الدرس في شرح كتاب القواعد الأربع 6، لدرس السادس:من(والشفاعة شفاعتان شفاعة منفية وشفاعة مثبتة ... كما قال تعالى من الذي يشفع عنده إلا بإذنه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع شرح الشفاعة المنفية التي تطلب من غير الله، ويستدل على ذلك بالآيات القرآنية، ويبين أن المشركين كانوا يفعلون ذلك. يُظهر أن طلب الشفاعة من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله هو شرك.
يستدل بعض الناس على جواز الاستغاثة بالأموات بأنهم لم يعتقدوا أنهم يخلقون أو يرزقون، وإنما يتخذونهم شفعاء. الشفاعة الصحيحة لها شروط، منها أن تكون بإذن الله والرضا عن الشافع والمشفوع له.
يشرح المقطع أن الشفاعة المأذون فيها تطلب من الله وليس من غيره، وأن النبي عليه الصلاة والسلام يشفع بدعائه. يفرق بين الشفاعة المثبتة والشفاعة الشركية، ويبين شروط الشفاعة الصحيحة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، والشفاعة شفاعتان: شفاعة منفية، وشفاعة مثبتة. فالشفاعة المنفية ما كانت تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، وهذه كما قلنا هي أكثر شفاعة المشركين الأولين. ولهذا جاءت الأدل بنفيها، ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون﴾، ظالمون لأنهم ظنوا أن هناك شفاعة تنفع من دون الله عز وجل يوم القيامة، وهكذا ظالمون بكفرهم. وهكذا ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾، وهكذا ﴿ما لكم من ولي ولا شفيع أفلا تذكرون﴾، وهكذا كذلك ﴿أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون﴾، وغيرها من الآيات الكثيرة التي فيها بيان شفاعة المشركين من الكافرين. وهكذا كذلك بعض أهل الكتاب، فإنهم كانوا يستشفعون بغير الله عز وجل، فيطلبون منها كما قال: يطلبون من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله، وهي معنى من معاني الدعاء والاستغاثة بها في طلب الولد أو مغفرة الذنوب أو كذلك ربما الشفاء ونحو ذلك. وإذا قيل لهم: ماذا تصنعون؟ قالوا: نستشفع بهم، نستشفع بهم، كما مر معنا: «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفة». وهذا الذي فعله المشركون الأولون، وأنكر عليهم هو الذي فعل بعد ذلك من بعض المشركين المتأخرين. والمؤلف رحمه الله تعالى أراد أن يقرر هذا المعنى لأجل أن يرد على أهل الباطل الذين في زمنه، والذين وقعوا في جنس ما وقع فيه المشركون الأولون. فما وقع فيه المشركون الأولون هو عين ما وقع فيه المشركون في زمن المؤلف. والمؤلف رحمه الله يقرر هذا لعامة الناس؛ لأنه يعلم أن بعض شبه المشركين ربما تصل إليهم. فقد كان في زمن المؤلف بعض من ألف بعض المؤلفات في ذلك، مثل محمد القادري الذي توفي في 1217 للهجرة، فقد ألف ردا على الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وهو من أشد المبطلين في زمنه، وله رسالة سماها «الرد على الوهابية». وهكذا كذلك محمد الفاسي المتوفى في 1227 للهجرة، وهو كذلك ممن ألف ردا على أهل التوحيد، وله رد سماه «الرد على بعض المبتدعة». وترى أن هؤلاء مما يستدلون به في تجويز ما يفعلون من الاستغاثة بالأموات والصالحين: أنهم لم يقعوا في اعتقاد الربوبية فيهم، يعني لم يقولوا أنهم خالقون، وأنهم كذلك يرزقون، وإنما اتخذوهم شفعاء، واسطة بينهم وبين الله هكذا زعموا. وهذا هو عين ما وقع فيه أولئك المشركون. وهل توجه المشركون إلا إلى أمثال هذا المعنى في جنسين اثنين؟ فإما كان استشفاعهم بجمادات وأحجار وأشجار - كما زعموا - لا ذنوب لها، لا ذنوب لها، ويرون أن الله عز وجل يشفع بها. أو استشفعوا ببعض الصالحين من الأنبياء أو الملائكة أو كذلك بعض الرجال الذين عبدوهم من دون الله عز وجل، وزعموا أنهم يضربون بهم إلى الله زلفا. ولهذا أدل كثيرا من الكتاب ومن السنة قصة قوم نوح، كما تقدم معنى في مواضع يدل على هذا المعنى، قال نوح: ﴿رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارة ومكروا مكرا كبارا وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالة﴾. والشاهد أنهم وقد اتخذوا هؤلاء، وكما جاء عن ابن عباس في الصحيح البخاري: أنهم كانوا أناس صالحين، صوروا لهم صور لينشطوا على العبادة، فلما مات ذاك الجيل وجاءت أجيال بعدها عبدوها من دون الله