الدرس في شرح كتاب القواعد الأربع 8، الدرس الثامن:من(ودليل الشمس والقمر قوله تعالى ومن آياته الليل والنهار ... أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع عبادة المشركين لغير الله، مستدلاً بآيات قرآنية على عبادتهم للشمس والقمر والملائكة والأنبياء. يُبين أن المشركين لم يكونوا يكتفوا بعبادة الأصنام فقط، بل كانوا يعبدون أيضًا مخلوقات أخرى.
المقطع يبين أن عبادة غير الله شرك وكفر، مستشهدًا بآيات القرآن الكريم التي تثبت أن الأنبياء والصالحين لم يأمروا الناس بعبادتهم. يشرح أن الشرك لم يقتصر على عبادة الأصنام بل شمل أيضًا عبادة الملائكة والأنبياء والصالحين.
يشرح المقطع كيف أن عبادة غير الله تشمل كل من عبد من دون الله، ويبين أن الصالحين لا يضرهم عبادة العابدين لهم إذا لم يكونوا راضين بذلك. يحذر من عبادة الصالحين ويبين أنها شرك وكفر مثل عبادة الأصنام.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه «القواعد الأربعة»: قال: «ودليل الشمس والقمر قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾». قوله، رحمه الله: «ودليل الشمس والقمر»، أي: دليل ما سبق ذكره فيما تقدم في أوائل هذه القاعدة: أن المشركين عبدوا معبودات متنوعة، ومن هذه المعبودات أنهم عبدوا الشمس والقمر. والدليل على ذلك، والمؤلف -كما نرى- من أول الرسالة يورد المسألة ويورد دليلها. وكما قال: «أن هذه القواعد أدلتها في كتاب الله سبحانه»، وهكذا ينبغي أن يكون طالب العلم مرتبطًا بالدليل، وهكذا موردًا للمخالفين -للدعوين- ما يدعوهم إليه بالدليل، فإن ذلك أدعى للقبول والإذعان والرجوع للحق، مع ما فيه كذلك من قوة الحجة والبرهان. قال: «ودليل الشمس والقمر قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾»، وهذه الآية آية مكية، والآيات المكية نزلت في خطاب المشركين، وهي تدل على أن من المشركين من كان يعبد الشمس والقمر، فليس كلهم كانوا يعبدون الأحجار، بل منهم من كان يعبد الأصنام والأحجار، ومنهم من كان يعبد غير ذلك، ومن ذلك أنهم عبدوا الشمس والقمر. قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، رحمه الله: «أيعبدوه وحده؛ لأنه الخالق العظيم؟ وذُكر عبادة ما سواه من المخلوقات، وإن كبر جرمها أو كثرت مصالحها؛ فإن ذلك ليس منها، وإنما هو من خالقها تبارك وتعالى». وهذا -منه رحمه الله- لفتة إلى أن بعض المخلوقين قد يغتر ببعض المخلوقات لكبر جرمها وحجمها أو كثرة منافعها، فيتوجه لها بالعبادة، وهذا خطأ، بل هذا عين الضلال؛ لأن ما فيها من كبر أو من منافع -وإن كثرت- ليس منها، وإنما هو من خالقها الذي خلق فيها هذه المنافع، وهي مخلوقة كغيرها من المخلوقات ضعيفة، فقيرة تفتقر إلى خالقها. ولهذا استدل إبراهيم عليه الصلاة والسلام على بطلان عبادتهم للشمس والقمر بأفولها؛ فلما رأى الشمس -أي: بدت- قال: «هذا ربي، هذا أكبر»، فلما أفلت قال: «لا أحب الآفلين». فإن هذا دليل على أنها لا تستحق العبادة؛ أفولها نقص وضعف يدل على أنها لا تستحق العبادة. ودليل ذلك ظاهر واضح؛ فهي لا تنطق، ولا تسمع، ولا تتكلم، فكيف تعبد من دون الله عز وجل؟ ولا تنفع، ولا تضر، بل الأمر كله لله سبحانه وتعالى. ومراد المؤلف، رحمه الله، فقط إبانة أن من المشركين من كان يعبد غير الأصنام، والمراد من ذلك تقرير هذا المعنى للمشركين في زمانه -من عباد القبور-. قال: «ودليل الملائكة قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾»، فسمى ربنا جل وعلا اتخاذهم الملائكة والنبيين أربابًا كفرًا، وهذا يدل على أن من المشركين من كان يعبد الملائكة، ومنهم من كان يعبد النبيين. وهذه الآية في سورة آل عمران في أوائلها. وكما مر معنا قريبًا: أن أوائل سورة آل عمران نزلت في وفد نجران، وهم النصارى الذين قدموا على النبي عليه الصلاة والسلام، وكان فيهم مشركون، منهم من يعبد عيسى عليه الصلاة والسلام -كما سيأتي-، ومنهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد بعض الحواريين والرهبان -كما أخبر الله عز وجل بذلك في آيات من كتابه، وكما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في سنته، وكما هو كذلك مشاهد، وحكاه من لا يرد حكايته -على وجه التواتر- من أهل الإسلام وغيرهم-، أي: أنهم يتوجهون بالعبادة لغير الله، سواء من الصالحين أو من الملائكة أو من النبيين. فبين ربنا جل وعلا: أن هذا من الشرك، وأن هذا موجب للكفر. قال ابن كثير، رحمه الله: «أي: ولا يأمركم بعبادة أحد غير الله؛ لا نبي مرسل، ولا ملك مقرب»، «أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ»، أي: لا يفعل ذلك إلا من دعا إلى عبادة غير الله، ومن دعا إلى عبادة غير الله؛ فقد دعا إلى الكفر. والأنبياء إنما يأمرون بالإيمان، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، وقوله: «أَرْبَابًا»، أي: آلهة من دون الله. فدل ذلك على أن بعض المشركين في زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عبد الملائكة، وعبد النبيين، فبطل بذلك قول عباد القبور الذين زعموا: أن الشرك في زمن النبي عليه الصلاة والسلام كان في عبادة الأصنام، وهذا خطأ؛ بل عبد الملائكة، وعبد النبيين، وعبد الشمس والقمر، وكل هؤلاء جميعًا كانوا من المشركين والكافرين بعبادتهم غير الله سبحانه وتعالى؛ فلا فرق بين شجر أو حجر، وهكذا بين ملك أو نبي أو صالح أو ولي؛ فكل من عبد غير الله، وصرف له ما لا يجوز إلا لله؛ فهو من المشركين والكافرين. قال رحمه الله تعالى: «ودليل الأنبياء قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾»، فأخبر ربنا جل وعلا في هذه السورة -في سورة المائدة-، وهي خطاب لأهل الكتاب، وأكثرها خطاب لأهل الكتاب من اليهود والنصارى. وفي هذه الآية بيان: أن من أهل الكتاب من عبد عيسى عليه الصلاة والسلام، بل قال ربنا جل وعلا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. فبين: أن كفرهم مشابه لكفر الكافرين ممن هم قبل أهل الكتاب؛ بما كان من نسبة البنوة لله سبحانه وتعالى في أنبيائه ورسله، وهذا من أعظم الافتراء على الله سبحانه وتعالى. وهذه الآية كذلك: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، فيها أولًا: توبيخ للنصارى -كنصارى نجران- الذين عبدوا عيسى عليه الصلاة والسلام، سواء قالوا: أنه ابن الله، أو قالوا: هو الله. وهكذا كذلك: فيها بيان أن من عبد وهو راضٍ؛ فإنه يلحقه ما يلحق العابدين، ولو كان هذا من أصلح الصالحين. فلما تبرأ عيسى عليه الصلاة والسلام برئ، ولما لم يتبرأ غيره؛ فإنهم ما نفعتهم عبادتهم، ولا صلاحهم -يعني من الأرباب الذين عبدهم النصارى-؛ كبعض أتباع عيسى، لكنهم ليسوا من الحواريين، وإنما هم ممن جاء بعد -كبولص ونحوه- ممن عبده النصارى من دون الله سبحانه وتعالى. وفي هذه الآية -في قوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾- فيها معنى ما ذكر الله