الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 22، الدرس الثاني والعشرون:من( فصل:ومن دلائل النبوة إخبار المتقدمين وغيرهم بنبوته ... رواه صالح بن كيسان ويونس ومعمر عن الزهري وأخرجه مسلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ المقطع الأول بوصف بداية الوحي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم من خلال حديث عائشة رضي الله عنها، مشيراً إلى الرؤيا الصالحة في النوم ونزول الملك في غار حراء. كما يستشهد بخبر ورقة بن نوفل كدليل على نبوة النبي.
يروي المقطع الثاني حواراً بين هرقل وأبي سفيان حول صفات النبي محمد صلى الله عليه وسلم ونسبه ودعوته، حيث سأل هرقل أبا سفيان عدة أسئلة وأجاب عليها، مما أدى بهرقل إلى استنتاج أن النبي نبي صادق.
يتناول المقطع الثالث قصة هرقل مع النبي صلى الله عليه وسلم، حيث استفسر عن النبي من خلال أبي سفيان وقرأ كتاباً من النبي يدعوه للإسلام، وتحقق من صحة نبوته من خلال رؤيا وبشارات، لكنه تراجع عن الإيمان خشية على ملكه.
يشير المقطع الأخير إلى شهادات هرقل وابن ناطور وصاحب إيلياء بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مستندين إلى ما ورد في كتب أهل الكتاب، مما يعد دليلاً على صحة نبوته.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادي، رحمه الله تعالى، في كتابه "الصحيح المسند من دلائل النبوة": فصل، ومن دلائل النبوة إخبار المتقدمين وغيرهم بنبوته صلى الله عليه وسلم. قال البخاري، رحمه الله: حدثنا يحيى بن بكير، وهو يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدثنا الليث، وهو بن سعد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين، أنها قالت: أول ما بدي به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤية الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه، وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها -يعني مرة أخرى يأخذ الزاد-، فإذا انتهى الزاد رجع فأخذ الزاد آخر. قال: حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، ومعنى الحق يعني الوحي. قال: فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ -يعني لست ممن يقرأ-. قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد -يعني ضمني إليه وشد على عنقي-، ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ. ومعنى لست بقارئ: ليس من باب الممانعة، ولكن من باب الإخبار أنه رجل أمي لا يقرأ. قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. قال: فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم﴾. فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فقال: زملوني، زملوني. فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلا والله، ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق. قال: فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، ابن عم خديجة، وكان امرأً تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني -يعني يعرف لغتهم- فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي. فقالت له خديجة: يا ابن عمي، اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى. يا ليتني فيها جذعا -يعني قويا شابا-، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو مخرجيهم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي. وهذا الحديث أورده شيخنا رحمه الله كما ترون، يستدل به على أن من دلائل النبوة إخبار المتقدمين برسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام، ومن ذلك خبر ورقة بن نوفل الأسدي، فإنه رضي الله عنه -والصحيح أن هذا كان إيمانا منه بالنبي عليه الصلاة والسلام- فأخبر بأن هذا الذي نزل الله على موسى من وحي. ومعناه أنه قرأ فيما قرأ من الكتاب العبراني في الإنجيل وغيره أن نبيا يظهر، وهذا أوانه، وهذه صفته. وهكذا ينزل الوحي. فهذا التصديق بما جاء به عليه الصلاة والسلام، ويعلم أهل الكتاب الذي عنده علم منهم بصدق ما جاء به عليه الصلاة والسلام، وصدق ما أقره به ورقة بن نوفل، وأنه ما قال إلا حقا وصدقا. والحديث عظيم، فيه أشياء كثيرة من أهمها هذه الآية العظيمة الأخرى، وهي دليل آخر من دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. كيف حبب إليه عليه الصلاة والسلام وهو لا يعرف دين، ولكن شيئا قذفه الله في قلبه، فحبب إليه التعبد الليالي ذوات العدد -يعني يخلو بنفسه فيتعبد لله سبحانه وتعالى-، وأين؟ في غار حراء. غار حراء لمن يعرفه ويعرف مكانه يتعجب كيف ألهم الله نبيه عليه الصلاة والسلام أن يصل إلى ذاك المكان، وكيف يصبر للوصول إلى ذاك المكان؟ وأعظم من ذلك كيف ثبت ربنا جل وعلا نبيه عليه الصلاة والسلام حتى جاءه الملك وهو في خلوته تلك في ذاك المكان، فأخذ ما أخذ مما سمعه من الملك. هذه كلها آيات تبين وتبرهن صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام. وهكذا أيضا قول خديجة: "كلا والله لا يخزيك الله أبدا"، ثم ذكرت من الصفات العظيمة التي اتصف بها النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا يدل على فضلها وقوتها رضي الله عنها، ويدل كذلك على ما كان قد خص به نبينا عليه الصلاة والسلام من صفات الخير والبر العظيمة التي هي محل تثبيت له عليه الصلاة والسلام في مثل هذا الموضع، كما ذكرت خديجة رضي الله عنها. قال رحمه الله تعالى: قال البخاري رحمه الله: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا شعبة، عن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عبد الله بن عباس أخبره أن أبا سفيان بن حرب أخبره. أنه «رجل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارا بالشام، في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش». وما هي هذه المدة؟ نعم، ما هي هذه المدة؟ صلح الحديبية، نعم. قال رحمه الله تعالى: فأتوه وهم بإيلياء، فدعاهم في مجلسه، وحوله عظماء الروم -يعني دعا أبا سفيان ومن معه- فدخلوا عليه، وهو بإيلياء، موضع معروف بالشام، هو اليوم بالأردن. ثم دعاهم، ودعا بترجمانه، فقال: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت أنا أقربهم نسبا. فقال: أدنوه مني، وقربوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره. ثم قال للترجمان: قل لهم إني سائل هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه. قال: فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبا لكذبت عنه -يعني انتصارا لملته-، وكان كافرا في ذاك الوقت، رضي الله عنه. قال: ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قال: قلت هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قبله؟ قلت: لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك أو من ملك؟ قلت: لا. قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ قال: فقلت بل ضعفاؤهم. قال: يزيدون أم ينقصون؟ قال: قلت بل يزيدون. قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قال: قلت: لا. ومعنى سخطة: يعني كراهية للدين، ومعنى أنه قد يرتد أحد لا سخطة في الدين، ولكن لشيء آخر كدنيا أو غيرها. قال: قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قال: قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: ولم تمكنني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة -يعني ما استطعت أدخل مطعا إلا هذا-، وهو مطع غير صريح، لأنه في الحقيقة قد أثبت أنه لا يغدر، والحقيقة من الذي غدر؟ ها، من الذي غدر؟ هم المشركون، هم الذين غدروا، كما مر معنا قريبا في غزوة عام الفتح. قال: فهل قاتلتموه؟ قال: قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قال: قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه. ويريد ما حصل في بدر وأحد. قال: فبماذا يأمركم؟ قال: قلت: يقول: «اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة». فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها. وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو أحد قال هذا القول قبله لقلت: رجل يتأسى بقول قيل قبله. وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، قلت: لو كان من آبائه من ملك، لقلت: رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد عرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله. وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاؤهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل. وسألتك: أ يزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم. وسألتك: أيرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب. وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك: بما يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف. فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين. قال: فقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم. فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه -يعني لو كنت أعلم أني أستطيع أن أصل إليه لحرصت على لقائه-. قال: ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه. ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به إلى عظيم بصرى، فدفع إلى هرقل، فقرأه، فإذا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين». وقوله: «سلام على من اتبع الهدى»، فيه دليل على جواز التسليم على أهل الكتاب بغير صيغة السلام الصريحة. قال: ثم قال: «فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين» -وهو لقب يطلق على النصارى الذين تحته-. قال: «يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأننا مسلمون». قال أبو سفيان: فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب، كثر عنده الصخب وارتفعت الأصوات وأخرجنا. فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر. فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام -يعني عام الفتح-. قال: وكان ابن الناطور صاحب إيلياء وهرقل، سقفا على نصارى الشام، يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يوما خبيث النفس -يعني متضايرا-، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك. قال ابن الناطور: وكان هرقل حزاء ينظر في النجوم -ومعنى حزاء: يعني يحزر أخبار النجوم، وقد يصيب وقد يخطئ، وهو من علم الكهانة الذي حرمه الشرع-. قال: فقال لهم حين سألوه -يعني لماذا أنت كذلك؟- قال: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة؟ قالوا: ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مدائن ملكك فيقتلوا من فيهم من اليهود -يعني إذا كنت خائفهم فليقتلوا-. قال: فبينما هو على أمرهم، إذ أتى هرقل برجل أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما استخبره هرقل قال: اذهبوا فانظروا: أمختتن هو أم لا؟ -يعني اسألوا عنه، فالنظر هنا ليس نظر العين، وإنما نظر العلم-. قالوا: انظروا ما في السماوات والأرض: نظر عين وتفكر وتدبر وعلم. قال: فنظروا إليه، فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب، فقال: هم يختتنون. فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر. ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم، وسار هرقل إلى حمص، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه، وافق رأي هرقل على خروج النبي صلى الله عليه وسلم وأنه نبي. قال: فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها -يعني نادى منادي لهم-، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع -يعني في مكان بارز- فقال: يا معيشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم؟ فتبايعوا هذا النبي. فحاصوا حيصة حمر الوحش -يعني نفرة قوية كنفرة حمر الوحش- قال: إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت. فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من الإيمان، قال: ردوهم علي. وقال: إني قلت مقالتي آنفا أخبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت -يعني أنكم ثابتون على دينكم-. فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأنه هرقل. ومعناه أنه أراد أن يؤمن، ولكن خاف على ملكه، فآثر الملك على الإيمان حين رأى أن قومه وأمته ستكفر به وتنفر منه. قال: رواه صالح بن كيسان، ويونس، ومعمر، عن الزهري. وأخرجه مسلم. والحديث أصله بصحيح البخاري. والشاهد منه: خبر هؤلاء الثلاثة: هرقل، وابن ناطور، وصاحب إيلياء، في أمر النبي عليه الصلاة والسلام، وصفته، وأنه النبي الذي علموا عنه وسمعوا به، وأخبروا به، وقرأوا في كتب أهل الكتاب. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم.