الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 66، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
سجود التلاوة خارج الصلاة لا يشترط له طهارة ولا استقبال قبلة ولا ستر عورة ولا تكبير ولا تسليم. أما داخل الصلاة فيكبر للسجود وللرفع دون رفع اليدين، مع وجود خلاف في تكبيرة الإحرام.
اختلف العلماء في التكبير لسجود التلاوة في الصلاة، فمنهم من منعه لعدم نقله عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من أثبته بعموم أحاديث التكبير. وتكون هيئة السجود والتسبيح كخارج الصلاة مع عدم الإطالة للإمام، ولا تشرع جلسة الاستراحة بعده.
يجب على المصلي الانتصاب قائماً بعد الرفع من سجود التلاوة ولا ينتقل للركوع مباشرة، ويستحب قراءة شيء من القرآن قبل الركوع اقتداءً بعمر وابن مسعود. وإن ترك القراءة أجزأته صلاته، والاستحباب هنا ليس قاطعاً لاختلاف آثار الصحابة.
الأحكام التكليفية تستمد من القرآن الكريم والسنة النبوية وإجماع الأمة، ولا تثبت بمجرد الآثار المنقولة. ثم رحب المتحدث بإخوة زائرين من بيحان والخوخة متمنياً الحديث في درس ما بين المغرب والعشاء.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فهذا ما يتعلق بالتكبير والتسليم في سجود التلاوة إذا كان خارج الصلاة، وهكذا الطهارة. وأن الراجح أن سجود التلاوة لا يلحق بصلاة النافلة، فلا يشترط لها طهارة، ولا استقبال للقبلة، ولا ستر للعورة، ولا تكبير، ولا تسليم. فليس هناك حديث أو دليل عن النبي صلى الله عليه وسلم في اشتراط شيء من ذلك. لكن لو كان السجود في الصلاة، وقبل هذا أخذنا بعض المسائل، وهي: أنه إذا سجد فكيفية السجود كالسجود المعتاد، ويقول في هذا السجود ما يقول في سجود الصلاة. قال رحمه الله: «الحال الثاني: أن يسجد للتلاوة في الصلاة، فلا يكبر للإحرام، ويستحب أن يكبر للسجود، ولا يرفع يديه، ويكبر للرفع من السجود». هذا هو الصحيح المشهور الذي قاله الجمهور: أنه إذا كان في الصلاة فإنه يكبر، ولا يكبر تكبيرة الإحرام؛ لأنه في الصلاة قد أحرم للصلاة، ولكن يكبر تكبيرة الانتقال من القيام إلى السجود. قال: «فلا يكبر للإحرام، ويستحب أن يكبر للسجود، ولا يرفع يديه». عندهم: أنه إذا كبر للسجود لا يرفع يديه، ويكبر للرفع من السجود، وأيضًا لا يرفع يديه عندهم. قال: «وقال أبو علي بن أبي هريرة من أصحابنا: لا يكبر للسجود ولا للرفع». والمعروف الأول. هناك من أهل العلم من قال: حتى لو كان في الصلاة ليس هناك دليل على أنه يسجد بالتكبير ويرفع بالتكبير؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد في الصلاة، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في صلاة العشاء حينما قرأ ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ﴾، ولم ينقل أنه كبر لهذا السجود، أو أنه كبر إذا رفع من السجود، والعبادات توقيفية. هذه حجتهم. ومن ذهب إلى التكبير يستدل بعموم: «كان صلى الله عليه وسلم يكبر في كل خفض ورفع». هذا يفهم من حديث أبي هريرة، وحديث ابن عمر: «كان إذا افتتح الصلاة كبر، وإذا ركع كبر، وإذا رفع قال: سمع الله لمن حمده، وإذا سجد كبر، وإذا رفع كبر، وإذا سجد كبر، وإذا نهض كبر». فأبو هريرة أطلق، فيشمل هذا الإطلاق سجود التلاوة: أنه يكبر لها إذا نزل إلى السجود، وأنه يكبر لها إذا ارتفع من السجود. هذا قول قوي، هذا قول قوي. قالوا: «وأما الأدب في هيئة السجود والتسبيح فعلى ما تقدم في السجود خارج الصلاة، إلا أنه إذا كان ساجدًا إمامًا فينبغي أن لا يطول التسبيح، إلا أن يعلم حال المأمومين أنهم يؤثرون التطويل». قال: «ثم إذا رفع من السجود قام، ولا يجلس للاستراحة بلا خلاف». هذه فائدة: إذا سجد في الصلاة وارتفع فلا يجلس جلسة، أو جلسة الاستراحة. قالوا: هذه مسألة غريبة، قل من نص عليها، وممن نص عليها القاضي حسين، والبغوي، والرافعي. وهذا بخلاف سجود الصلاة، فإن القول الصحيح المنصوص للشافعي، المختار الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة في البخاري وغيره: استحباب جلسة الاستراحة عقب السجدة الثانية من ركعة الأولى في كل الصلوات، ومن الثالثة في الرباعيات، لحديث مالك بن الحويرث، وهو في الحاشية: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا كان في وتر من صلاة لم ينهض حتى يستوي جالسًا»، رواه البخاري. فجلسة الاستراحة مستحبة، وهذا هو الراجح عند أهل العلم. لكن في سجود التلاوة يرفع بدون أن يجلس جلسة الاستراحة. قال: «ثم إذا رفع من سجدة التلاوة فلابد من الانتصاب قائمًا». يعني: لا يرفع من سجدة التلاوة إلى الركوع مباشرة؛ لأن يحتاج الانتقال من القيام إلى الركوع، فهذا لا يصلح أن يرفع رأسه من سجدة التلاوة ويرجع إلى موضع الركوع، لا، لابد أن ينتصب قائمًا ثم يركع. قال: «ثم إذا رفع من سجدة التلاوة فلابد من الانتصاب قائمًا، والمستحب إذا انتصب قائمًا أن يقرأ شيئًا ثم يركع». فإن انتصب ثم ركع من غير قراءة أجزأ. يعني: إذا قرأ مثلًا عندهم آخر ﴿ الْأَعْرَافِ ﴾ أو آخر ﴿ النَّجْمِ ﴾ أو آخر ﴿ الْعَلَقِ ﴾، فهو سيقول مثلًا: ﴿ فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ﴾، سيسجد. فإذا رفع: هل مباشرة يقول: الله أكبر ليركع، أو يشرع له أن يقرأ شيئًا؟ يقول المصنف رحمه الله: «والمستحب إذا انتصب قائمًا أن يقرأ شيئًا ثم يركع». يقول: هكذا يستحب أن يقرأ شيئًا، فإن انتصب ثم ركع من غير قراءة أجزأ. هنا أثران: قال أبو هريرة: «قرأ عمر النجم فسجد، ثم قام فقرأ سورة أخرى»، أخرجه مسدد والشافعي في «الأم»، وسنده صحيح. قال أبو هريرة: «قرأ عمر النجم فسجد، ثم قام فقرأ سورة أخرى»، يعني: لم يركع مباشرة. وأيضًا عن ابن مسعود أنه كان يقول في السورة يكون آخرها السجود: «اقرأ واسجد، ثم قم فقرأ، ثم قم فقرأ». فهذا مستند المصنف رحمه الله في استحباب القراءة قبل الركوع. فهذان أثران يعني صحيحان عن عمر وعن ابن مسعود: أنه إذا قرأ كان أولى، إذا قرأ كان أولى، وإذا لم يقرأ لا شيء عليه. لكن: هل يؤخذ الاستحباب من أثر من آثار الصحابة؟ فالحكم الشرعي يقال: من قرأ فقد قرأ بعض الصحابة، ومن ترك فقد قال بعض الصحابة: لا بأس، والله أعلم. يعني: لا يظهر القول بالاستحباب. فالقول بالوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة: هذه تأخذ من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، أو إذا كان هناك إجماع للأمة. أما أن توجد بعض الآثار فالله أعلم لا يأخذ منها الاستحباب. وزارنا في هذا اليوم إخوة أفاضل من بلاد بيحان، وهكذا معهم بعض الإخوة الأفاضل من منطقة الخوخة، فمرحبًا وأهلًا وسهلًا بهم، حياهم الله. وإن شاء الله تكون لهم كلمة في درس المغرب، بين مغرب وعشاء، بما يسره الله تبارك وتعالى. وفق الله الجميع. إلى هنا والحمد لله.