الدرس في كتاب الطهارة 10، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الاستحالة هي تغير صفة النجاسة، وهي تعتبر مطهرة لزوال الوصف النجس. يُستدل على ذلك بأدلة شرعية مثل استخدام الأحجار للاستنجاء وحديث الأرض كطهور.
إذا زالت النجاسة ولم يبق لها أثر، يعود الشيء طاهرا. الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما، مثل المزروعات التي تسقى بماء النجاسة والخمر التي تتحول إلى خل.
يمكن إزالة النجاسة بطرق مختلفة مثل النزح، وزوال العين كافٍ لزوال الحكم. الصلاة على موضع النجاسة بعازل لا يضر.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. مر معنا في الدرس الماضي ذكر بعض ما ذكره المؤلف رحمه الله من الفصل الذي جعله في إزالة النجاسات وتطهيرها، وقد ذكر رحمه الله تعالى ستة مسائل في هذا الفصل، ومرت معنا مسألتان. المسألة الأولى قوله رحمه الله: «ويظهر ما تنجس بغسله حتى لا يبقى علم ولا لون ولا ريح ولا طعم». وقلنا أن هذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى يتحقق في ماذا؟ في إزالة النجاسة. طيب، وما ورد الدليل بغسله وأنه قد ورد التخفيف في بعض المواضع. ثم مر معنا الكلام على النجاسة وأنه يكون إزالة النجاسة منه بالمسح، ومر الجليل على ذلك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «والاستحالة مطهرة لعدم وجود الوصف المحكوم عليه». وهذه المسألة الثالثة. يقول: «والاستحالة مطهرة لعدم وجود الوصف المحكوم عليه». وهذه المسألة التي ذكرها رحمه الله تعالى وأشار إليها، يريد بالاستحالة هو التغير وذهاب الصفة، سواء أكان ذلك بمعاملة من الإنسان أو بغير معاملة من الإنسان. فإن الاستحالة قد تكون بمعاملة من الإنسان، مثل استحالة العذرة رمادا إذا أحرقت. إذا أحرقت نجاسة في الإنسان ورجعه أحرق، فإنه سيصير رمادا. فهل هذا الرماد نجس أو ليس بنجس؟ ذهب بعض أهل العلم إلى هذا، وذهب بعضهم إلى ذاك. والصحيح ما ذكره المؤلف رحمه الله، أنه إذا حصلت الاستحالة الكاملة، يعني بأن يحصل الاحتراق الكامل حتى يصير رمادا، فلا وجود لريح ولا للون ولا لطعم النجاسة، فإنه يزول بذلك حكم النجاسة. فإذا وقع هذا الرماد على الماء فإنه لا ينجسه، ولو وقع على الأرض فإنه لا ينجسه؛ لأنه قد زال حكم النجاسة بزوال العين وذهاب الأثر، فلا وجود للون ولا لريح ولا لطعم. والحكم يدور مع العلة وجودا وعدما. فإن قال قائل: هل يوجد الدليل الذي يقرب المعنى؟ الجواب: نعم، يوجد الدليل الذي يقرب المعنى. فمن الدليل الذي يقرب المعنى أدل عامة وأدل خاصة. فمن الأدلة العامة الاستنجاء بالأحجار، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين أمر بالاستنجاء بالأحجار لم يبين ولم يذكر ولم يأت في دليل واحد أنه ينبغي أن يستنقى بالمكان الذي يؤتى إليه الناس في الاستنجاء، بل على العكس، كانوا يعتادون أماكن خاصة يستنجون فيها. والغالب أن الأحجار تستعمل أكثر من مرة أو لا تستعمل أكثر من مرة، فدل على أن زوال أكثر النجاسة يزيل حكمها. وهكذا مثله كذلك كثير، أي مما هو بهذا المعنى. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول في حديث جابر بن عبد الله: «وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا». إذن، الأصل في الأرض الطهارة، ما لم يحصل فيها شيء. فإذا كان كذلك، فإذن صح هذا المعنى أنه إذا لم يوجد الطعم واللون والريح وزال العين، فإنه يزول الحكم بهذه الاستحالة. وقلنا: سواء كان ذلك بفعل الإنسان مثل الحريق، أو بغير فعل الإنسان مثل بعض المزروعات التي تسقى ببعض النجاسة، فإذا لم يظهر أثر هذه النجاسة على هذه المزروعات، فما حكم هذه المزروعات؟ حكمها أنها طاهرة. أجوز أن تأكل بعض الزراعة التي تسقى بماء النجاسة، هذا موجود ولا يزال إلى اليوم عرف عند الكثير من أهل الزراعة. فما حكم هذه الزراعة؟ نقول: حكمها يدور بوجود علة التحريم فيها، فإن وجدت النجاسة حرمت، وإن لم توجد النجاسة فلا تحرم. فالحكم يدور مع علته وجودا وعدما. صحيح أن بعض الناس يستقبح هذا ويستقذر، نقول: الاستقباح والاستقذار شيء، والحكم الشرعي شيء آخر. الاستقباح والاستقذار شيء، والحكم الشرعي شيء آخر. وكون أن الإنسان يستقبحه لا يعني ذلك تحريمه، والتحريم لا يكون إلا بدليل. وما دام أنه لا وجود لأثر النجاسة لا لعينها ولا لأثرها، لا طعم ولا ريح ولا لون ولا عين، فإنه يبقى على الأصل وهو الطهارة. فالاستحالة كما قال رحمه الله مطهرة بعدم وجود الوصف المحكوم عليه. وكذلك إذا وضعت الاستحالة بغير فعل الإنسان، مثل الاستحالة التي تكون للشيء من ذات نفسه، كالخمر إذا تأخرت صارت خلا. الخمر إذا تأخرت صارت خلا، وهنا يكون طاهرا. لكن هذا بقي فيه خلاف، فمن أهل العلم أجاز الخمر إذا صارت خلا، ومن أهل العلم منع منها إذا صارت خلا؛ لنهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يحول الخمر خلا. فقالوا: نهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقتضي امتناع استخدام الخل المحول من الخمر. وبعضهم ذهب إلى أن النهي إنما ورد في التحويل وليس أنه ورد في الاستخدام. فالأحوط في هذه المسألة أن يمتنع الخل الذي وصل إلى مرحلة الخل بالتحول من الخمر؛ لأمرين: الأمر الأول الشبهة الموجودة في هذه المسألة، والأمر الثاني وهو الأقوى أنه لو فتح هذا الباب لفتح باب استخدام وصناعة الخمر. وهذا الذي يفعله بعض الناس اليوم، فبعض الناس اليوم يصنع الخمر، فما زاد من الخمر ماذا يفعلون؟ يحولونه إلى خل. ما زاد من الخمر يحولونه خلا. فإذا قيل أنه لا يجوز، سُدّ هذا الباب على الناس، ما دام الناس يعرفون أن هذا يصنع الخمر، فإنهم لن يشتروا منه الخل. وفي هذا إفساد وسد لشر مثل هذا النوع من الناس. قال رحمه الله تعالى: «وما لا يمكن غسله فبالصب عليه». هذه المسألة الرابعة. وما لا يمكن غسله فبالصب عليه، مثل حديث أنس وحديث أبي هريرة في قصة بول الأعرابي. لا يمكن غسل التراب، كيف يمكن أن يغسل المسجد؟ يأخذ التراب ويغسل، لا. فما كان مثل هذا فإنه يصب عليه، أي يصب عليه الماء بما يظن أنه أزال أثر النجاسة. ولهذا دعا النبي عليه الصلاة والسلام بماء كثير، ذنوب من ماء. والذنوب مثل ما نقول اليوم الصطر، الوعاء الكبير. فصب عليه، فأتبعه بوله وصب الماء على البول، أمر أن يصب على موضع البول حتى يزول أثر هذا. وفي هذا دليل على أن الصلاة على الموضع الذي تحته نجاسة إذا صلي عليه بعازل فإنه لا يضر. مثلا يحصل ويبتل الكثير من النساء بانتشار مواضع البول في البيت بسبب كثرة الأطفال، فكيف تصنع؟ هل يلزمها في كل صلاة أن تغسل أو يلزمها أن تحفظ الأطفال؟ نقول: هذا أفضل، هذا أكمل، لكن ليس هذا يستطيعه كل الناس. فإذا شكت فما عليها أن تصنع؟ أو غلب على ظنها أن هذا فيه بول أو شمت ريح أو أثر بول، فما عليها أن تصنع؟ تفرش سجادة وتصلي عليه، ما دام الذي تحته جاف. وإن وجد الرش، ما دام الذي تحته جاف، فإنها تفرش السجادة أو تفرش أي شيء وتصلي عليه. قال: «أو النزح منه حتى لا يبقى للنجاسة أثر». وهذه المسألة الخامسة من مسائل إزالة النجاسة، أن من أنواع النجاسات التي تزاح أو أنها تزال تزال بالنزح، مثل البئر التي ماؤها قليل إذا وقع فيها نجاسة، فإن تطهير هذه البئر يكون بالنزح، بإزالة هذه النجاسة منها ونزح هذا الماء ونزح هذا الماء حتى يزول أثر النجاسة. ومر معنا في مسألة سابقة أنه يفرق بين أثر النجاسة بالمخالطة وأثر النجاسة بماذا؟ بالمجاورة. فما كان للنجاسة من أثر بالمخالطة فهو الذي لا يجوز استخدام الماء فيه، وما كان من أثر للنجاسة لسبب المجاورة فإنه لا يضر استخدام الماء فيه. مثاله: قلنا لو أن حمامة سقطت في أحد أوعية وخزانات الماء، فإن الماء هذا سيتغير بأثر هذه النجاسة، فتخرج الحمامة ويخرج الماء ويصب ماء جديد بعد غسل هذا الخزان، ومع ذلك ربما يبقى أثر، ربما يبقى أثر تلك النجاسة، لكن هذا الأثر ليس بالمخالطة وإنما بماذا؟ بالمجاورة؛ لأنه أثر على ريح هذا المكان تلك النجاسة، فبقي الريح ولم يبق العين ولا اللون ولا الطعم. وإن بقي الريح فإنه لا يضر؛ لأن الريح بقي بالمجاورة، والحكم يدور مع العلة وجودا وعدما إلى آخره. ما دام أن هذا ليس بالحقيقة بغير مخالطة ولكن بمجاورة، فإنه لا يضر. هذا هو قول المحققين من أهل العلم، كما رجحه الحافظ بن رجب رحمه الله في قواعده، والشيخ الإسلام رحمه الله في عدد من كتبه، وهو القول الصواب إن شاء الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: «والماء هو الأصل في التطهير، فلا يقوم غيره مقامه إلا بإذن من الشارع». هذا الكلام الذي ذكره رحمه الله صحيح، أنه الأصل في التطهير، لكن لا يعني أنه لا يقوم غيره مقامه. بل الصواب يقوم غيره مقامه، كما مر معنا بأدلة كثيرة. فإن المقصود في إزالة النجاسة هو زوال العين، فإذا زال العين زال الحكم. فإذا غسل أثر النجاسة من الثوب بغير الماء، غسل بأي شيء بغير الماء، فزال العين، فلم يبق لا عين ولا أثر، لا لون ولا طعم ولا ريح، إنه بالحقيقة يزول الحكم. وأمر الكلام على ذلك بما يغني عن العادة. وبهذا نكتفي، الحمد لله رب العالمين.