الدرس في شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 20، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يشرح المقطع حديث أبي هريرة عن رجل جامع في رمضان وعجز عن الكفارات الثلاث، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الكفارة لا تسقط بالعجز وأمره بإطعام تمر جاء به لأهله لأنهم أحوج. ويستفيد من ذلك أن الكفارة تبقى في الذمة حتى توجد مخرجها، ويجوز صرفها للأهل المحتاجين.
يؤكد المقطع أن كفارة الجماع في رمضان لا تسقط بالإعسار بل تبقى دينا في الذمة مستدلا بقوله صلى الله عليه وسلم: "أقضوا الله فالله أحق بالقضاء". ويبين أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للفقير أن يأكل من الكفارة التي تصدق بها عليه لأنها تبرع من غيره، وهو الراجح عند أهل العلم إذا كان المكفر غير المجامع.
يبيّن المقطع أن الجماع في نهار رمضان — سواء في القبل أو الدبر، مع الزوجة أو الأجنبية — يوجب الكفارة المغلظة على الرجل فقط، والراجح عدم وجوب كفارة على المرأة لأن النبي ﷺ لم يأمر المخبر بإعلام أهله بها. كما يوضح أن من اعترف بذنب لا يوجب حداً وهو تائب نادم لا يُعزَّر، لأن المقصود من التعزير الإصلاح ولا إصلاح مع التائب، وقد رفق النبي ﷺ بالمستفتي ولم يعزره.
يُبيّن المتحدث أنه لا يُعزَّر من يطلب الفتوى، لأن فرض التعزير في مثل هذه الحالات يسد باب الفتوى ويجعل الناس يخشون العقوبة عند الاستفتاء. ويختتم الحديث بالاكتفاء بهذا القدر والحمد لله.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم لكم شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني، رحمه الله تعالى، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب المجامع في رمضان، هل يطعم أهله من الكفارة إذا كانوا محاويج؟». قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «إني أهلكت، وقعت على امرأتي في رمضان». فقال: «أتجد ما تعتق رقبة؟» قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا. قال: «فهل تجد ما تطعم به ستين مسكيناً؟» قال: لا. قال: فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر، وهو الزبيل. قال: «أطعم هذا عنك». قال: «على أحوج منا؟ ما بين لابتيها أهل بيت أحوج منا». قال: «فأطعمه أهلك». نعم، هذه الترجمة تعتبر مكملة للترجمة التي قبلها فيما يتعلق بالمجامع في نهار رمضان، فقال: «باب المجامع في رمضان، هل يطعم أهله من الكفارة إذا كانوا محاويج؟». يستفاد من الترجمة التي قبلها أن الكفارة لا تسقط بالإعسار. الكفارة لا تسقط بالإعسار. ووجه الدلالة من الحديث على كون الكفارة لا تسقط بالإعسار: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «هل تجد ما تعتق رقبة؟» قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟» قال: لا. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يبرئ ذمته من الكفارة. فسكت عليه الصلاة والسلام، ولم يبرئ ذمته من الكفارة. فلما جيء بالعرق، وهو المكتل فيه تمر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أين السائل؟» قال: أنا. قال: «خذ هذا فتصدق به». هذا يدل على أن الكفارة، بعد سمع النبي صلى الله عليه وسلم منه أنه لا يجد وأنه لا يستطيع، لم تسقط، لم تسقط، وإنما قال: «أين السائل؟» قال: أنا. قال: «خذ هذا فتصدق به». ثم جاء جواب هذا الصحابي رضي الله عنه: «على أفقر منا؟» فهذا القدر هو الراجح: أن الكفارة لا تسقط بالإعسار، فهو دين لله. والله، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أقضوا الله، فالله أحق بالقضاء». «أقضوا الله، فالله أحق بالقضاء». وفي الرواية الأخرى: «فدين الله أحق أن يقضى». «فدين الله أحق أن يقضى». فسائر الديون والكفارات والواجبات لا تسقط على الراجح بالإعسار، بل إنها تبقى في ذمته. لكن بقي: كيف يوجه هذا الحديث؟ قال: «خذ هذا فتصدق به». قال: «على أفقر منا يا رسول الله؟» قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «أطعمه أهلك». إذا كانت هذه كفارة، هل هذا الذي أذن النبي صلى الله عليه وسلم للصحابي بأن يأكله هو وأهله يعتبر كفارة، أو أنها لا تعتبر كفارة؟ إذا كانت كفارة، هل يصح في الكفارة أن المكفر هو الذي يأكل هو وأهله؟ فهناك أقوال لأهل العلم، والراجح من أقوال أهل العلم، وهو قول بعض العلماء: أن إذا كان المكفر هو غير المجامع، تبرع شخص آخر بالكفارة عن المجامع، فلا بأس في هذه الحالة أن المجامع يأكل هو وأولاده من الكفارة. وهذا الذي يدل عليه الحديث، وهو الراجح. فالنبي صلى الله عليه وسلم تبرع له بالكفارة، فلما اعتذر بشدة فقره، وأنه أشد الناس فقراً في المدينة، أذن له النبي صلى الله عليه وسلم بأن يأكل من هذه الكفارة. فهذا هو الراجح من كلام أهل العلم. وإذا قال قائل: هل هذا الذي أتي به هو الكفارة كلها أم جزء من الكفارة؟ الجواب: أن العرق جاء في بعض الروايات أن فيه خمس عشرة صاعاً، وفي بعضها عشرين صاعاً. متعارفون أن الصاع يعني يكفي لأربعة. الصاع الواحد فيه كم مد؟ فيه أربعة أمداد. لكل مسكين مد، لكل مسكين مد. فخمس عشرة صاعاً تكفي الستين. فهنا أعطاه الكفارة كلها، وأذن له باستخدامها كلها. قال: «باب المجامع في رمضان». المجامع في رمضان: هو أن يولج وتغيب حشفته أو مقداره، سواء كان في قبل أو في دبر، سواء كان في امرأته أو في امرأة أجنبية. الجماع الذي يوجب الكفارة، سواء كان مع امرأته أو مع امرأة أجنبية، يعني بالزنا والعياذ بالله، هذا يوجب الكفارة المغلظة أيضاً. سواء كان في قبل أو في دبر، هذا كله يوجب الكفارة المغلظة. ولم يتعرض الحديث لذكر الكفارة على المرأة، فهل على المرأة كفارة؟ اختلف في ذلك أهل العلم، والراجح أنه لا كفارة عليها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر هذا الرجل بأن يخبر أهله بأن تكفر. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل هذا مع من كان غائباً، كما في حديث أنس: «اغدُ يا أنيس»، وفي حديث أبي هريرة: «اغدُ يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها». فلم يخبر النبي صلى الله عليه وسلم هذا السائل بأن على امرأته الكفارة. فهذا يدل على أن الكفارة من جهة واحدة، إنما هي على الرجل، سواء كانت المرأة مطاوعة أو كانت مكرهة. سواء كانت مطاوعة أو كانت مكرهة، فالكفارة على الرجل. أيضاً الحديث فيه رفع التعزير على من جاء من المستفتي. فيه رفع التعزير على من جاء من المستفتي. فالمقصود من التعزير هو الإصلاح والاستصلاح، ولا إصلاح مع صالح. فهنا الرجل جاء نادماً تائباً، وأخبر عن نفسه بمعصية لا توجب الحد، أخبر عن نفسه بمعصية لا توجب الحد. فهنا لا تعزير عليه، لا تعزير عليه. يأتي إنسان يعترف بينه وبين السائل بذنب ارتكبه، وهو تائب، بهذا الشرط: وهو تائب، بهذا الشرط: أن يكون تائباً نادماً. فهذا لا تعزير عليه؛ لأن الرجل هنا لم يعزره النبي صلى الله عليه وسلم، بل ترفق به وتلطف به. فرق بين الذي يطلع عليه بدون رضاه على معصية توجب التعزير، وبين الرجل لم يطلع أحد على معصيته، فجاء يخبر عن نفسه بأنه فعل كذا وكذا مما لا يجب فيه الحد. هذا لا تعزير عليه؛ لأن إقرار التعزير في هذه الصور يؤدي إلى قطع سبيل الفتيا، أنه ما يأتي إنسان يستفتي، يخاف أنه يؤدب أو يعاقب. نكتفي بهذا القدر، إلى هنا، والحمد لله.