الدرس في شرح السياسة الشرعية 42، الدرس الثاني والأربعون:من( والمحصن من وطئ وهو حر مكلف لمن تزوجها نكاحاً صحيحاً في قبلها ... فإن كان أحدهما غير بالغ عوقب بما دون القتل ولا يرجم إلا البالغ ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل شروط الإحصان في الزواج والزنا، ومساواة الزوجين في هذه الشروط، مع شرح آراء العلماء حول تأثير المرأة الكتابية على إحصان الرجل المسلم. كما يوضح الشروط الأساسية للإحصان مثل النكاح الصحيح والجماع.
يناقش هذا الفصل أحكام الزنا واللواط وحكم المرأة الحامل بغير زوج، مع شرح آراء الفقهاء في هذه المسائل. كما يتناول حكم التلقيح الصناعي وتوضيح حد اللواط.
يشرح هذا الفصل شروط إقامة حد اللواط وتفاصيل العقوبة، مشيراً إلى شروط البلوغ والعقل والحرية، وإثبات الحد بالشهادة أو الإقرار. كما يوضح عقوبة اللواط وهي الرجم حتى الموت للبالغين.
يختتم هذا الفصل بالتأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم، مشيراً إلى نهاية المناقشة حول مسائل الزنا واللواط مع الاعتراف بأن العلم الكامل عند الله تعالى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، قال رحمه الله تعالى: والمحصن من وطئه وهو حر مكلف لمن تزوجها نكاحا صحيحا في قبولها ولو مرة واحدة. علمنا أن هذه شروط الإحصان، وهي كما رأينا بالإجمال خمسة، وإن أردنا أن نفصل فستكون سبعة، يضاف إلى ما تقدم من التفصيل كونه نكاح صحيحا، ووقع الوطء في القبل تأكيد لمعنى الجماع. وهكذا كذلك كونه ولو مرة واحدة. قال رحمه الله تعالى: وطبعا هذا على معنى الإحصان في هذا الموضع. وقد أشار شيخنا رحمه الله أن لفظ الإحصان يأتي وله معاني كثيرة، لكنه في هذا الباب إذا أريد به إذا ذكر في باب الزنا، فالمراد بالمحصن هو من توفرت فيه هذه الشروط الخمسة. قال رحمه الله: وهل يشترط أن تكون الموطوءة مساوية للواطئ في هذه الصفات على قولين للعلماء. وهل تحصن المراهقة للبالغ وبالعكس، فيه نزاع. ومعنى تساوي الصفات يتناول أشياء كثيرة. والصحيح في هذا التفصيل: فمنها ما جاء أنه شرط، ومنها ما لم يأت أنه شرط فيسقط. فمثلا كونهما -أي الزوج والزوجة- كل منهما حر، هذا مطلوب، أي حرية مع نكاح، وكونهما كذلك كل منهما محصن، أي حصل منه جماع بنكاح صحيح على الشروط الخمسة المتقدمة. فإذا وقع كذلك فإنه يكون به حكم الرجم. وهناك أشياء لا يشترط فيها هذه المساواة. ومن ذلك على الصحيح: أن تكون مثلا كتابية إذا كان الرجل مسلما والزوجة كتابية، هل تحصنه؟ قال بعض أهل العلم: لا تحصنه لأنها كافرة وهو مسلم. والصحيح أن هذه علة غير مقبولة لا من جهة الدليل ولا من جهة التعليل. أما من جهة الدليل: لأن عموم الأدلة تدل على اشتراط وجود الجماع بنكاح صحيح، وهذا نكاح صحيح. وأما من جهة التعليل: أن المقصود هو حصول ما يكفيه ويغنيه عن الحرام، وهذا وقع وهو بنكاحه لهذه المرأة الكتابية. فإن قال قائل: كيف سقط هذا في حق ملك اليمين مع أنه يقع معها جماع؟ فيقال: نقص بهذا شيء بالشرع وهو وجود النكاح. فهنا وجدت العلة، لكن نقص ما جاء اشتراطه بالشرع وهو وجود النكاح. فوطء اليمين ليس بنكاح، فهذا لا يكون حكم من كان عنده أمة يطأها أنه محصن. بخلاف من إذا تزوج أمة، هل هذا يعد محصنا؟ في هذا خلاف. وعلى ظاهر الأدلة أنها تحصنه، يكون محصنا إن تزوج أمة. وبعض أهل العلم يقول: لا. وعموم الأدلة تقتضي المساواة. إذن بعض الشروط شروط المساواة فيها ما يدل الشرع عليه فتشترط، وبعضها لا تشترط. قال شيخنا رحمه الله معلقا على هذه المسألة: قال ثم قال: وهل يشترط أن تكون الموطوء مساوية للواطئ في هذه الصفات؟ يعني أن تكون حرة بالغة عاقلة. يقول: على قولين للعلماء. المذهب عند الحنابلة أنه لا بد أن تكون مساوية، فلو تزوج صغيرة أو مجنونة أو أمة فإنه لا يكون بذلك محصنا. فلا بد أن تكون المرأة مساوية له في هذه الصفات. وقوله: المذهب عند الحنابلة، لا يدل أنه هذا هو قوله. قال: وهل تحصن المراهقة للبالغ؟ يعني مثلا لو تزوج امرأة لم تبلغ، مراهقة يعني بلغت مبلغا يصلح فيه النكاح ولكنها لم تبلغ، قال: وهو بالغ، فهل يكون محصنا؟ يرى بعض العلماء أنه يكون محصنا، وبعضهم يقول: لا. فمن قال: لا بد أن تكافئه في الصفات، قال: إن المراهقة لا تحصن المحصن. ومن قال: لا يشترط، قال: إنها تحصنه. وبالعكس العكس هو أن يحصن الصغير من كانت بالغة، كما لو تزوج ولو قبل أن يبلغ، ثم جاء مع الزوجة ثم زنت هي، فهل تكون محصنة؟ على خلاف بين العلماء. يعني على ما تقدم، قال: والمذهب أنها لا تكون محصنة، يعني له لأن زوجها صغير. والصحيح في هذا النظر إلى العلة: النكاح وجد، بقي الجماع. فإن كان يوجد معنى ذلك في مثل هذا الرجل أو في مثل هذه المرأة، فإنه يكون ماذا؟ يكون فيه تحقق الدليل والتعليل، فيقتضي ذلك أنه محصن. فمثلا من تزوج امرأة مراهقة لا يجامعها لصغرها، كأن يكون مثلا عقد ولم يدخل بها أو دخل بها ثم ردها إلى أهلها، حصلت خلوة لكنه ردها إلى أهلها لصغرها، فمثل هذا لا يقال في حقه أنه محصن. بخلاف من تزوج امرأة لم تبلغ، ولكن يكون منها ما يكون من البالغة، فبقي النكاح بينهما ودام واستمر، ولو طلق بعد ذلك، فإنه على الصحيح يكون محصنا. وهذا الذي تقتضيه الأدلة من جهة الدليل ومن جهة التعليل. وهذا الباب ينبغي أن يكون اتباعه بحسب ما دل عليه الدليل، مع كذلك النظر إلى التعليل. قد يقول قائل: قال العلماء تدرأ الحدود بالشبهات، وما دام وجدت في هذه المسائل شبهة، فينبغي أن يدرأ الحد. فيقال: ليس كل شبهة تدرأ الحد، فإن بعض الشبهات قد تكون أوهاما. فإذا وجدت الشبهة الحقيقية الصحيحة، فنعم تدرأ به الحدود. وأما إذا لم تكن الشبهة حقيقية، فلا تسقط الحدود. ولهذا يقال بالتفصيل، فما اقتضاه الدليل والتعليل، فينبغي أن يمضي على ما اقتضاه. قال رحمه الله: فأما أهل الذمة فإنهم محصنون أيضا عند أكثر العلماء، أو محصنون كالشافعي وأحمد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم يهوديين عند باب مسجده، وذلك أول رجم كان في الإسلام، فرجمهما، فدل على أنه إذا كان أحد الزوجين منهما فكذلك يرجم. يعني إذا كان يهودي ويهودية رجما. وحديث اليهوديين كما تقدم ثبت بالصحيحين. فإذا كان أحدهما وهي الزوجة لا يكون الرجل يهوديا، تكون الزوجة أو نصرانية مثلا، لأنه يجوز للمسلم أن يتزوج الكتابية، وهو خلاف الأفضل. فإذا فعل ذلك ثم وقع الزنا منه أو منها، فإنه يرجم وهي كذلك ترجم إن زنت، لهذا الحديث. قال رحمه الله: واختلف في المرأة إذا وجدت حبلى ولم يكن لها زوج ولا سيد ولم تدع