الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 171، الدرس الحادي والسبعون بعد المائة:(ومن دلائل النبوة أنه يرى من خلفه في الصلاة ... إني والله لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
أورد الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله أحاديث صحيحة تثبت رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لمن خلفه في الصلاة، مما يعد دليلاً على نبوته وصدق رسالته. هذه الأحاديث رواها أنس بن مالك وأبو هريرة رضي الله عنهما.
يؤكد على وجوب إحسان الصلاة وأهمية التعليم بالعمل، مشيرًا إلى أن الإحسان في الصلاة ينقسم إلى واجب ومستحب. التعليم بالفعل أبلغ من القول خاصة مع الصغار أو حديثي العهد بالإسلام.
يبرز دور الإمام في تعليم المصلين وتنبيههم للأخطاء في الصلاة مع مراعاة أدب النصح وستر المخطئ إذا كان في ذلك مصلحة. يشير إلى أن المصلي يجب أن يعتني بصلاته لأنه هو المنتفع منها.
يناقش بعض أحكام الصلاة مثل النظر أثناء الصلاة، ويتطرق إلى فضل ترك شيء لله تعالى وتعويضه بخير منه. يشدد على أهمية الاهتمام بأحكام الصلاة ومراعاة آدابها.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه "الصحيح المسند من دلائل النبوة". قال رحمه الله: من دلائل النبوة أنه يرى من خلفه في الصلاة. قال الإمام البخاري، رحمه الله تعالى: حدثنا يحيى بن صالح، وهو الوحاظي، من رجال الصحيحين، صدوق إلا أنه رمي بالرأي. وقال العقيل فيه: تجههم، لكن لم يقبل العلماء قول العقيل. قال: حدثنا فليح بن سليمان، وفليح بن سليمان كذلك من رجال الصحيح، صدوق يخطئ كثيرًا، لكن أهل الصحيح انتقوا من روايته ما كان موافقًا لأحاديث الثقات. قال: عن هلال بن علي، وهو بن أسامة المشهور بابن أبي ميمونة، هلال بن أبي ميمونة كذلك، أحد الثقات من رجال الصحيحين. قال: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: صلى لنا النبي صلى الله عليه وسلم صلاة، ثم رقي المنبر، فقال: إني لأراكم من ورائي كما أراكم -يعني من أمامي-. قال: وأخرجه مسلم من طريق قتادة والمختار بن فلفل بمعناه، وليس هو عند مسلم من طريق فليح. قال: وكذا هو عند البخاري. قال رحمه الله: حدثنا محمد بن بشار، وهو بندار، قال: حدثنا غندر، وهو محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة وابن الحجاج، أبو بسطام أمير المؤمنين في الحديث، قال: سمعت قتادة، وهو ابن دعام السدوسي، عن أنس بن مالك به -أي بالحديث الذي قبله-، فيكون بهذا حديث فليح من من تقي، فوافق حديث الثقات. قال البخاري، رحمه الله: حدثنا عبد الله بن يوسف والتنيسي، قال: أخبرنا مالك، وهو ابن أنس أبو عبد الله إمام دار الهجرة، عن أبي الزناد، وهو عبد الله بن ذكوان، عن الأعرج، وهو عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "هل ترون قبلتي هنا؟ فوالله ما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم، إني لأراكم من وراء ظهري". قال الحديث، وخرجه مسلم. وقال الإمام مسلم، رحمه الله: حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني، قال: حدثنا أبو أسامة، وهو حماد بن أسامة، عن الوليد يعني ابن كثير، قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، قال: عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا ثم انصرف، فقال: "يا فلان، ألا تحسن صلاتك؟ ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف يصلي؟ فإنما يصلي لنفسه، إني والله لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي". أورد شيخنا، رحمه الله، هذه الأحاديث في هذا الباب والفصل في سياق ذكره لدلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. فمن دلائل نبوته وعلامات صدق رسالته عليه الصلاة والسلام أنه يرى من خلفه في الصلاة كما يرى من أمامه. وهذه آية جعلها الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام. وأما كيفية هذه الرؤية فالله أعلم بها. قال بعض أهل العلم: إنه يرى من جانبيه، فيمكن الله عز وجل من رؤية من خلفه من جانبيه، عن يمنه وعن يسرة. وقال بعضهم: بل يرى ذلك بما يراه في الجدار، واستدلوا بهذه الرواية الأخيرة، فإنه قال: "ألا ترون القبلة؟" فيرى من خلفه في القبلة كأنه يراهم وهو من الأمام. والحاصل أن الله عز وجل قد أمكنه من هذه الرؤية، والله أعلم بكيفيتها. لكننا نؤمن بها كما أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم، وكما نقل ذلك الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فنؤمن بذلك. وهذه آية ودليل من دلائل نبوة وصدق رسالة عليه أفضل الصلاة والتسليم، إذ خص بهذا الوصف عليه أفضل الصلاة والتسليم. وفي الحديث مسائل أخرى، من أهم هذه المسائل وجوب إحسان الصلاة. فإن إحسان المسلم لصلاته مما يجب عليه. والمراد بالإحسان هو الإحسان في الحد الواجب. فالإحسان ينقسم إلى قسمين: قسم منه يتعلق بالوجوب، وهو ما يكون من إتمام الركوع والسجود وما كان بمعناه من الإطمئنان وتأدية هذه الواجبات والأركان على الوجه الشرعي التي تصح بها. فسجود المصلي مثلاً على غير السبعة الأعضاء يبطل السجود. فكونه يصلي وهو رافع لرجله مثلاً أو ليده أو لأنفه، هذا مما ينافي الإحسان، وهو ماذا؟ واجب إحسان واجب. فالصلاة تبطل بنقصان هذا النوع من الإحسان. وهنا إحسان مستحب، وهو ما يطلب من تمام الخشوع والطمأنينة الزائدة عن الحد الواجب. فمثلاً الحركة تنافي الخشوع، الالتفات ينافي الخشوع، فإنما هو اختلاس يختلس الشيطان من المصلي. فالمصلي يحرص على كلا المعنيين من الإحسان، يحسن في صلاته بأداء الواجبات وبما يستطيع من المستحبات، حتى يؤدي هذه الصلاة على الوجه الذي ينتفع به. وفيه من المسائل كذلك حاجة المسلم إلى العلم والنصح، مهما بلغ في الفضل. فإذا كان هذا بعض الصحابة وقع منهم مثل هذا، فمن دونهم من باب أولى، خصوصًا وأن الصلاة مع كثرة تأديتها وتكرار عملها قد يحصل للإنسان معها شيء من الغفلة. ولهذا يقول العلماء: ينبغي أن يؤديها المسلم على وجه العبادة لا العادة. لأنه بكثرة أدائه للصلاة وتكرار هذه الصلاة قد تكون عند بعض الناس مثل العادة. فيدخل فيها وهو خالي من الخشوع، خالي من التدبر لأفعالها وأقوالها. فهذه الغفلة تورث قلة الإحسان تورث قلة الإحسان لهذه الصلاة. فإذا كان مثل هذا النصح لم يستغني عنه الصحابة رضي الله عنهم، فمن دونهم من باب أولى أنه يحتاج إلى أن يعان بمثل هذه النصائح على إتقان والإحسان في صلاته. وفيه من المسائل كذلك جواز التعليم بالعمل والفعل. فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على المنبر ليتعلموا منه صلاته. والتعليم بالفعل أبلغ من التعليم بالقول، خصوصًا إذا كان المعلم يريد أن يعلم قومًا لا يثبت لا يثبت عندهم العلم بالقول كثبوته بالعمل. وهذا يحسن مع الصغير الذي ينفع معه التعليم بالفعل أكثر من القول. وهكذا كذلك مع الكبير وحديث العهد بالإسلام. وكل هؤلاء يوجدون في المجتمع، فيحتاجون إلى التعليم بالفعل كما يحتاجون إلى التعليم بالقول. