الصحيح المسند من دلائل النبوة  148

الصحيح المسند من دلائل النبوة 148

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 148، الدرس الثامن والأربعون بعد المائة:من( قال الإمام مسلم رحمه الله:حدثنا شيبان بن فروخ ... فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شرح حديث الإسراء والمعراج

يبدأ الشيخ بشرح حديث الإسراء والمعراج الذي رواه أنس بن مالك، مشيرًا إلى أهمية ملازمة أهل العلم وطلب العلم. يُبين أهمية حضور مجالس العلم لتزكية النفس وتعليم الأبناء.

الأخذ بالأسباب والتوكل في الإسلام

يتناول المقطع أهمية الأخذ بالأسباب والتوكل مستشهدًا بحديث الإسراء والمعراج، حيث ربط النبي الدابة بالحلقة. يُظهر أهمية العمل بالأسباب وأنظمة الأمان والسلامة في الحياة المعاصرة.

تفسير رؤيا الإسراء والمعراج ودلالاتها

يفسر المقطع رؤيا الإسراء والمعراج للنبي، ويشرح دلالاتها مثل اللبن والخمر، ويبين فضل الأنبياء ومراتبهم. يُوضح حلم الله ورفقه وتجاوزه وبعض الأحكام الفقهية المتعلقة بالأعمال والنية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه "الصحيح المسند من دلائل النبوة": قال رحمه الله تعالى: قال الإمام مسلم، رحمه الله تعالى: حدثنا شيبان بن فروخ، وهو ابن أبي شيبة الحبطي، صدوق له أوهام، روى له مسلم ولم يخرج له البخاري، لذلك قال: حدثنا حماد بن سلمة، وهو الإمام حماد بن سلمة بن دينار، أخرج له الإمام مسلم ولم يخرج له الإمام البخاري إلا في الشواهد. قال: حدثنا ثابت البناني، وهو ابن أسلم، ثقة عابد، أخرج له في الصحيحين، وحماد بن سلمة من أثبت الناس في ثابت، إلا أن يخالفه حميد أو من هو أوثق منه. قال: عن أنس بن مالك، وأنس بن مالك الصحابي الجليل، ابن النضر، لازم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، وهبته أمه للنبي صلى الله عليه وسلم ليخدمه، فجاء والنبي صلى الله عليه وسلم جاء وهو ابن عشر سنين، وخرج أو توفي النبي عليه الصلاة والسلام وهو ابن عشرين سنة، فاستفاد علمًا كثيرًا في ملازمته للنبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا فضل ملازمة أهل العلم، لا يحرم من خير من لازم أهل العلم، ربما تجد عامل العالم أو سائقه أو حتى خادمه عنده من العلم ما هو خير من كثير من الناس، ببركة ملازمة أهل العلم يحصل على هذا الخير وهذا العلم، فكيف بمن يتفرغ لطلب العلم ويلازم أهل العلم؟ فإنه يستفيد الكثير، بل يعين ذلك على الثبات على الدين. وبه نعرف خطأ قول من يقول: "أنا لست طالب علم، أنا ما أحتاج إلى العلم، حسبي أن أكون مؤمنًا صالحًا". فيقال: هذا خطأ، وهذا زهد بالخير. كيف يمكن أن تكون مؤمنًا صالحًا ويصلح الله عز وجل بريتك وأنت زاهد في العلم؟ فبزهدك عن العلم وإعراضك عنه ربما تبتلى -والعياذ بالله- بفتن إما شهوات أو شبهات أو غير ذلك، فتصرف عن طريق الاستقامة، فيكون بذلك الندامة. فلذلك ينبغي للمسلم عمومًا أن يحرص على العلم، لا يزهد فيه، إذا تيسر له يجلس في مجالس العلم، حتى ولو قلت: "أنا عامي"، اعتبروني مسلمًا. نعم، وما يمنعك أن تحضر متى ما تيسر لك مجالس العلم؟ لأن في جلوسك مجالس العلم تهذب نفسك وتزكيها وتعينها على الخير، وتستعين بذلك على تهذيب أبنائك وأهل بيتك. وما أجمل أن يأتي الإنسان بأبنائه يربيهم من الصغر على حب مجالس العلم، حتى ولو كان عنده عمل، ففي وقت فراغه إذا حرص الإنسان لن يعدم فراغًا، فلا يزهد في وقت الفراغ على مجالس العلم، حتى ولو قلت: "بعض مسائل العلم كبيرة علي". يقال: اجلس، يكفيك بركة العلم، ثم لن تعدم في ثنايا تلك المجالس من خير تسمعه فتنتفع به. فإذا حصلت حب العلم فهذه غنيمة عظيمة. قال رحمه الله تعالى: عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه -يعني منتهى البصر- وهذا من سرعته". قال: "فركبته حتى أتيت بيت المقدس، قال: فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، قال: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة". ثم