الدرس في شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 21، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يستعرض المقطع باب الحجامة والقيء في الصيام من صحيح البخاري، موضحاً اختلاف الروايات بين حديث «أفطر الحاجم والمحجوم» وأحاديث ترخص بالحجامة للصائم، مع ذكر أقوال الصحابة كابن عباس وابن عمر وأنس بن مالك، وخلاصة أن الخلاف شديد بسبب تضارب المرويات.
يناقش المقطع الخلاف الفقهي حول حكم الحجامة للصائم، ويرجح أنها مفطرة استناداً لحديث «أفطر الحاجم والمحجوم» الذي صححه جمع من الأئمة، ويضعف الأحاديث الواردة في جواز الحجامة للصائم، مبيناً أن النهي ليس لتحريمها بل للإبقاء على الصائم، وأن من احتجم وجب عليه الإفطار.
يبين المقطع خلاف العلماء في إفطار الحجامة، ويرجح أنها مفطرة عملاً بحديث «أفطر الحاجم والمحجوم» مع قوة قول عدم الإفطار الذي اختاره البخاري، ويفرق بين التبرع بالدم (مفطر) وسحب العينة للفحص (غير مفطر)، أما القيء فالراجح أنه لا يفطر سواء كان عمداً أو غلبة.
يختتم المتحدث الحديث مشيراً إلى انتهاء ما يمكن ذكره ويختتم بالحمد لله.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم لكم شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني، رحمه الله تعالى. قال المصنف رحمه الله تعالى: «باب الحجامة والقيل الصائم». وقال لي يحيى بن صالح: حدثنا معاوية بن سلام، قال: حدثنا يحيى، عن عمر بن الحكم بن ثوبان، قال: أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه قال: «إذا قاء فلا يفطر، إنما يخرج ولا يولج». ويذكر عن أبي هريرة أنه يفطر، والأول أصح. وقال ابن عباس: «الصوم مما دخل، وليس مما خرج». وكان ابن عمر رضي الله عنهما يحتجم وهو صائم، ثم تركه، فكان يحتجم بالليل. واحتجم أبو موسى ليلاً. ويذكر عن سعد، وزيد بن أرقم، وأم سلمة أنهم احتجموا صياماً. وقال أبو خيثمة عن أم علقمة: «كنا نحتجم عند عائشة فلا ننهى». ويروى عن الحسن، عن غير واحد، مرفوعاً: «أفطر الحاجم والمحجوم». فقال لي عياش: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا يونس، عن الحسن، مثله. قيل له: عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. ثم قال: الله أعلم. وقال أيضاً: حدثنا معلى بن أسد، قال: حدثنا وهيب، عن عكرمة، على ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم. وقال أيضاً: حدثنا أبو معمر، قال: حدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا أيوب، عن عكرمة، على ابن عباس رضي الله عنهما، قال: احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم. وقال أيضاً: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة، قال: سمعت ثابتاً البناني، قال: سئل أنس بن مالك رضي الله عنه: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إلا من أجل الضعف. وزاد شباب: حدثنا شعبة، على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. هنا باب المصنف رحمه الله: «باب الحجامة والقيل الصائم». ما حكم الحجامة والقيل الصائم؟ أما بالنسبة للحجامة، فاختلف أهل العلم في ذلك اختلافاً شديداً، نظراً لاختلاف المرويات في هذا الباب. فمن الحديث المشهور في هذا الباب: حديث «أفطر الحاجم والمحجوم». ومن الأحاديث التي تعارض هذا: حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للصائم بالحجامة. وأيضاً حديث أنس أن عبد الله بن جعفر احتجم وهو صائم عام الفتح، فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أفطر هذان»، ثم رخص بعد في الحجامة، فكان أنس يحتجم وهو صائم. وأيضاً حديث رجل من الصحابة مبهم: قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحجامة والصيام والوصال، ولم يحرمهما، إبقاء على أصحابه. وهكذا يعني جاء في بعض الحديث: «ثلاثة لا يفطرن الصائم: الحجامة، والقيء، والصيام» - الحجامة، والقيء، وذكر أمراً ثالثاً. فنظراً لاختلاف المرويات في الباب، اختلف في ذلك أهل العلم. فما هو الراجح في شأن الحجامة للصائم؟ الراجح - والله أعلم - مع قوة الخلاف المثلة، أن الحجامة مفطرة؛ لأنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أفطر الحاجم والمحجوم»، وأنه قال: «أفطر الحاجم والمحجوم». وهذا الحديث، وإن كان في كثير من أسانده شيء من المقال، لكن قواه وصححه جماعة من أئمة الحديث، مثل أحمد، وإسحاق، وعلي بن المديني، والبخاري، والترمذي، وإبراهيم الحربي، وابن المنذر، وابن خزيمة، وابن حبان، وجماعة من أئمة الحديث صححوا هذه اللفظة: «أفطر الحاجم والمحجوم». وهذا الحديث ظاهر الدلالة في كون الحجامة مفطرة للصائم. وأما الأحاديث التي استدل بها على خلاف هذا القول، فأشهر هذا الحديث - الحديث الذي بين أيدينا - حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم، واحتجم وهو محرم. هذا انفرد به البخاري. وأما لفظه في الصحيحين فهو بلفظ: «احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم، احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم». فبهذا اللفظ هو معلوم. كون النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم: هذا معلوم من فرد به البخاري، وأنكره جماعة من أئمة الحديث. وأما حديث أبي سعيد: «رخص النبي صلى الله عليه وسلم للصائم بالحجامة»، فهو أيضاً الراجح وقفه. وأما حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على عبد الله بن جعفر وهو يحتجم، فقال: «أفطر هذان»، ثم رخص، فهو حديث منكر، فيه علتان. وأما حديث الرجل المبهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحجامة للصائم والوصال، ولم يحرمهما، فهو وإن كان سنده قوياً، لكن ليس فيه أن الحجامة غير مفطرة، لكن في أن من احتاج للحجامة ولو كان في النهار فله أن يحتجم، لكن يبقى ما هو الحكم بعد احتجامه؟ الذي يدل عليه، تدل عليه السنة أنه يفطر. ننتقل إلى أمر آخر: «أفطر الحاجم والمحجوم». هذا يدل على كون الحاجم والمحجوم كلاهما يفطر بهذه الحجامة. يعني معلوم العلة في الإفطار للمحجوم: أنه خشية الضعف، خشية الضعف. لكن ما هي العلة بالنسبة للحاجم؟ هو خشية وصول شيء إلى جوفه، لا سيما يعني في تلك الحجامة السابقة التي كانت تكون بمص القارورة. لهذا ذهب جماعة من العلماء، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة ابن القيم، رحمهم الله، إلى أن الحجامة لو كانت بغير مص القارورة فالحاجم لا يفطر، الحاجم لا يفطر. قالوا: لأن العلة منتفية، العلة منتفية. رجح ذلك ابن تيمية وابن القيم. فالحاصل أن الحجامة مفطرة، وليس قولاً واحداً بدون نزاع ولا تردد، لكن هذا أقرب الأقوال الواردة في المسألة: كون الحجامة مفطرة، عملاً بهذا الحديث: «أفطر الحاجم والمحجوم». مع أن القول الذي يقول بعدم الإفطار بالحجامة قول قوي، وهو اختيار الإمام البخاري، كما يظهر من الآثار التي أودعها الترجمة، يظهر أن الإمام البخاري، كما ذكر الشارح، يذهب إلى كون الحجامة غير مفطرة. وأما مما يلحق بالحجامة: سحب الدم، ليس سحب الدم التبرع بالدم. التبرع بالدم يلحق بالحجامة في كونه مفطراً، يعني التبرع بالدم يأخذ كمية من الدم، ويتمرع بهذا الدم، هذا في معنى الحجامة. وأما إجراء الفحص، فهذا لا يكون مفطراً؛ لأنه ليس في معنى الحجامة، إنما هي قطرات تأخذ من المريض لفحص دمه، هذه ليست مفطرة، كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى ذلك. وأما بالنسبة للقيء للصائم: القيء معروف. ما حكم القيء بالنسبة للصائم؟ فيه أقوال لأهل العلم. الراجح أن القيء لا يفطر، سواء غلب على القيء، سواء كان مغلوباً عليه أو كان متعمداً، سواء كان مغلوباً عليه أو كان متعمداً. المغلوب عليه: هذا قول عامة أهل العلم، أن من غلب على القيء، يعني اندفع القيء اندفاعاً بدون اختيار منه، وأخرجه، ولم يرجع شيء باختياره إلى جوفه، فلا يفطر. وأما إذا تعمد القيء، فهذا محل خلاف بين أهل العلم، والراجح أنه لا يفطر. وأما حديث أبي هريرة: «من استقاء فلا قضاء عليه، ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء»، فالراجح أنه موقوف على أبي هريرة. رجح الوقف الإمام أحمد، والبخاري، والترمذي، وغيرهم. وأما حديث ثوبان: أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر، فلا حجة فيه على كون القيء مفطراً؛ لاحتمال أن تكون الفاء للتعقيب، وليست للسببية. يعني أن الراوي يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء ثم أفطر، لكن هل كان سبب الفطر هو القيء، بمعنى أنه مفطر، أو أنه حصل له صوم فأفطر بعد ذلك؟ هذا محل احتمال، فلا دلالة فيه على كون القيء مفطراً. هذا الذي يمكن ذكره هنا، وإلى هنا والحمد لله.