الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 18، الدرس الثامن عشر:من( وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال:سمعت رسول الله ... يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يُعرّف المقطع التمائم ويوضّح حكم تعليقها، مشيرًا إلى عدم جواز تعليقها لعدم وجود دليل صحيح صريح على جوازها ولأنها قد تكون ذريعة للشرك. يُبين أن هذا الحكم يسري سواء كانت التمائم من القرآن أو غيره.
يناقش هذا الجزء الفرق بين التمائم والرقى، ويُبيّن أن تعليق التمائم لا يجوز بينما تجوز الرقى الشرعية بشروط معينة، مثل أن تكون باللسان المعروف وبكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته.
يُسلط الضوء على مخاطر انتشار العلاج بالقرآن والرقية الشرعية على يد الجهلة، ويحذّر من الاستعانة بالجن والعبث بالأحكام الشرعية، ويُشدّد على أهمية الرقية الشرعية على يد أهل العلم والتقوى.
يناقش المقطع مفهوم اعتبار شيء ما سببًا دون أن يكون كذلك شرعًا أو قدرًا، ويشير إلى أن الله لم يجعله سببًا، ويعد بمتابعة هذا الموضوع في درس لاحق.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك». ومر معنا القصة في قصة امرأة ابن مسعود، وكانت من التابعيات. قال رحمه الله تعالى: التمائم شيء يعلق على الأولاد من العين، لكن إذا كان المعلق من القرآن فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه، ويجعلونه من المنهي عنه، منهم ابن مسعود رضي الله عنه. قوله: «التمائم شيء يعلق على الأولاد من العين»، هذا بعض التمائم، وإلا فقد يعلق على الدواب وغيرها، حتى بعضهم جعل ما يعلق على بعض البيوت هو بمعنى التمائم، كما يفعله بعض الناس، يجعلون في مداخل بعض بيوتهم قرون الوعل، يريدون به دفع العين، أو يجعلون أحيانا ذيل الثعلب أو رأس أو أسنان الذئب أو غير ذلك، ويظنون أن هذا يدفع العين، أو صور معينة لهم فيها اعتقادات، بعضها من مخلفات الجاهلية، فبقيت في الناس. وهكذا يعلق على الدواب، وقد يعلق في هذا الزمان على بعض المركوبات كالسيارات وغيرها، تجد سيارة معلقة عليها نعل، لماذا؟ قال: هذه تدفع العين، هذه ترد العين. وبعض السيارات والباصات ربما يعلقوا عليها عين، إما صورة عين ذئب أو ثعلب أو عين مرسومة رسما، أو بعض الودع وأحجار البحر، أو بعض الخيوط والأوتار أو غير ذلك. وربما علق على بعض الدواب نحو هذا، أو علقوا عليه قطعة مما يخاف منها، إما قطعة من جلد الذئب، قالوا: بهذا يحميها الله من الذئب، وهو لم يجعل الله عز وجل سببا لذلك، أو بعضهم يظن أن الجن تحميها بذلك، أو ربما وضعوا نابا للسبع أو غيره، ويقولون: هذا يحفظ من الخطر. وكل هذا من اعتقادات أهل الجاهلية التي لا يجوز للمسلم أن يفعلها، وهي التي تسمى حروزا، التميمة تسمى أحيانا حرزا، وهي التي تسمى حجبا، فهي تمائم لما يتمتم عليها، إما بالمكتوب أو بالملفوف مما لا يفهم معناه، ولا يقرأ. فكانوا يجعلون في بعض الجلد حروفا مقطعة أو كلمات أعجمية، أو ربما حتى عند بعض من كان ينتسب للمسلمين وعنده من مخلفات الجاهلية، يكتب القرآن منكسا، أو بين آياته شيء مما لا يفهم معناه من حروف أو أرقام أو رموز أو صور أو غير ذلك، من فعل السحرة والمشعودين والكهنة، مما فيه تقرب للجن بالكفر، فيتقربون إلى