الدرس في تعليق - الرد على الأخنائي 38، الدرس الثامن والثلاثون : من : (والمقصود هنا أن الله أمرنا أن نؤمن بالملائكة والأنبياء ... ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يجب الإيمان بجميع الأنبياء والرسل وعدم التفريق بينهم، والتحذير من الغلو فيهم أو تكذيبهم. التصديق بما جاءوا به وطاعتهم واجبة دون اتخاذهم أربابًا.
الجهاد في سبيل الله يكون لنصرة دين الله وجعل كلمته العليا، ويشمل الجهاد باللسان واليد. المعترضون على السنة يستحقون الجهاد لكونهم من أهل البدع والضلال.
يُنكر على من يقدّم الحج إلى القبور على الحج إلى بيت الله، ويعتبر ذلك خطأً كبيرًا يتعارض مع الأولويات الدينية الصحيحة. الغلو في التعظيم يؤدي إلى الشرك.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. ولا نغلو فيهم ولا نعبد إلا الله وحده، قال تعالى: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق﴾ الآية، فأمرنا أن نؤمن بما أوتيا جميع الأنبياء، ولهذا كان الإيمان بجميع ما جاءوا به واجبًا. ومن كفر بنبي معلوم النبوة فهو كافر مرتد، ومن سب نبيًا كان مرتدًا مباح الدم باتفاق الأئمة، وإنما تنازعوا في قبول توبته. وقد بين الكفر من يؤمن ببعض ويكفر ببعض، قال تعالى: ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض إلى قوله أولئك هم الكافرون حقا﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين﴾. وقال تعالى: ﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾. ودين الأنبياء واحد وملتهم واحدة وهي الأمة، وإنما تنوعت شرائعهم ومنهجهم، كما قال تعالى: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾. وقد افترق اليهود والنصارى، فاليهود جفوا عنهم وكذبوهم وقتلوهم، كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون﴾. والنصارى غلوا فيهم فأشركوا بهم حتى كفروا بالله، قال تعالى: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله إلى قوله فسيحشرهم إليه جميعا﴾ الآية. فبالإيمان بهم وتصديقهم وطاعتهم يخرج المسلم عن مشابهة اليهود، وبعبادة الله وحده والاعتراف بأنهم عباد الله لا يجوز اتخاذهم أربابًا ولا الشرك بهم والغلو فيهم يخرج عن مشابهة النصارى. فإن اتخاذهم أربابًا كفر، قال الله تعالى: ﴿ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون﴾. والنصارى يشركون بمن دون المسيح من الأحبار والرهبان، قال تعالى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله﴾ الآية. فمن غلا فيهم واتخذهم أربابًا فهو كافر، ومن كذب شيئًا مما جاءوا به أو سبهم أو عابهم أو عاداهم فهو كافر. فلابد من رعاية هذا الأصل، وهذا المعترض وأمثاله التفتوا إلى جانب التعظيم لهم دون جانب التوحيد لله والنهي عن الشرك، فوقعوا في الغلو والشرك فبقوا مشابهين للنصارى. وهذا مخالف لدين الإسلام، كما أن من لم يؤمن بهم وما جاءوا به ومن لم يجعل الطريق إلى الله واتباعهم وموالاتهم ومعادات من خالفهم فهو مخالف لدين الإسلام. الوجه الثاني عشر أن يقال: لا ريب أن الجهاد والقيام على من خالف الرسل والقصد بسيف الشرع إليهم وإقامة ما يجب بسبب أقوالهم نصرة للأنبياء والمرسلين، وليكون عبرة للمعتبرين، لئلا يبتدع بذلك أمثالهم من المتمردين، من أفضل الأعمال التي أمرنا الله أن نتقرب بها إليه. وذلك قد يكون فرضًا على الكفاية، وقد يتعين على من علم أن غيره لا يقوم به. والكتاب والسنة مملوءان بالأمر بالجهاد وذكر فضيلته. لكن يجب أن يعرف الجهاد الشرعي الذي أمر الله به ورسوله من الجهاد البدعي، في جهاد أهل الضلال الذين يجاهدون في طاعة الشيطان وهم يظنون أنهم مجاهدون في طاعة الرحمن، كجهاد أهل البدع والأهواء كالخوارج ونحوهم، الذين يجاهدون في أهل الإسلام وفي من هو أولى بالله ورسوله منهم من السابقين الأولين والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين. كما جاهدوا عليًا ومن معه، وهم لمعاوية ومن معه أشد جهادًا. ولهذا قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه أبو سعيد قال: «يمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين، يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق»، فقتلهم علي ومن معه، إذ كانوا أولى بالحق من معاوية ومن معه، وهم كانوا