الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 50، الدرس الخمسون : من (وقوله قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ... ألم يعلم بأن الله يرى ,إلخ السوة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
استدل شيخ الإسلام ابن تيمية بآيات قرآنية على إثبات صفتي السمع والرؤية لله تعالى، مبينا أنها تليق بجلاله. وأوضح أن هذه الصفات ليست كصفات المخلوقين.
يشرح المقطع معاني السمع والبصر لله عز وجل، ويبين أن السمع يأتي بمعان مختلفة، وأن البصر هو صفة كمال لله يدرك بها الأشخاص والألوان.
يتناول المقطع تفسيرًا لآيات قرآنية وأحاديث نبوية، ويبين أسباب نزولها ومسائل تتعلق بالعلم الإلهي والصفات الفعلية لله.
يشير المقطع إلى أهمية متابعة تعاليم الرسول والابتعاد عن مخالفتها، ويبين بعد الناس عن اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه «العقيدة الواسطية»: قال: وقوله ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، وقوله ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾، وقوله ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾، وقوله ﴿إِنِّي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، ألم يعلم بأن الله يرى، الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين، إنه هو السميع العليم، وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون. وفي نسخة: «وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون». أورد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى هذه الآيات ليستدل بها على إثبات صفتي السمع والرؤية لله جل وعلا على ما يليق بجلال الله وعظمته. فالآية الأولى يبين أن لله عز وجل سمعا يليق بجلال الله وعظمته، وأن سمعه أحاط بكل شيء حتى علم بما خفي من شكوى تلك المرأة. وفيه أن الشكوى ممدوحة إذا كانت لله سبحانه وتعالى وإلى الله. وأما إذا كانت إلى الخلق فهي مذمومة، وهي بالحال أشد ذنبا مما إذا كانت بالمقال. لأن بعض الناس يظن أن الشكوى بالمقال فقط هي المذمومة، فيتمسكن بحاله يشكو حاله إلى الخلق لا إلى الله، يتمسكن بحاله كلبس الرث والتعرض بالطريق ونحو ذلك مما فيه الافتقار إلى المخلوق. وهذا من الشكوى إلى المخلوق، وليس من الشكوى المذمومة إخبار المخلوق بالحال للاستعان به في دفع المكروه فيما يقدر عليه أو فيما يظن أنه يدل على من يقدر عليه. ومنه سؤال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن حال المرضى. فلا شك أن المريض إذا أجاب بما يحتاج إلى إعانة، ففيه معنى الشكوى، لكنه إخبار للوصول إلى ما يدفع به الأداء. فهذا ليس من الشكوى المذمومة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعينهم إلا على مباح، ولا يعينهم على مكروه أو محرم. وهكذا في الآية الثانية، فيها إثبات السمع لله عز وجل، وهو على وجه التهديد. فالأول على وجه السمع والإحاطة، والثاني على وجه التهديد: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾، يعني يتوعدهم بالوعيد، فهو تهديد. وهكذا الآية الثالثة، فيها كذلك السمع بمعنى التهديد: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى﴾، فهو على وجه التهديد. وإذا كان الله عز وجل يسمع السر والنجوى، فمن باب أولى ما جهروا به. وقوله: ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾، أي ملائكتنا كرام كاتبين. والآية التي بعدها: ﴿إِنِّي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، فيه معنى التأييد والنصرة والمعية الخاصة كما سيأتي إن شاء الله في موعده. وذكر السمع والرؤية مما يقتضي إكمال معنى المعية الخاصة. وهذا إن دل على شيء، دل على أن ذلك مما يمدح به الرب ويثنى عليه. فالله عز وجل أخبر عن نفسه أنه يسمع ويرى، وأنه معهما يسمع ويرى، فهو خرج مخرج الثناء والمدح. فتعطيل هذا عن الرب جل وعلا صار نقصا. وهكذا كذلك الآية التي بعدها، فإنه على وجه التهديد: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾، على وجه التهديد. وفيه إثبات الرؤية لله جل وعلا على ما يليق بجلاله وعظمته. ونحوه إبراهيم عليه الصلاة والسلام أثبت لله عز وجل السمع والبصر، لما تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا، فأثبت لله السمع والبصر. وهكذا الآيات التي بعدها، فيها كذلك إثبات الرؤية من الله جل وعلا والمراقبة. وفيه تنبيه على أهمية التوكل على الله والتنبيه على مرتبة الإحسان. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله «لقد سمع الله» إلى آخره، هذه الآيات ساقها المؤلف لإثبات صفات السمع والبصر والرؤية. والبصر بمعنى الرؤية، ولكن كما أضمر معنا اختلاف المبنى، يدل على اختلاف المعنى، وإن كان المعنيان متقاربان. فنثبت لله عز وجل سمعا وبصرا ورؤية تليق بجلال الله وعظمته، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. قال رحمه الله تعالى: أما السمع، فقد عبرت عنه الآيات بكل صيغ الاشتقاق، وهي سمع ويسمع وسميع ونسمع وأسمع. فهو صفة حقيقية لله يدرك بها الأصوات كما قدمنا. ويدرك هنا بمعنى الحصول، وليس هو التحريف الذي أراده الأشاعرة. فإن الأشاعرة من تعبيراتهم، وننتبه لهذا، أنهم يحرفون صفة السمع بقولهم سميع، وعلمه بالمسموعات أو إدراك المسموعات. وبين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه «التسعينية» أن هذا من تحريفات الأشاعرة، كما أن من تحريفات المعتزلة كما تقدم معنا أنهم يقولون: سميع بلا سمع، أو سميع بذاته. فهو بالحقيقة تعطيل لصفة السمع. وهكذا كذلك قولهم في البصر. وقد بسط شيخ الإسلام هذه المسألة في مواضع من كتبه، كالفتاوى في المجلد السادس، و«جامع الرسائل» في المجلد الأول، وفي «التسعينية» كذلك. وهو يشير رحمه الله إلى أن أهل الباطل دقيقوا العبارة، هم على دقة في التحريف بعبارات خفية قد لا يدركها من لا يدرك عقيدة هؤلاء، ومن لا يعرف مذهب هؤلاء. فينبغي أن ننتبه، كما أننا لا ينبغي أن نحمل الكلام ما لا يحتمل. فيمن علم عنه أنه صاحب سنة. فقوله: «فهو صفة حقيقية لله يدرك بها الأصوات»، ليس معناه كتعبير الأشاعرة. فرق. فتعبير الأشاعرة في الحقيقة نفي وجود السمع، وإنما فيه تحريف السمع إلى العلم، فيقولون: سميع، علمه بالمسموعات أو إدراك المسموعات، يعني بغير السمع يحصل بغير السمع. فهو مثل قول المعتزلة: سميع بلا سمع، ومثل قول المعتزلة: سميع بذاته. وهذا في الحقيقة تعطيل. وأفاد ابن القيم رحمه الله في كتابه الماتع النافع «بدائع الفوائد» أن السمع يطلق ويأتي بمعان. فيطلق السمع ويأتي بمعنى الإدراك والإحاطة بالأصوات. ومنه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾، ومنه قول: ﴿لَقَدْ سَمَعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا﴾. ويأتي السمع وفيه معنى الفهم والعقل للمعاني. ومنه والمراد ليس السمع لله، وإنما السمع مطلقا. قال: ومنه «لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا»، أي وافهموا وعقلوا. وهكذا قوله: «قالوا سمعنا وأطعنا»، أي فهمنا وعقلنا. وهكذا يأتي بمعنى السمع بمعنى الإجابة والعطاء، كقولنا: «سمع الله لمن حمده». وهنا نجده أنه يعد باللام بمعنى الإجابة والعطاء. ويأتي السمع بمعنى القبول والانقياد. ومنه: «سماعون للكذب»، ومنه: «وفيكم سماعون لهم»، أي قابلون ومنقادون. ونرى هنا أنه يعد بمن أو باللام. فإذا كان كذلك، فإذا نعلم أنه في هذه الأوجه الأربعة جميعا، ولو جاء فيها إثبات معنى زائد عن لفظ السمع، ليس فيه نفي السمع، بل فيه إثبات معنى السمع وزيادة. فيه إثبات معنى السمع وزيادة. وهذه الزيادة من أين استفيدت؟ استفيدت من السياق. فإن السياق كما رأينا قد يكون بصيغة الماضي، وقد يكون كذلك بصيغة الأمر، وقد يكون بصيغة الخبر بعد القول. وفي كل موضع ينضاف معنى إلى معنى السمع. وقد يعد باللام، ويكون بصيغة الماضي. وقد يعدى بمن أو اللام، ويكون بصيغة الجمع. فيكون فيه إضافة هذه المعاني التي أشار إليها رحمه الله. وليس في موضع من هذه المواضع يزعم زاعم أنه يفيد ذاك المعنى دون أصل معنى السمع أبدا. بل نقول: فيه إثبات معنى السمع ومعنى زائد فوق معنى السمع. وهو إما الإحاطة والإدراك، أو الفهم والعقل، أو الإجابة والعطاء، أو القبول والانقياد. قال الشارح رحمه الله تعالى: وأما البصر، فهو الصفة التي يدرك بها الأشخاص والألوان. والرؤية لازمة له. يعني أن البصر فيه معنى أدق من الرؤية. فالرؤية عامة، والبصر خاصة بمعنى أخص من الرؤية. فهي الرؤية للشيء بعينه من شخص أو لون أو نحو ذلك. قال: وقد جاء في حديث أبي موسى: «يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، ولكن تدعون سميعا بصيرا. إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته». والشاهد من هذا الحديث فيه إثبات صفة السمع والبصر لله عز وجل على ما يليق بجلاله وعظمته. «ولكن تدعون سميعا بصيرا»، أن يبصركم أنتم على ما أنتم عليه من حالكم وضعفكم وندائكم وحال إحرامكم وغير ذلك. قال: وكل من السمع والبصر صفة كمال. وقد عاب الله على المشركين عبادتهم ما لا يسمع ولا يبصر. فهذا يدل على أن الرب الكامل في ربوبيته وفي أسمائه وصفاته، هو الذي يسمع ويبصر. قال: وأما الآية الأولى، فقد نزلت في شأن خولة بنت ثعلبة، حين ظاهر منها زوجها، وهو أوس بن الصامت، أخو عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنهما. قال: فجاءت تشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحاوره. وهو يقول لها: «ما أراك إلا قد حرمت عليه». وهذا الأثر رواية مرسلا عن عكرمة، رواه عبد الرزاق وغيره. وعن أبي العالية كذلك مرسلا، رواه أبو حاتم وغيره. وهو بهما يصير حسنا. وأصل القصة في الصحيحين. وهذه اللفظة، وإن كانت رواية بهذه المراسيل، فهي بإسناد ضعيف. لكن أصل القصة كما قلنا في الصحيح. وهذه اللفظة على طريقة بعض أهل العلم: أن المرسل يشهد للمرسل، فيحسن بها. وعلى طريقة من لا يستشهد ولا يتابع بالمراسيل، فتكون ضعيفة. قال: أخرج البخاري في صحيحه عن عروة عن عائشة رضي الله عنها، وذلك بكتاب التوحيد. قال: قال الأعمش عن تميم عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قالت: «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات. لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا بناحية من البيت، ما أسمع ما تقول». يعني لا أسمع. فأنزل الله عز وجل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ الآيات. وفي هذا إثبات السمع لله جل وعلا على ما يليق بجلاله وعظمته. وأن سمع الله ليس كسمع المخلوقين، بل كما قالت عائشة: «وسع سمعه الأصوات»، سمعه فوق الأصوات. فهو يسمع ما يخفى وما يعلن، بل هو سبحانه وتعالى يعلم ما في النفس جل وعلا، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فضلا عما يسر به. قال: وأما الآية الثانية، فقد نزلت في فنحاص اليهودي الخبيث، حين قال لأبي بكر رضي الله عنه لما دعاه إلى الإسلام: «والله يا أبا بكر، ما بنا إلى الله من حاجة، وإنه إلينا لفقير. ولو كان غنيا ما استقرضنا». وهذا الأثر رواه ابن جرير، كما أشار المعلق، من طريق محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة عن ابن عباس به. وهذا الإسناد مختلف فيه. فمحمد بن أبي محمد اختلط فيه. فبعض أهل العلم يرى أنه مجهول، كما حكم عليه الحافظ ابن حجر رحمه الله. والذهبي في مواضع. وبعض أهل العلم يرى أنه مقبول، خصوصا أن ابن حبان قد وثقه. وأنه من التابعين. وقد تساهل بعضهم في جهالة التابعين، مع توثيق بعض من وثق من الموثقين، ولو كان متساهلا كابن حبان. ولعله لأجل هذا، قال الذهبي رحمه الله في بعض المواضع: «وثق». يعني كأنه يشير إلى أنه ليس بالذي يترك حديثه بالمرة. ولهذا قال أحمد شاكر في «عمدة التفسير»: «إسناده جيد أو صحيح». يعني لأجل أن هذا الرجل محتمل التحسين، حديثه محتمل التحسين. فالحاصل أن الإسناد محتمل التحسين. وإن كان الظاهر والله أعلم أنه مجهول، أي محمد بن أبي محمد، لأنه لم يوثقه معتبر. قال: وأما الآية الثالثة، فـ«أم» بمعنى «بل». والهمزة للاستفهام، فهي «أم» منقطعة. والاستفهام إنكار يتضمن معنى التوبيخ. والمعنى: «بل أيظن هؤلاء في تخفيهم واستتارهم أن لا نسمع سرهم ونجواهم؟ بلى نسمع ذلك». وحفظتنا لديهم يكتبون ما يقولون وما يفعلون. وقد أفاد ابن هشام رحمه الله تعالى في كتابه النافع العظيم «المغني» بأن «أم» لا تفارق الإضراب، وأنها تأتي بمعنى «بل» على أنواع. فتأتي للإضراب المجرد نحو: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلَ لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ الآية. فهنا للإضراب المجرد. وبين رحمه الله أن السبب في ذلك، لأن الاستفهام لا يدخل على الاستفهام. فلما بدئت الآية بالاستفهام: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾، علم أنها للإضراب المجرد، لأن الاستفهام لا يدخل على الاستفهام، فهو خبر وإضراب مجرد. وتأتي ثانيا للإضراب المتضمن للاستفهام الإنكاري، كما ذكر الشارح رحمه الله في هذه الآية: نحو: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾. والمعنى: «بل أله البنات ولكم البنون؟» فهو إضراب متضمن للاستفهام الإنكاري. قال: وأما الآية الرابعة، فهي خطاب من الله عز وجل لموسى وهارون عليهما الصلاة والسلام، حين شكا إلى الله خوفهما من بطش فرعون بهما. فقال لهما: «لا تخافا، إني معكما أسمع وأرى». فهذا الخوف طبيعي، لا يضر بالتوحيد. قال: وأما الآية الخامسة، فقد نزلت في شأن أبي جهل لعنه الله، حين نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند البيت. فنزل قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ إلى آخر السورة. والحديث كما أشار المعلق، أصله في صحيح مسلم. وهو كما قال حفظه الله تعالى. وهنا فائدة أفادها ابن القيم رحمه الله في الآية الأخيرة: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، في معنى العلم. فيما تقدمت الإشارة إليه بدروس سابقة: أن العلم يأتي بمعنيين، أو بكيفيتين. فهذا الموضع هو مثل: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾. والمعنى: «لنرى ولنميز ولنعلم موجودا وواقعا بعد إذ علم أنه سيكون». فعلنا بذلك: أن العلم بمنزلتين: علم بالشيء قبل وجوده، وهذا هو علم الله جل وعلا الشامل الذي وسع الموجودات والمعدومات عند وجودها، وهو بكل شيء عليم. وعلم آخر هو علم به بعد وجوده. العلم الأول: علم بالشيء قبل وقوعه ووجوده. والثاني: علم به بعد وجوده ووقوعه. وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله مفصلا فيما يأتي من مكان مناسب له. ولكن المقصود هنا التنبيه: أن هذا النوع الثاني من العلم هو مناط الجزاء والثواب والعقاب. هو مناط الجزاء والثواب والعقاب. وأهل السنة والجماعة يثبتون المرتبتين من العلم: العلم الأول والعلم الثاني. كلاهما يثبت أهل السنة والجماعة، لأن أدلة الكتاب والسنة أثبتت هذين النوعين من العلم. وهذا المعنى قد سبق معنا كذلك معناه من كلام شيخ الإسلام. ذكروا في مواضع من ذلك في رده على المنطقيين. وأخيرا في الآية الأخيرة التي في بعض النسخ: ﴿وَسْتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، في إثبات الأفعال الاختيارية التي كما قلنا هي الصفات الفعلية لله جل وعلا التي تتعلق بالمشيئة. وقد مر معنا أنها ثبتت بأدلة كثيرة، وبأنواع من الصفات الفعلية التي تليق بجلال الله وعظمته. وقد أشار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم: أن أدلة إثباتها أكثر من ألف دليل. أي في إثبات الصفات الفعلية لله سبحانه وتعالى. بينما أجمع أهل التعطيل من جهمية ومعتزلة وكلابية وأشاعرة وما تريدية على نفي الصفات الفعلية بجميع أنواعها وصورها وكيفياتها. مع أن أدلة إثبات هذه الصفات الفعلية أكثر من ألف دليل بأنواع الأدلة، وكذلك تنوع ذكر هذه الصفات. فإن دل على شيء، دل على عظيم بعدهم عن متابعة ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام. بهذا القدر نكتفي، والله تعالى أعلم.