عز وجل، وجعلوها واسطة تشفع لهم عند الله. وقد علمنا أن الواسطة تنقسم إلى قسمين: واسطة مثبتة جائزة بين الخالق والمخلوق، وهي واسطة التبليغ، وواسطة منفية، وهو واسطة الاستشفاع الشرك الذي يفعله هؤلاء الذي يفعله هؤلاء. وأما ما جاء من أمر الشفاعة التي ثبتت للنبي عليه الصلاة والسلام ولبعض الصالحين، فلها شروط دلت عليها أدلة الكتاب وأدلة السنة. من هذه الشروط أنها تكون بإذن الله سبحانه وتعالى، وهو أعظم هذه الشروط. ولهذا فهي لا تطلب إلا من الله سبحانه. وكذلك من هذه الشروط الرضى عن الشافع والرضى عن المشفوع. ومن هذه الشروط أنها لا تطلب من المخلوق إلا على وجه الدعاء، لا تطلب من المخلوق إلا على وجه الدعاء. فإذا كان على وجه الدعاء فهي لا تطلب من الميت ولا تطلب من الغائب، وإنما تطلب من الحي ومن الحاضر. وهي لا تطلب فيما لا يقدر عليه، وإنما تطلب فيما يقدر عليه؛ لأن هذه الخصال الثلاث لو اختلت نزل المخلوق منزلة الخالق. الطلب من الميت منافي لكونه ميتا، والله عز وجل يقول: ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾. والطلب من الغائب منافي لكون المخلوق لا يعلم الغيب، والله سبحانه يقول: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا﴾. كونك تطلب من إنسان غائب ما يطلب من الحاضر، هذا فيه تسوية هذا الغائب بالحاضر، وهذا يستلزم علمه بالغيب وقدرته على خلاف قدرة المخلوقين، وهذا ليس إلا لله سبحانه وتعالى، كما قال: ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾. وهكذا كذلك كونك تطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا كذلك تنزين له منزلة الرب سبحانه وتعالى. ولهذا فإنك إذا تأملت أدلة الشفاعة المأذون فيها للنبي عليه الصلاة والسلام ولمن يؤذن لهم، تجدها بالدعاء المشروع. النبي عليه الصلاة والسلام يشفع لأناس بدعائه في الدنيا بصلاته ودعائه واستغفاره، ومع ذلك فيما أذن له ويؤذن له. فلما أراد أن يستغفر لعمه، هل أذن له؟ فالجواب: لا. وشفع فيه في أن خفف عنه من النار، ولم يخرج من النار. وهكذا كذلك في أمه أراد أن يستغفر لأمه فلم يؤذن له. انظر وتأمل لأجل أن نعلم أنه إذا كان هذا في حق النبي عليه الصلاة والسلام فمن دونه من باب أولى. وهكذا كذلك تأمل شيئا آخر فيما يتعلق بالشفاعة في الآخرة، يأتي الناس إلى النبي عليه الصلاة والسلام ويطلبون منه ماذا يطلبون منه؟ أن يدعو، وأن يدعو فيما يقدر عليه، وأن يدعو الله عز وجل. كل هذا منافي لما يفعله المشركون مع الأصنام والأحجار قديما، وهكذا مع الأنبياء والملائكة والصالحين، وما يفعله المشركون المتأخرون من عباد القبور حديثا. فإنه لا فرق بين تلك الشفاعة الشركية التي فعلها الأولون وهذه الشفاعة الشركية التي فعلها المتأخرون. قال رحمه الله تعالى: «والشفاعة المثبتة هي التي تطلب من الله، والشافع مكرم بالشفاعة». الشفاعة المثبتة هي التي تطلب من الله، يعني لا تطلبها من غير الله، فتطلب من الله بلسان الحال ولسان المقال. لسان الحال بماذا؟ بفعل أسباب رضى الرب عنك من التوحيد، وهو أعظم أسباب حصول الشفاعة، كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «أو في الصحيح: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: أسعد الناس بشفاعة من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه». انظر: الشفاعة لها سبب عظيم وهو الرضا عن المشفوع، ومن أعظم أسباب الرضا عن المشفوع التوحيد. فلا شفاعة لمشرك، ولا لقبوري متدنس في عبادة القبور، كما أنها لا شفاعة لا لكافر ولا لمشرك ولا لوثني ولا لغير ذلك من المشركين. لا فرق بين من عبد الأشجار والأحجار ومن عبد القبور من دون الله عز وجل. وهكذا كذلك هذه الشفاعة تثبت لمن طلبها بلسان الحال ولسان المقال من الله سبحانه وتعالى، فان تطلبها من الله سبحانه وتعالى والله عز وجل يوفقك لها. قال: «والشافع مكرم بشفاعة»، يعني أن الله عز وجل هو الذي يكرمه بها، والمشفوع له من رضي الله قوله وفعله وعمله بعد الإذن، كما قال تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾. وكما سبق كذلك في الآية الأخرى: فإن الله عز وجل بيّن أن الشفاعة لا تكون إلا بشروطها الثلاثة: الرضا عن الشافع، والرضا عن المشفوع، والإذن. والإذن بالشفاعة.