يدعون أنهم مجاهدون في سبيل الله لأعداء الله. وكذلك من خرج من أهل الأهواء على أهل السنة واستعان بالكفار من أهل الكتاب والمشركين والتتر وغيرهم، هم عند أنفسهم مجاهدون في سبيل الله، بل وكذلك النصارى هم عند أنفسهم مجاهدون. وإن من مجاهد في سبيل الله من جاهد لتكون كلمة الله العليا ويكون الدين كله لله، كما في الصحيحين عن أبي موسى قال: قيل: يا رسول الله، الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله العليا فهو في سبيل الله». قد قال الله تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله﴾. والجهاد باللسان هو لما جاء به الرسول، كما قال تعالى في السورة المكية: ﴿ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا﴾. وإذا كان كذلك فالجهاد أصله ليكون الدين كله لله، حيث تكون عبادته وحده هو الدين الظاهر، وتكون عبادة ما سواه مقهورة مكتومة أو باطلة معدومة. كما قال في المنافقين وأهل الذمة: إذا كان لا يمكن الجهاد حتى تصلح جميع القلوب، فإن هدى القلوب إنما هو بيد الله. وإنما يمكن حتى يكون الدين ظاهرا دين الله، كما قال تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله﴾. قالوا: معلوم أن أعظم الأعمال لدين الله والشرك، فجهاد المشركين من أعظم الجهاد، كما كان جهاد السابقين الأولين. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله العليا فهو في سبيل الله». وكلمة الله إما أن يراد بها كلمة معينة وهي التوحيد لا إله إلا الله، فيكون هذا من نمط الآية. وإما أن يراد بها الجنس أن يكون ما يقوله الله ورسوله فهو الأعلى على كل قول، وذلك هو الكتاب ثم السنة. فمن كان يقول بما قاله الرسول ويأمر بما أمر به وينهى عما نهى عنه فهو القائم بكلمة الله. ومن قال ما يخالف ذلك من الأقوال التي تخالف قول الرسول، فهو الذي يستحق الجهاد. وهذا المعترض وأمثاله قد خالفوا قول الله ورسوله وسائر أئمة المسلمين، فإنهم متفقون على أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»، وأن شد الرحال لزيارة القبور داخل في ذلك. إما بطريق العموم اللفظي كدخول المساجد، وإما بطريق الفحوى وتنبيه الخطاب، فإنه إذا كانت السفر إلى المساجد التي يحب البقاء فيها غير مشروع، فما دونها أولى أن لا يكون مشروعًا. ومعلوم أن الصلوات الخمس جماعة وفرادى وقراءة القرآن والاعتكاف والذكر والدعاء هو مشروع في المساجد، وهو في المساجد أفضل منه في القبور. فإذا كان لا يسافر لذلك إلى المساجد، فلا يسافر لذلك إلى القبور بطريق الأولى. وإذا لم يسافر لهذه العبادات التي يحبها الله ورسوله، وإما عبادة مستحبة، إذا لم يسافر لها لا إلى المساجد ولا إلى القبور، فلا يسافر إلى القبور. ولما لم يأمر الله به من الشرك والبدع بطريق الأولى. فهذا أمر معلوم بالاضطرار من دين الرسول، لكن لمن عرف دينه المتفق عليه بين علماء أمته. فمن جعل هذا السفر مستحبًا أو مشروعًا أو استحل عداوة من خالفه وعقوبته، فهذا محاد لله ولرسوله، وهو المستحق للجهاد دون الآمر لما أمر الله به والناهي عما نهى الله عنه، فإن يجب نصره وموالاته، كما يجب جهاد المخالف له ومعاداته. وما آتاه من الباطل وما استحبه علماء المسلمين وأجمعوا عليه من السفر إلى مسجد الرسول وزيارته على الوجه الشريف، هذا مستحب بالإجماع لا ينازع فيه أحد. فإن كانوا يجاهدون من خالفه في هذا، فهذا لا وجود له. وإن جاهدوا أهل النزاع من المسلمين، فمسألة النزاع إما أن لا يكون فيها جهاد، بل جدال وبيان وحج وبرهان، وهذا جهاد باللسان. وإما يكون فيها جهاد، فيكون لمن خالف السنة والرسول، لا من اتبع الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة. وحينئذ فعلى كل تقدير قد تبين أن المعترض وأمثاله من أهل البدع والضلال والكذب والجهل وتبديل الدين وتغيير شريعة الرسل، هم أولى بأن يجاهدوا باليد واللسان بحسب الإمكان. وإنهم فيما استحلوه من جهاد أهل العلم والسنة من جنس الخوارج المارقين، فهم شر من أولئك، فإن أولئك لم يكونوا يدعون إلى الشرك ومعصية الرسول، وظنهم أنهم ينصرونهم ظن باطل لا ينفعهم، كظن النصارى أنهم ينصرون المسيح ورسل الله، وقد اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، والمسيح ابن مريم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم لما قال له: ما عبدوهم؟ قال: «إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم، فكانت تلك عبادتهم إياهم». ورواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما وصححه. فقد أخبر الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى أن رؤساءهم لما أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم، كانت تلك الطاعة عبادة لهم شركًا بالله. وهذا يتناول العالم إذا أحلوا أو حرموا معتمدين للمخالفة أو المتأولين مقصرين، لا سيما وعلماء النصارى هم عند أنفسهم لم يفعلوا إلا ما يسهل لهم فعله. كالرؤساء إذا قدر أنهم اجتهدوا وأخطأوا يغفر لهم. فإن من اتبعهم مع علمه بأنهم أخطأوا، فقد عبد غير الله وأشرك به. ومثل هذا المعترض يريد ممن يبين له سنة الرسول وشرعه وتحليله وتحريمه أن يدعى ذلك ويتبع غيره، وهذا حرام بإجماع المسلمين. فقد أجمعوا على أن من تبين له ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لم يجوز له أن يقلد أحدًا في خلافه. وأما العاجز عن الاجتهاد فيجوز له التقليد عند الأكثرين، وقيل: لا يجوز بحال. وأما القادر على الاجتهاد، فذهب الشافعي وأحمد وغيرهما أنه لا يجوز له التقليد، وذهب طائفة إلى جوازه، وقيل: يجوز تقليد الأعلم، ويروى هذا عن محمد بن الحسن وغيره. فمن عاب من اتبع ما تبين له من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يستحل أن يطالفه ويتبع غيره، فهو مخطئ مذموم على عيبه له بإجماع المسلمين. فكيف إذا كان يدعو إلى ما يفضي إلى الشرك العظيم بالدعاء غير الله واتخاذهم أوثانًا والحج لغير بيت الله، لا سيما مع تفضيل الحج إليها على حج بيت الله أو تسويته به أو جعله قريبًا منه؟ فهؤلاء المشركون والمفترون مثل هذا المعترض وأمثاله المستحقين للجهاد وبيان ما دعوا إليه من الضلال والفساد وما نهوا عنه من هدى ورشاد، ولتكون كلمة الله العليا ويكون الدين كله لله. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. تضمن هذا الكلام للمؤلف رحمه الله تعالى التنبيه على مباحث، الأول: بيان الدين الحق ودين الأنبياء جميعًا من أولهم إلى آخرهم، وأنه توحيد الله وعدم الشرك به، ومن ذلك عدم الغلو في الأنبياء، وأن هذا المعترض وقع فيما حذر منه. وأن حقيقة الأمر أن المعادي للأنبياء هو الذي خرج عما أمر به، هذا هو المعادي. ولهذا ألفت الانتباه رحمه الله تعالى أن المعترض التفت إلى جانب التعظيم دون جانب التوحيد، مع أن جانب التعظيم مقيد بأن لا يكون فيه غلو، وهو لم يلتفت إلى هذا. والتوحيد ما مور به على الإطلاق، بل الغلو في التعظيم هو الذي أوقع في الشرك. فحقيقة الأمر الذي خرج عن دين الأنبياء هو المعترض، والذي عادى الأنبياء هو المعترض. ثم ذكر المبحث الآخر، وهو ما هيج به المعترض، وكذلك حاول أن يشنع على الشيخ رحمه الله، وبلغ به الأمر أن يستحل دمه ويسفكه ويجعله من المرتدين. فأبان الشيخ رحمه الله أن مجاهدة أهل الردة وكذلك أهل الأهواء، هذا مما أمر به الشرع، لا ينكره أحد، ولكن إذا كان بحق. وأن ما مثل هذا المعترض إلا كمثل أهل الأهواء الذين استحلوا دماء أهل الحق من الصحابة ومن بعدهم، فهو يدل على أمرين: إما جهل بالدين، أو طلب الدين الذي به يحصل مثل هذا الاستحلال. وكذلك الأمرين من طريقة أهل الأهواء ومن وصف أهل الأهواء. ثم أبان رحمه الله تعالى بعد ذلك أن أولى الناس بالجهاد هو هذا المعترض الذي يدعو إلى الشرك ويدعو إلى البدع ويدعو إلى ما هو منافي لدين الله عز وجل. ثم ختم أخيرًا بأن ما ذهب إليه الشيخ لو قدر أنه لم يقل به أحد، لكان قول مجتهد في مذاهب الأمة، أن من كان أهلًا للاجتهاد فيجوز له أن يجتهد ولو خالف مذهب الأمة، وأنه لا يجوز له التقليد، بل يعمل ما يدين به لله مما دلت عليه دلالة الكتاب والسنة. فكيف إذا كان الشيخ رحمه الله لم يخالف ولم ينفرد، بل هو في قوله تبع لمن سبقه من أهل العلم؟ فإذا كان الأمر كذلك، فالذي يحتاج إلى التأديب هو المعترض الذي يدعو أولًا إلى الخروج عن الطرق العلمية الصحيحة، وثانيًا هو أصلًا، يدعو إلى الشرك كما أشار بآخر كلامه. فكيف بمن يدعو الحج إلى هذه القبور، وليس مع الحج إلى بيت الله، بل وربما دونها؟ يعني يجعلون الحج للقبور أعظم من الحج إلى بيت الله سبحانه وتعالى. باقي الكلام ظاهر.