الجن بالكفر بتحريف هذا القرآن والتلاعب فيه، ويجعلونه تمائم. ويسمى حرزا؛ لأنهم زعموا أنه يحرز الإنسان من الشيطان أو من العين، وهكذا يسمى حجابا؛ لأنهم يزعمون أنه يحجب هذا الإنسان ويحفظه، وأنه يكون له كالحارس والحافظ. وكل هذا من عقائد الجاهلية، ليس من الإسلام في شيء، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه، سماه شركا. وقوله: لكن إذا كان المعلق من القرآن فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه، ويجعلونه من المنهي عنه، منهم ابن مسعود رضي الله عنه. هكذا قال جماعة من أهل العلم، وروّوه الرخصة عن عائشة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وجعفر الباقر، وروي رواية عن الإمام أحمد. وروي المنع عن أكثر الصحابة والتابعين والأمة، فروي صريحا عن ابن مسعود -كما ذكر رحمه الله- وعن حذيفة، وعقبة بن عامر، وابن عكيم، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد. والصحيح عند التحقيق أنه لم يرد شيء صحيح صريح عن الصحابة في جواز تعليق التميمة من القرآن، لم يرد شيء صحيح صريح. وهذا المروي بين صريح لكنه ضعيف لا يصح، وبين صحيح لكنه غير صريح، مثل الذي روي عن عبد الله بن عمر: أنه كان يجعله لأبنائه، فقد ذكر أنه إنما كان يجعل لهم ما يحفظون به القرآن على أعناقهم، بمثابة صحف أصحاب الكتاتيب، أصحاب الكتاتيب يجعل لهم صحيفة يرددها حتى يحفظها. مثل الأخشاب الذي يكتب عليها القرآن في بعض البلاد، تبقى في عنق الطفل، يكتب عليها أو يكتب له فيها، فإذا حفظها أتى بها إلى معلمه، فمحى الأول وكتب له الثاني، ويبقى الثاني يديم النظر عليه وهو معلق على عنقه، يقرأه ويحفظه ويردده. فحمل بعضهم هذا على مثل هذا المعنى، فالصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يجوز تعليق شيء من التمائم، ولو كان هذا المعلق من القرآن، وذلك لأمور: أولا: أنه لم يرد شيئا صريحا لا من الكتاب ولا من السنة، ولا من الآثار المروية عن الصحابة وسلف الأمة ما يدل على جوازه، لا يوجد شيء صحيح صريح. والثاني: أن عموم الأدلة تدل على النهي منه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة نهى عن التمائم، وعن تعليق شيء مطلقا، سواء قرآن أو غير قرآن، ولو كان لا يدخل في العموم القرآن لنص النبي عليه الصلاة والسلام عليه، أو نص عليه الصحابة، ولم يرد مثل ذلك. والثالث: أنه ذريعة للشر والشرك، فإنه لو أذن في تعليق التمائم من القرآن، علق من فيه شائبة شرك، تميمة وزعم أنها من القرآن، فكيف نميز بين الممنوع من المشروع؟ ولم يثبت أن أحدا من الصحابة كانوا يرخصون بتعليق شيء، بل كانوا يقطعون كل معلق. ومرت معنا بعض الأحاديث في ذلك، وسيأتي البعض الآخر إن شاء الله. وهكذا يمنع؛ لأن سببه كان موجودا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت أنه عليه الصلاة والسلام أذن في شيء منه. والناس لو كان هذا مشروعا لفعلوه، خصوصا مع كثرة دواعيه. فكونه لم يثبت مع وجود أسبابه وكثرة دواعيه، دل ذلك على المنع منه. وهكذا كذلك خامسا: أنه سبب لامتهان القرآن، فإذا صار القرآن يعلق تميمة، فإنه سبب لامتهانه؛ لأنه يدخل به إلى الخلاء، وهو تكون له فيه أحوال كثيرة. والغالب أن من علق شيئا لا يخلعه، كالصبيان والنساء، بل والرجال وغيرهم، إذا علقوا شيئا من هذه التمائم. فلذلك كان الصحيح المنع منه مطلقا، لا تجوز التمائم لا من القرآن ولا من غير القرآن. وهنا يرد سؤال: ما حكم تعليق بعض آيات القرآن على السيارات؟ فالجواب: أن الأحوط المنع منه، خصوصا إذا كانت الآيات من آيات التعويذ، يعني مثل المعوذات وآية الكرسي؛ لأنه يدخل في معنى التمائم المعلق لقصد دفع الضر وحصول الخير. وهذا كما مر معنا: الصحيح أنه لا يجوز، ولهذا نص غير واحد من أهل العلم أنه بدعة، أنه بدعة، أي: تعليق القرآن على السيارات لدفع العين أو لحماية السيارة. بل نص بعض أهل العلم أنه قد يصل إلى الشرك الأصغر، قد يصل إلى الشرك الأصغر. وأما إذا كان لأجل التعليم، فأجازه جماعة من أهل العلم، مثل أن يكون دعاء السفر مثلا، وفي ضمن دعاء السفر آيات مثلا، أو أذكار الصباح والمساء، وفي ضمن أذكار الصباح والمساء آيات، فهذا جائز للتعليم، جائز. ولو خشية أن يظن الأول فيترك؛ سدا لهذه الذريعة. قال رحمه الله تعالى: والرقى هي التي تسمى العزائم، وخص منها الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من العين والحمة. وهو يشير بهذا إلى حديث عوف بن مالك في صحيح مسلم: أنهم كانوا يرقون، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرضوا عليه رقاهم. أمرهم أن يعرضوا عليه رقاهم، فدل ذلك أولا على أن الرقى تنقسم إلى قسمين: رقى ممنوعة، ورقى جائزة. بخلاف التمائم، التمائم لم يأتي فيها تفصيل. أما الرقى جاء فيها تفصيل، وسبق معنا أن الرقى تجوز بأربعة شروط، الرقية الشرعية ما توفر فيها أربعة شروط. ما هي هذه الشروط الأربعة؟ ها هاتي يا أبا محمد. أن تكون مما جاء به النص من الكتاب والسنة، أن يكون باللسان العربي وما يعرف معناه؛ لأنه إذا كان باللسان العربي ولا يعرف معناه لا يجوز. ثالثا: أن لا يعتمد عليه. أن تكون على كيفية شرعية لا على كيفية محدثة. وبعضهم زاد شرطا خامسا، فقال: ألا تكون ممن عرف بسحر وشعودة، ألا تكون ممن عرف بسحر وشعودة، يعني حتى ولو تاب، إذا هو مظنة ذلك فإنه لا يجوز. وهكذا يستفاد من هذا كذلك أن الرقى ينبغي أن تعرض على أهل العلم، خصوصا ما لم يأت فيها النص الصريح، ينبغي أن تعرض على أهل العلم حتى لا يتوسع الناس في ذلك. والرقى تنقسم إلى قسمين: رقى بالقراءة المباشرة، كآية الكرسي والمعوذات والأدعية الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام. ورقى بقراءة بواسطة، كالمقروء على الماء أو الزيت أو ما كان بمعناه. فأما الأول فهو جائز بالشروط المتقدمة. وأما الثاني فقد اختلف فيه أهل العلم، فمن أهل العلم من أجازه بالشروط المتقدمة، ومن أهل العلم منعه. ومن أجازه أجازه لما روي عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم الإذن فيه. وأجازوه بالقياس، فقاسوا بعض الأحاديث التي فيها معنى ذلك، مثل حديث أم سلمة: قصة الشعرات من شعرات النبي صلى الله عليه وسلم التي كانت تبلها بالماء فيشربها المريض فيشفيه الله عز وجل، فقالوا: إذا كان هذا في الماء المبلول به شعر النبي عليه الصلاة والسلام، فالقرآن من باب أولى. فأسو عليه قياسا، والأمر في هذا واسع، فمن رأى من أهل العلم جوازه فعله بالشروط المتقدمة، ومن رأى من أهل العلم المنع منه فإنه له ذلك، ولا حرج عليه. مع أن الجميع متفق أن هذا