الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 68، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يستحب للقارئ إذا ارتجت عليه القراءة ونسي ما بعد الآية أن يقرأ الآية التي وقف عندها ثم يسكت طالباً الإكمال من غيره، دون وصف الآية بوصف مبهم. اقتداءً بأثر ابن مسعود والنخعي وبشير بن أبي مسعود في هذا الباب.
الصواب جواز قول «قال الله» أو «يقول الله» عند الاستدلال بالآيات، موافقاً للقرآن والسنة وإجماع السلف، ولا يُلتفت إلى نهي مطرف بن الشخير عن صيغة المضارع. تضافرت أدلة الكتاب والسنة وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم على نسبة القول لله تعالى، ومن خالف الدليل من السلف لا يُؤخذ بقوله.
روى البخاري عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس أحد يحاسب إلا هلك»، فسألته عن قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾. يُشير المحاضر إلى أن هذا الحديث يدل على جواز نسبة القول لله تعالى بصيغ متعددة، وسيُفصل في باب قادم.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيقول المصنف رحمه الله: قال: فصل: إذا ارتج على القارئ فلم يدر ما بعد الموضع الذي انتهى إليه، فسأل عنه غيره، فينبغي أن يتأدب بما جاء عن عبد الله بن مسعود، وإبراهيم النخعي، وبشير بن أبي مسعود رضي الله عنهم أو عنهم. قال: «إذا سأل أحدكم أخاه عن آية فليقرأ ما قبلها ثم يسكت، ولا يقول: كيف كذا وكذا، فإنه يلتبس عليه». يعني قوله: «إذا ارتج على القارئ» يعني استعجمت عليه القراءة فلم يدر ما بعد الموضع الذي انتهى إليه، جعل يقرأ فارتجت عليه القراءة، فارتجت عليه القراءة بمعنى استغلقت ولم يدر ما بعد الآية التي وقف عندها. وهذا يحصل، النسيان قد حصل للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويحصل في غيره. لكن هنا أفاد فائدة وهي أن من استغلقت عليه القراءة وأراد أن يسأل أحدًا عن الآية التي وقف عندها، وقف عند هذه الآية ولم يعرف ما بعدها، فيقول: الأدب أن يسأل فيذكر الآية التي وقف عندها. وهنا يقول: «يسكت» بمعنى يقول: ما بعد هذه الآية، لا يذهب -بارك الله فيكم- يقول مثلاً: الآية التي فيها كذا وكذا ما هي؟ هذه الآية من أولها، ولكن يذكر الآية التي وقف عندها ويطلب من الذي يسأله عن الآية التي بعدها. هكذا فهم بهذا الأثر. لكن هذا الأثر فيه انقطاع، معلوم أن رواية إبراهيم النخعي عن ابن مسعود بينه وبين ابن مسعود واسطة، فهناك واسطة، فهذا لو صح كان شيئًا ثابتًا عن بعض الصحابة فلا بأس بفعله، وإلا فالأصل أنه لا بأس أن يسأله عن الآية التي ارتجت عليه يعني بشيء يسأل إلى الهدف والمقصود، وهذا الأثر لا يعتمد عليه لكونه لم يثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه. قال: فصل: إذا أراد أن يستدل بآية فله أن يقول: قال الله تعالى كذا، وله أن يقول: الله تعالى يقول كذا، ولا كراهة في شيء من هذا. هذا هو الصحيح المختار الذي عليه عمل السلف والخلف. في حال الاستدلال لابسًا يقول: قال الله تعالى كذا، أو يقول: الله تعالى يقول كذا. هذا ظاهر. قال: وروى ابن أبي داود عن مطرف، من عبد الله بن الشخير التابعي المشهور، قال: «لا تقول: إن الله تعالى يقول، ولكن قل: إن الله تعالى قال». قال: هنا الشخير بكسر الشين والخاء المعجمتين والخاء مشددة. يقول مطرف بن عبد الله بن الشخير التابعي: «لا تقول: إن الله تعالى يقول، ولكن قل: إن الله تعالى قال». قال: وهذا الذي أنكره مطرف رحمه الله خلاف ما جاء به القرآن والسنة. وهذا أثر ثابت، أثر مطرف كما في التحقيق، قال: خلاف ما جاء به القرآن والسنة وفعلته الصحابة ومن بعدهم رضي الله عنهم. فقد قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾. نعم، العمد على القرآن والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة. فيأتي عن بعض السلف إثبات لشيء أو إنكار لشيء، إثبات لما لم يدل عليه الدليل أو إنكار لما دل عليه الدليل، فالحجة في قول السلف في فعلهم إنما هو في قول المجموع أو الأكثر. شوف هم القرآن والسنة على ما عليه السلف، لكن المقصود بالسلف ليس أحدهم، ليس أفرادهم، لكن المقصود يعني المجموع من السلف، المجموع من السلف. فهذا عالم من علماء السلف، لكن إذا أتى بشيء على خلاف القرآن والسنة فكما ذكر المصنف رحمه الله أنه لا يأخذ به لأنه خلاف الدليل. قال: فالله تعالى يقول، الله يقول الحق، والله يقول الحق، هذا واضح في أنه لا بأس أن يقال: يقول الله تعالى كذا. قالوا: في صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله عز وجل: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها». فهذا حديث مرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه: «يقول الله عز وجل: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها». قالوا: في صحيح البخاري في تفسير قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، قال أبو طلحة: يا رسول الله، إن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. فهذا كلام أبي طلحة بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم. الأول من قول النبي صلى الله عليه وسلم، والآية التي قبلها قول الله، قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾. والثاني حديث مرفوع قدسي، وهذا حديث فيه الإقرار من النبي صلى الله عليه وسلم، يقول أبو طلحة: إن الله تعالى يقول، فلم ينكر عليه. قالوا: في الصحيح عن مسروق رحمه الله قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: ألم يقل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾؟ فقالت: أولم تسمع أن الله تعالى يقول: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾؟ أولم تسمع أن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الآية؟ ثم قالت في هذا الحديث: «والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾». ثم قالت: «والله تعالى يقول: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾». وتضافر هذا في كلام السلف وخلف، وتضافر هذا في كلام السلف وخلف أكثر من أن تحصر. طي عندنا التضافر، ونضائر هذا في كلام السلف والخلف أكثر من أن تحصر، والله أعلم. أيضًا في الصحيح، البخاري عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس أحد يحاسب إلا هلك». قالت: قلت: يا رسول الله، جعلني الله فداك، أليس الله عز وجل يقول: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ الحديث؟ هذا في صحيح البخاري. عائشة تقول: أليس الله عز وجل يقول؟ فهذا لا بأس، يقول: قال الله تعالى، أو يقول: الله تعالى يقول. فهذا دلت عليه الأدلة، وسيأتي باب منفصل، ونأخذ إن شاء الله الدرس القادم. إلى هنا والحمد لله.