عز وجل في حق ما زعمه المشركون، حين أنزل الله عز وجل: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾، «لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها، كل فيها خالدون». قال بعض المشركين: «هؤلاء يزعمون -يعني النبي عليه الصلاة والسلام ومن معه- أننا وما نعبد من دون الله حصب جهنم»، فإن النصارى يعبدون عيسى، وهذا يدل: أنهم كانوا يعلمون أن عبادة غير الله لا تنحصر في الأصنام؛ أن عبادة غير الله لا تنحصر في الأصنام، بل في كل ما عبد من دون الله، ولو كان نبيًا ورسولًا. ولهذا قالوا: «أفيزعم نبيكم أن عيسى في النار؟»، فأنزل الله عز وجل تكذيبًا لهم، كما حكى ذلك البخاري رحمه الله، وأصلها -أي: القصة- صحيحة، رواها غير واحد بإسناد صحيح: أنزل الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾. وقد أشار إليها شيخنا رحمه الله في «الصحيح المسند من أسباب النزول». قال رحمه الله تعالى: «ودليل الصالحين قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾»، وهذا كذلك -منه رحمه الله- ذكر لصنف رابع مما عبد من دون الله عز وجل في زمن النبي عليه الصلاة والسلام؛ ليبرئ لعباد القبور، ومن افتتن بفتنتهم: أن الشرك غير منحصر في عبادة الأصنام، بل كل من عبد من دون الله، ولو كان من الصالحين؛ فإنه يلحقه حكم الشرك والكفر. وقد مرت معنا أمثلة، وهذا مثال ودليل آخر. فقوله سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾، هذه الآية -كما ذكر غير واحد من أهل العلم- رويت عن عبد الله بن مسعود، رواه البخاري في صحيحه -بكتاب التفسير-: أن ناسًا من الجن كانوا يعبدون، فأسلموا، فلم يعلموا بإسلامهم -أي: من كان يعبدهم من المشركين من الناس-، فأنزل الله عز وجل هذه الآيات؛ بيان أن من تعبدوهم هم يدعون الله، ويبتغون منه الوسيلة؛ فإذا كانوا هم كذلك، فأنتم أحق أن تعبدوا الله، لا تعبدوا هؤلاء. وهكذا جاء بمعناها كذلك: أنها في حق الصالحين الذين عبدوا من دون الله -كعيسى والعزير وغيرهما- من الصالحين ممن عبد وهو غير راضٍ. وهذا المعنى يدل عليه عموم اللفظ، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فما ورد عن ابن مسعود صحيح، وقد رواه الإمام البخاري صحيحًا -بكتاب التفسير-، وهو يبين سبب نزول الآية، لكنه لا يحصر مفهوم الآية؛ لا يحصر مفهوم الآية؛ فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وهذا معناه: أننا استفدنا من هذا فائدتين: الفائدة الأولى: أنه وجد في زمن النبي عليه الصلاة والسلام من كان يعبد الجن؛ فعلم أن الشرك غير منحصر بعبادة الأصنام، بل حتى في عبادة الجن. وهكذا كذلك: أن هؤلاء الجن أسلموا وتابوا، وصلاحهم؛ فعبادتهم من قبل الإنس ما ضرهم، ولكن ضر من كان يعبدهم. وفيه كذلك: أن من عبد من الصالحين وهو غير راضٍ؛ لا يضره عبادة العابدين له، ما دام أنه متبرئ من ذلك. وأن عبادة الصالحين تضر العابد، وأنه لا فرق -وهذا الثاني- بين عبادة الأصنام وعبادة الصالحين؛ فكله شرك وكفر، وهذا الذي يريده المؤلف رحمه الله تعالى. فهكذا ما يفعل عُبّاد القبور من عبادة الأولياء والصالحين؛ بالذبح لهم، والنذر، ودعائهم، وطلب الشفاعة منهم، واللجوء إليهم في حصول الخير ودفع الشر، وغير ذلك؛ هذا من جنس ما أخبر الله عز وجل به في هذه الآية، وفي غيرها من الآيات الأخرى. طيب، نكتفي بهذا، ونترك الباقي -إن شاء الله- إلى درس لاحق. والله تعالى أعلم. اشتركوا في القناة.