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم معنى ذلك في أحاديث، كصفة الوضوء في حديث عثمان في الصحيحين، وعبد الله بن زيد، وغيره من الأحاديث الأخرى التي فيها التعليم بالفعل. وهكذا كحديث عمار في تعليم التيمم، فإنه علمه بالفعل. وهكذا كذلك هذا الحديث، وأحاديث أخرى فيها التعليم بالفعل. فالإنسان ينبغي أن يجمع في التعليم بين التعليم بالقول والتعليم بالفعل، فإنه مما يثبت به العلم. وهذا ليس فقط في العبادات، بل حتى في العلوم الأخرى. حتى في العلوم الأخرى، التعليم بالفعل مدعاه لإتقان هذا العلم، وكذلك لإبعاد السآمة. فإن الأطفال مثلاً إذا كان التعليم دائمًا يكون معهم بالقول، ما يؤثر فيهم مثل التعليم بالفعل. فتستعين ببعض وسائل التعليم التي يكون فيها تعليم بالفعل. مثلاً من يعلم الحساب للأطفال، لو علمهم بالكتابة فقط وبالتلقين الشفوي لن يكون أمثل وأنفع مثل لو خلط معه التعليم بالفعل، أن يأتي لهم بعيدان ويحسبون فيها ويأخذونها بأيديهم ويضعونها من هنا إلى هنا ويجمعون هذا مع هذا، فهذا لا شك أنه سيكون ماذا؟ أثبت في التعليم. وفيه من المسائل كذلك ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الاعتناء بإحسان المصلين لصلاتهم ونصحهم. وهذه من مهام الإمام. فمهام الإمام لا تنحصر بأن يصلي بالناس فقط، بل يصلي بهم ويعلمهم. يعلمهم العلم الذي يحتاجون، ومنه أن ينصحهم في أمر صلاتهم وإحسانهم فيها. سواء تسوية الصفوف كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام في حديث النعمان: "لتسوين صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم". وكان يصوي بين الصفوف كأنما يسوي القداح -يعني يعدلها تعديلًا- ويمسح على صدورهم عليه الصلاة والسلام، حتى إذا رأى أنهم عقل منه فرأى رجلاً بارزًا، فقال الذي قال عليه الصلاة والسلام: "عباد الله لتسوين صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم" أو قال: "وجوهكم". فهذا وأمثاله من أعمال الإمام من وظيفة الإمام. وهكذا كذلك ما في هذا الحديث، فإذا رأى الإمام في المصلين خطأ فإنه يعلمهم. ومن مسائل الحديث: فيه أن التعليم إذا كان خطابًا لمخطئ، فمن حسن التعليم ألا يعين بعينه. فإن هذا من أدب النصح. لم يعين النبي صلى الله عليه وسلم أحدًا بعينه. وفيه كذلك جواز تعيين المنصوح جواز تعيين المنصوح عند الحاجة. بعض الناس ما ينفع معه التعميم، أو تعمم وتعمم فما يستفيد. فهنا تحتاج أن تذكره باسم، أو بشخصه، فتقول: يا فلان، يا صاحب العمام الحمراء، جزاك الله خير، استوي في الصف. أو مثلاً: أتم ركوعك، بارك الله فيك. ولو كان يصلي تخاطب وهو يصلي لا بأس، إذا كان هذا يحتاج إلى ذلك ونحو هذا مما لا ينفع التعميم يحتاج إلى تخصيص. وفيه كذلك من العلم ما ينبغي من ستر المخطئ ما دام في ستره مصلحة. لم يذكر الصحابة من هذا الصحابي الذي لم يحسن في صلاته. قالوا: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا فلان، ألا تحسن صلاتك؟" يحتمل أنه لم يسمه، فأشار إليه. فلهذا أشار الراوي. ويحتمل أنه سماه، فستر عليه الراوي. وهذا كذلك من الأدب الذي ينبغي أن يتأدب به المسلمون، وكذلك ناقل العلم. وفيه كذلك من المسائل: أن المصلي ينبغي عليه أن يعتني بصلاته، لأنه هو المنتفع منها. في قوله: "فإنما يصلي لنفسه". إذا صلى ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف يصلي؟ فإنما يصلي لنفسه. طيب نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. يقول: ما هو حال الحديث من ترك شيئًا لله، والله خيرًا منه؟ نعم، معناه صحيح إن شاء الله.