تعالى، الله عن قولهم علوا كبيرا. فقالوا: «عالم بذاته»، فيجعلون كل الصفات مردها إلى الذات، فيعطلون جميع الصفات. قال: يردون كل الصفات إلى الذات، فيعطلون جميع الصفات، زعموا أن إثبات الصفات لله سبحانه يقتضي التعدد. قال: وقد مر معنا فيما سبق أن هذا المعنى باطل، ترده أدلة الشرع من الكتاب والسنة، ونقل سلف الأمة، وهكذا كذلك مقتضى اللغة العربية، بل والحس والعقل والفطرة. قال: ومنهم من فسر أسماءه بمعاني سلبية، فقال: «عليم» معناه لا يجهل. وهل هم يريدون نفي الجهل أم يريدون نفي العلم؟ المراد الثاني: نفي العلم. قال: ليس مقصودهم نفي الجهل، ولكن مرادهم نفي العلم، لأنهم يزعمون أن إثبات العلم يقتضي مشابهة الخالق بالمخلوق، وهذا باطل، ترد أدلة الكتاب والسنة. قال: فأدلة الكتاب أثبتت لله عز وجل العلم اسما وصفة، وهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿عِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾، وهذه صفة. قال: وقال سبحانه: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾، وهذا اسم، فأثبت لنفسه اسمًا فيه معنى العلم، وأثبت لنفسه صفة فيها معنى العلم. قال: وهو سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، أعلم بنفسه وبغيره، فما أثبته لنفسه أثبتناه، ليس كمثله شيء، هو السميع البصير. قال: وقادر معناه لا يعجز، إلى آخره، فيأتون إلى الأسماء ويفسرونها بالتفسيرات السلبية، وهذه التفسيرات تعطيل. قال: ولهذا ثبت عن السلف أنهم كانوا يقولون: «تمر كما جاءت»، أي مباحث الصفات من غير تفسير. قال: فمعنى قولهم: «من غير تفسير» يعني تفسيرا باطلا خاطئا ينفي عنها حقيقة معناها الذي دلت عليه. قال: وهذه الآيات حج عليهم، فقد أخبر فيها سبحانه عن إحاطة علمه بكل أنثى وضعها، من حيث المعنى والكيف والمتى. قال: كما أخبر عن عموم قدرته وتعلقها بكل ممكن. وقلنا: ما هو الممكن؟ المخلوق. قال: فقوله: «وتعلقها بكل ممكن» يعني وتعلقها بكل مخلوق. ولو ترك مثل هذه التعابير كان أحسن. قال: قالوا: عن إحاطة علمه بجميع الأشياء. وقوله: «جميع الأشياء» على ما سبق، يعني مما يتعلق بالله أو يتعلق بالمخلوقين، كل ما سوى الله من خلق الله أو ما تعلق بما ليس في الوجود كالمستحيل.