الباب لا ينبغي التوسع فيه، وأن يعرض على أهل العلم أن يعرض على أهل العلم؛ لأن بعض الناس توسع في هذا توسعا لم يكن عليه طريقة أهل العلم. بل ربما صار هذا التوسع فيه تطفلا عما لا يحسنه، مثل بعض الناس الذي ينشغل بالقراءة واتخذها مهنة في هذا الزمان، ربما صار يقرأ على بعض الحقن، وصار يصرف ما يصرفه الأطباء، هذا يعطي قربة مغذية ويقول: هذا مقروء، هذه قربة مغذية مقروء عليها. وهكذا فتحصل في ذلك مفاسد، فربما قرر قربة مالحة على من عنده الضغط فيزيد مرضه، أو يقرر القربة المغذية الحلوة على من عنده السكر، وغير ذلك من المفاسد الكثيرة، مع ما فيه من التوسع الذي لا ينبغي له، والاتجار الذي ينبغي إغلاقه. ولهذا كان قول أهل العلم والمحققين منهم: المنع من اتخاذ الرقية مهنة، اتخاذ الرقية مهنة وحرفة، هذا ممنوع ولا يجوز على القول الصحيح من أقوال أهل العلم؛ لأنه أولا بدعة محدثة، ما كانت في السلف. أما حديث أبي سعيد في جواز أخذ الأجر في القرآن، فهو أولا جعل وليس مهنة، وفي مقابل امتناع من ضيافة. انظر ثلاثة أمور، وما يفعله هؤلاء خلاف ذلك تماما. ثم هو ذريع للشر، حتى صار بعض الناس لا يميز بين المشعود والكاهن وبين الذي يرقي حقيقة؛ لأن الجميع اتخذ ذلك مهنة. وصارت العيادات تفتح العلاج بالقرآن والعلاج من المس والشيطان، وهذا ذريع لانتشار الكهنة والعرافين والمشعودين. ولا شك أن نسد الذرايى المهضة إلى ذلك مما تطلبه الشريعة، وهو كذلك سبب لتصدر الجهلة. ولهذا فإن الغالب على هؤلاء من الجهلة، الغالب على من يتفرغ للرقية للناس هو من الجهلة، ليس من أهل العلم، حتى ولو عد في طلبة العلم، فهو من أضعف طلبة العلم، هو من أضعف طلبة العلم. وإذا تصدر مثل هذا المقام الجاهل فلا تسأل عن الشر الذي يقع. فقد ذكرت لكم حكاية سابقة واقعية صحيحة لبعض من كان معنا من طلبة العلم في زمن متقدم، عند شيخنا أبي عبد الرحمن مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله، وهو حافظ القرآن، وكان قد انشغل فترة بالقراءة على الناس. ففي أحد الحالات -وهذا من توسع القراء مخاطبة الممسوسين أو كما يزعمون مخاطبة الجن، والتوسع في ذلك- قال له الجن: ما أخرج حتى تذبح. قال: لا، ما أذبح، لا يجوز هذا شرك. قال: لا بأس، اذبح لله، قل بسم الله واذبح، وأنا سأخرج. قال: أما إذا كان أقول بسم الله ولله، فإن شاء الله أذبح. فقال: بسم الله ولله، وذبح. فسئل بعد ذلك حين أنكر عليه عدد من الإخوة شيخنا رحمه الله، فقال: قولوا له: يتوب ويستغفر؛ فإنه قد وقع في الشرك. قولوا له: يتوب ويستغفر؛ فإنه قد وقع في الشرك؛ لأنه ذبح تقربا لهذا الجن حتى يخرج، ما يخرج حتى يذبح، فقرب قربانا، أنهر الدم. ليس وإن تلفظ أنه لله، لكن الذبح حقيقة لماذا؟ لأجل أن يخرج الجني، لن يخرج إلا بذبح، فالعبادة بالحقائق لا بالألفاظ. ونظائر هذا كثير مما يقع لبعض الجهلة، بل بعضهم ربما يضرب ضربا ويخنق خنقا يكون معه قتل هذا المقروء عليه، أو أذيته أو غير ذلك. وهذا بسبب جهله. وهكذا بعضهم يتوسع حتى يستعين بالجن، والاستعانة بالجن على الصحيح من أقوال أهل العلم لا تجوز، لا الصالح ولا الطالح؛ لأنها ذريعة للشر والشرك. فإن عالم الجن عالم غيبي، لا يستطيع المسلم على ضعفه أن يميز بين الصادقين من الكاذبين منهم. ولهذا كان القول