عرج بنا إلى السماء، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بآدم، فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الدنيا، إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل عليه السلام، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخال عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا، صلوات الله عليهما، فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف صلى الله عليه وسلم، إذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل عليه السلام، قيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بإدريس، فرحب ودعا لي بخير. قال الله عز وجل: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾. قال: ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بهارون صلى الله عليه السلام. ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بموسى صلى الله عليه وسلم، فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بإبراهيم صلى الله عليه وسلم، مسندًا ظهره إلى البيت المعمور. قال: ثم ذهب به إلى سدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال. قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشي أو ما غشى، تغيرت، فما أحد من خلق الله لا يستطيع أن ينعتها من حسنها. قال: فأوحى الله إلي ما أوحى، وفي هذا تفسير لآيات سورة النجم. قال: ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة. فنزلت، فنزلت إلى موسى، فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قال: قلت: خمسين صلاة. قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم -يعني ابتليت بهم- فعرفتهم. قال: فرجعت إلى ربي، فقلت: يا رب، خفف على أمتي، فحط عني خمسًا. فرجعت إلى موسى، فقال: قلت: حط عني خمسًا. قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. قال: فلم أزل أرجع بين ربي تبارك وتعالى وبين موسى عليه السلام، حتى قال: يا محمد، إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرًا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئًا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة. قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه". أورد شيخنا رحمه الله تعالى هذا الحديث في سياق ذكره لدلائل نبوته عليه الصلاة والسلام في إسرائه ومعراجه، فإن الله أسر به وعرج كما جاء ذكره في الأحاديث، وهذا الحديث كذلك فيه بعض الزيادات مما لم يذكر في الحديثين السابقين، فإن ذلك من مواضع دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. وسيأتي معنا كذلك براهين الحق وشواهد الصدق التي تؤكد هذه الوقعة العظيمة، وما كان من اجتباء الله عز وجل واصطفاءه لنبيه ورسوله عليه الصلاة والسلام. وفي هذا الحديث مسائل من أهمها: فيه العمل بالأسباب الذي لا ينافي التوكل، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ربط الدابة بالحلقة وهي مأمورة وهو مأمور عليه الصلاة والسلام، علم أن من تمام التوكل الأخذ والعمل بالأسباب، فإن ذلك أدب نتأدب به وخلق نتخلق به. فالعمل بالأسباب ينبغي أن يحرص عليه على كل حال، حتى ولو ظن الإنسان أن الأمر فوق ذلك، فإنك ينبغي أن تحرص عليه لو لم يكن إلا تأدبًا وامتثالًا للشرع، وامتثالًا للشرع تأخذ بالأسباب. ومن هذا الباب كذلك ما يسمى في واقعنا أو حياتنا المعاصرة بأنظمة الأمان، فهي من الأخذ بالأسباب التي يدعو إليها ديننا، فديننا يدعو إلى الأخذ بالأسباب، أسباب السلامة وأسباب الكمال وأسباب النجاة وأسباب الخير، سواء دنيوية أو دينية، يطلب من أهل هذا الدين أن يأخذ بهذه الأسباب. ومن ذلك هذا الباب الذي ربما يفرط فيه الكثير من الناس ظنًا منهم أن هذا مبالغة، وليس الأمر كذلك، فقد جاء في هذا الباب أدلة خاصة وعامة. فمن العامة عموم الأدلة التي تدل على الأخذ بالأسباب، ومن الخاصة ما يتعلق بعموم الأخذ بالأسباب وما يتعلق بهذا الباب خاصة الذي ربما يفرط فيه الكثير من الناس ويتساهل فيه ويظن أن هذا من المبالغات، وليس الأمر كذلك. فقد صح عن النبي صلى الله عليه صلى الله عليه وسلم الأمر بإطفاء النار، لا ينام إنسان والنار مشتعلة، لماذا؟ تحقيقًا لهذا المعنى، أخذًا بأسباب السلامة ودفع الشر، فإن النار قد تنكب إما بحركة بعض الدواب كالفأر الفاسقة أو غير ذلك، أو يجتمع الدخان فيخنق صاحبها. فلهذا أدبنا بهذا الأدب، وهكذا قص عليه كل أسباب السلامة، فمثلًا: أنت تقود السيارة، تعرف أن من أسباب السلامة أن تربط حزام الأمان، قد يقول بعضهم: "هذا مبالغ، أو الإسلام يدعو إليه". الجواب: الإسلام يدعو إليه لأنه من أسباب السلامة. ومن ذلك كذلك الالتزام بأنظمة المرور، فهو من أسباب السلامة، لأن هذه الأنظمة إنما جعلت طلبًا للسلامة، طلبًا للسلامة، فلا تكن فوضويًا، قف في الموضع التي تؤمر بالوقوف فيه، وسر في المكان وبالكيفية والصفة التي أمرت أن تمشي بها، كل ذلك أخذًا بأسباب السلامة، ومما فيه معنى التوكل. وكذلك غيره كثير مما قد نفرط فيه، وديننا يدعو إلى ذلك، لكن لا شك: بعض الأشياء قد يكون فيها شيء من المبالغات، لكن ليس بالهواء ولا بالعاطفة ولا بالرأي، وإنما بالشرع وبكلام أهل العلم وفتاوى أهل العلم، فأنت تميز بين الصواب الذي أمرت به والمبالغات التي كذلك يسعك أن تدعها بكلام أهل العلم وفتاويهم، إذا لم يتبين لك الدليل الصحيح الصريح في ذلكم الباب. والأمر وسط، لا إفراط ولا تفريط. وهكذا كذلك من هذا المعنى ما قد يحتاجه المسلم في عمله من الأخذ بأسباب السلامة، وتعرفون هناك قوانين خاصة للأعمال يكون فيها طلب السلامة والأمان، فينبغي للمسلم أن يطلع على مثل تلك القوانين، ولا شك بفضله، فضلًا عن الشرع، سيتعرف على أشياء هي من أسباب السلامة التي لا ينبغي للمسلم أن يزهد فيها. وفي هذا الحديث من المسائل كذلك: ضرب الأمثال أو توضيح الحق بضرب الأمثال، فكونه أعطي عليه الصلاة والسلام الخمر واللبن، هذا مما يقصد به الوصول إلى العلم بهذا المثل، فاستدل العلماء بهذا وما كان بمعناه من الأمثال على القياس الصحيح. وكذلك فيه التفسير لمعنى اللبن وأنه الفطرة، فإن ذلك فيه أولًا مدحه والثناء عليه، وكذلك الحث على سواء التغذي به أو كذلك تفسيره بالتفسير الحسن في الأحلام وغير ذلك. وكذلك بالنسبة العكس بالنسبة للخمر، فهو مذموم، وهذا قبل تحريم الخمر، لأن الخمر إنما حرمت في المدينة، والإسراء والمعراج إنما كان في مكة. وفيه كذلك: أن ما حرمه الله عز وجل حرمه لكونه شيء ينافي الفطرة، فضلًا عن أضراره ومن فاسده، ولهذا ثبت عن كثير من الصحابة أنهم ما شربوا الخمر في جاهلية فضلًا عن إسلام، وما شربوا الخمر في جاهلية فضلًا عن إسلام. وهذا إلى يومنا هذا يوجد بعض الكفار الذين أسلموا يذكرون عن أنفسهم حال كونهم كفارًا ما كانوا يحبون الخمر ولا يشربونها، ويتنزهون ويترفعون عن شربها لما يرون من آثارها وخبث كذلك أضرارها، فلذلك ترفعوا عنها. وهذا يزيد المسلم تعظيمًا وإجلالًا لدينه الذي وفقه الله عز وجل إليه، فدين الإسلام دين الفطرة، ودين الحق، ودين كذلك الخير والبر، فما من خير ديني ولا دنيوي إلا ودعا ديننا الناس إليه، وما من شر يضر الناس بدينهم ودنياهم إلا وحذر الإسلام الناس كذلك منه. وفي هذا الحديث كذلك: فضل الأنبياء ومراتبهم، فقد ذكر بعض أهل العلم ذلك، وبعضهم ذكر غير هذا، لكن قول النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾، أي: على إدريس عليه السلام، دليل على تدرجهم في هذا الفضل، بهذه المنازل التي أنزلوها عليهم الصلاة والسلام جميعًا. وفيه كذلك من الحديث: ما سبق أو ما سبقت الإشارة إليه وأكدها هنا من أمر مضاعفة الحسنات في كل الأعمال، ليس في الصلاة فقط، بل في كل الأعمال، وقد جاءت به أحاديث كثيرة، وفي هذه الرواية كما ترون صرح بها، فإن الله عز وجل ضاعف لهذه الأمة أعمالها، فالحسنة بعشر أمثالها، الحسنة بعشر أمثالها، فضل من الله سبحانه وتعالى، عارف بضعف هذه الأمة، فأعانهم على ذلك بهذا الفضل منه سبحانه وتعالى. وفيه كذلك: حلم الرب جل وعلا ورفقه وتجاوزه وعفوه، بكون السيئة لم تضاعف، بل من هم بها ولم يعملها لم تكتب له، والهم ها هنا الهم الذي لم يقترن بعمل، وأما الهم الذي اقترن بعمل فهذا يؤاخذ عليه الإنسان، يؤاخذ عليه الإنسان. وبهذا يزول الإشكال فيما وردت به بعض الأحاديث في المؤاخذة على الهم، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: "بالرجل يتمنى أن يكون له مثل مال فلان -أي فيصلطه فيما حرم الله- فهما في الوزر سواء"، ذلك لأنه هم مقترن بشيء من السعي والعمل. ومن هذا كذلك القاتل المقتول في النار، قال النبي عليه الصلاة والسلام: "كان حريصًا على قتل صاحبه، لم يكن همًا في القلب فقط، بل هم تعدى القلب، فيه أعمال كان لأجلها مؤاخذًا بذلك الهم لاقترانها بتلك الأعمال". يقول: "الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من أركان الصلاة، هل إذا زاد لفظ سيدنا يضر في صلاته؟ لم يثبت ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم زيادة هذه اللفظة، وهذا الباب توقيفي، فإذا لا يشرع قول ذلك". يقول: "بالحديث قول موسى: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، هل فيه مشروعية استشارة القدماء في الدعوة ولو كانوا ولو كانوا أعلم منهم أو أفضل؟ الاستشارة مطلوبة، ولو كانت من المفضول، وقد قال الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، والنبي عليه الصلاة والسلام أفضل، وسيشاور من هو دونه، ولكن من خيار الصحابة". ففي هذا أمران: الأمر الأول: أن المشاورة مطلوبة، ولكنها تكون عند من هو أهل للمشاورة، فليست المسألة قدمًا وكبرًا فقط، بقدر ما المسألة مسألة أهلية، فالأمر وسط. يقول: "هل ترتيب الأنبياء في السماوات يدل على ترتيبهم في الفضل؟ نعم، كما سمعت، وقد ذكر ذلك بعض أهل العلم". يقول: "الحديث الذي بمعنى أن من نام ويده شيء رائح الطعام، فإن أصابه شيء حال نومي فلا يلومن إلا نفسه، هل فيه دليل على أن المفرط في الأخذ بالأسباب الكوني يستحق لومًا؟ نعم، فيه دليل على ذلك، أنه يستحق المؤاخذة، وهو بسبب المخالفة، قد يكون عقاب من الله سبحانه وتعالى بسبب مخالفة السنة". ولهذا كان الذي لا يأخذ بالأسباب وهو في الحقيقة مخالف للسنة، ويخشى عليه من أثر هذه المخالفة أن يبتليها الله عز وجل. يقول: "الرجل وجد قطعة من العنبر، فهل عليه إخراج زكاتها حين العثور عليها؟ وهل يدخل في حكم الركاز؟ قال: هذا بعض أهل العلم، والصحيح أن الركاز كنز الجاهلية خاصة، فهذا ليس فيه شيء من الركاز، لكن إن أحببت أن تخرج الخمس أو أقل أو أكثر صدقة منك ولنفسك ولما حث عليه الشرع من عموم الصدقة، فهذا شيء حسن". يقول: "في الحديث: فرفعت لي سدرة المنتهى، فإذا نبقها كأنه قلال هجر. قال محمد شمس الحق العظيم الأبادي في عون المعبود: قلتين، والمراد من القلال قلال الهجر، لكثرة استعمال العرب لها". ما هي قلال الهجر؟ وما مقداره؟ ما هو الصحيح في مقدار القلتين؟ اختلف العلماء في هذا اختلافًا كبيرًا، وبعضهم وضع ضابطًا، قال: هو الماء الكثير الذي لا يضره الشيء القليل -يعني من النجاسة- وبعضهم يقول: ما إذا حرك طرفه لم يتحرك الطرف الآخر. فالمهم هو ماء كثير، ماء كثير، وبعضهم قدره بتقادير، والصحيح أنه لا ينضبط، والمقصود هي قربة كبيرة، أكبر من القربة المعتادة، بعض المشايخ قال: هو مثل جلد التيس السوري، تعرفون التيس السوري، لأن هجر هي في جهة الشمال، والتيس السوري يأتي كبير جدًا، يمكن ثلاثة أضعاف أو أربع أضعاف من التيوس التي يعرفها الناس، فمثل هذا إذا أمل من جلده قربة ستكون قربة ضخمة جدًا، قربة ضخمة، يعني قريبًا من جلد العجل، كأنه جلد عجل، وليس عجل، أصغر من العجل قليلًا.