الصحيح من أقوال أهل العلم: المنع من الاستعانة بالجن مطلقا، وعليه فتوى مجموعة من مشايخنا، كالشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، وشيخنا محمد بن صالح ثيمين، وجماعة، وبه أفتت اللجنة الدائمة. وهكذا من مفاسده كذلك: العبث بالأحكام، تجد أن هؤلاء كثيرا ما يعبثون بالأحكام الشرعية والآداب، فربما حصل الاختلاط بين الذكور والإناث، أو الخلوة بالمرأة الأجنبية، أو مس المرأة الأجنبية، وكل هذا حرام لا يجوز. أو تكشف المرأة عند الرجل، ولهذا صار بعض هؤلاء من الزائغين بسبب امتهان هذه المهنة، وغير ذلك من المخالفات الكثيرة التي تقع بسبب ذلك. فإن قال قائل: كيف السبيل إذا ابتلي ناس أو أناس أو إنسان بذلك؟ يقال: السبيل بذلك أن يرقي الرجل نفسه. أولا؛ لأن الأمر كما تقدم: يكمل للعبد إيمانه بعدم طلب الرقية من غيره، حتى لا يتعلق قلبه بالمخلوق، يرقي نفسه، ويتصدق عليه من يرقيه من أهله وإخوانه إذا علموا أن فلانا من الناس مريض، هو يرقي نفسه أولا، وأهل بيته يعينونه بالرقية. وإذا تعلق قلب العبد بالله سبحانه وتعالى، نفعه الراقون؛ لأن العبرة بما يجعل الله عز وجل من الشفاء، لا بعين السبب. فأنت تتعلق بالله لا بالسبب من الشفاء، ولهذا بعض الناس تعلقت قلوبهم ببعض الراقين، حتى صار يظن أن القرآن ما ينفع إلا مع فلان، وهذا خطأ، وهذا خطأ. فالمهم لو أن الناس فعلوا مثل ذلك، قل هذا الاعتماد على غير الله الذي نراه، وقد توسع الناس به توسعا كبيرا، مع هؤلاء الذين اتخذوا هذا مهنة، مع ما فيه من مفاسد أخرى: أكل أموال الناس بالباطل، وهذا ظاهر، ظاهر جدا. حتى صارت لتلك العيادات أماكن خاصة لبيع ما يقال: العشاب الطبية، العسل الذي تجده خارجا بمئة، عندهم بمئتين؛ لأنه مقروء. والماء الذي تجده خارجا بعشر ريالات، عندهم ربما بخمسين أو مئة؛ لأنه مقروء. وهكذا: زيت مقروء، وحب سوداء مقروء، وقل غير ذلك في أشياء أخرى كثيرة. قال رحمه الله تعالى: فقد رخص به رسول الله صلى الله عليه وسلم من العين والحمة. وقد مر معنا: العين وهو ما يصاب به الإنسان من عين أخيه. والحمة: لدغ ذوات السموم، وأثر حرارتها من عقرب أو حية أو نملة أو غيرها. قال: والتيولة هي شيء يصنعونه، يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته. وهذا الغالب أنه يكون بالسحر، أو بأشياء تقرب، يظنون أنه ينفع، وهو لا ينفع، مثل بعض الناس يرش الملح في ليلة الدخلة، ويزعمون أنه يبعد الجن، ويحبب المرأة إلى زوجها. أو يكسرون البيض في عتبة الباب، أو يذبحون في عتبة الباب، ويظنون أن هذا يرد الجن. وكل هذا وغيره لا يجوز، وأعظم من ذلك استعمال السحر، حتى صار بعض الجهلة من الفقهاء يزعمون أن سحر العطف مما يجوز من السحر، وأنه مما يستثنى من السحر المحرم والكفر والكبيرة. والصحيح: أن السحر كله حرام، وسيئة الكلام عليه، وأنه لا يجوز، وأن منه ما هو كفر، فلا يجوز للمسلم أن يصنع شيئا منه، ولو كان لتحبيب المرأة لزوجها أو العكس، ولو كان هذا الذي يفعل كذلك ليس فيه سحر، ولكنه فيه شيء من عوائد أهل الجاهلية، ومما لم يجعله الله سببا. فيظنونه سببا، ولم يجعله الله سببا لا شرعيا ولا قدريا، كونيا، فهو من الممنوع كذلك. طيب نكتفي بهذا، ونترك الباقي إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.