شبهة في الحبل، ففيها قولان في مذهب أحمد وغيره. قيل: لا حد لها، لأنه يجوز أن تكون حبلى مكرهة أو بتحمل. قال الشيخ: التحمل معنى أن تأخذ المرأة المني ثم تدخله فرجها فتحمل به. قال: ومعلوم أنه لا يحل للمرأة أن تتحمل بماء غير زوجها، أما ماء زوجها فلا بأس أن تتحمل به، لكن بإذنه. قال: وأما الأمة فليس لها أن تتحمل بماء سيدها، لأن ذلك قد يضر به، لأنها لو حملت وصارت أم ولد عتقت عليه كرها. فهذا هو التحمل، وينبني على ذلك هل يجوز التلقيح الصناعي أو لا؟ ثم أشار لهذه المسألة، ولكن المقصود ها هنا هو هذا معنى التحمل. فهذا مما قد يكون شبهة، وقد علمنا أن الزنا إنما يقع بماذا؟ بوجود الجماع كما سيأتي إن شاء الله في شروط الحد، قال: أو بوطئ شبهة. يعني قد تكون حبلى بوطئ شبهة، ووطئ شبهة له صور وكيفيات كثيرة. قصصا في ذاك الزمان، فإنه قد يحصل الخطأ ويحصل نكاح الشبهة، إما بوقوع أصل النكاح مع من لا يصح النكاح معه، كأن تكون أخته بالرضاع مثلا، أو وقوع النكاح مع من ليست زوجته بالخطأ. وهذا في أزمنة متقدمة قد حكى العلماء أنه قد وقع. وهذا يتصور في أحوال كأن يكون الرجل لم يعرف المرأة من قبل النكاح، ويحصل أكثر من نكاح في ليلة واحدة، فإنه قد يقع خطأ. قال: وقيل: بل تحد. وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين، وهو الأشبه بأصول الشريعة، وهو مذهب أهل المدينة. فإن الاحتمالات النادرة لا يلتفت إليها كاحتمال كذبها وكذب الشهود. وهذا هو الأصل أن الحمل دليل، وقد ثبت ذلك عن عمر رضي الله عنه عن جماعة من الصحابة والتابعين وأئمة. ولكن كذلك تدرأ الحدود بالشبهات، فإن كانت هناك مظنة أن هذا الحمل وقع بإكراه، وهذا قد يتصور، فقد تكره المرأة على الزنا، فإذا وقع ذلك فالحد إنما يقام على الفاعل لا على المفعول به. كان يعلم مثلا من المرأة أنها صاحبة دين، ولا يعرف منها شيء من الفجور، ولا يتصور ذلك منها، فتقول ذلك، تصدق، ويتتبع الأمر حتى يعلم ويتثبت من قولها، يعني لا يستعجل فيقام عليها الحد بمجرد رؤية الحمل، بل يقبل قولها ثم يتثبت فيه. وهكذا كذلك قد يكون فعل لها تحميل، وهذا قد يتصور وقوعه من أهل الفساد الذين عندهم حقد وغل وحسد على أهل الخير والصلاح. وقد حكي نحو ذلك عن بعض الصالحات أنهم ربما فعلوا مثل هذا، أي التحميل لبعضهن وهن نائمات أو غير ذلك. فما كان كذلك فتعذر المرأة، لكن لا بد أن تكون هناك قرينة تدل على صحة هذه الدعوى. والحدود تدرأ بالشبهات. وإلا فالأصل كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وبه نعلم كذلك أن ما يفعله بعض الناس اليوم من الحمل من غير الزوج، هذا حرام، وهو معنى من معاني الزنا عند بعض أهل العلم. وإن كان لا يقام به الحد، ولكنه حرام لا يجوز، وفيه خلط للأنساب، وهو ما يسمى بأطفال الأنابيب، أو ما أشار إليه شيخنا رحمه الله بالتلقيح الصناعي. فإنه إن كان من نفس الزوج وتثبت من ذلك وتمكن التثبت منه بالفحوصات الحديثة المعاصرة، فإنه مما يجيزه الشرع. خصوصا إذا كان الزوج عنده عجز أو هناك علة تمنع من إمكان ذلك بغير هذه الطريقة. أما أن يؤخذ من غيره أو يكون مظنة للأخذ من غيره، كأن يكون ذلك في بلاد يكثر فيها الفوضى وقلة الدين، فلا يصلح أن يعرض المسلم وتعرض المسلمة كل منهما نفسه وعرضه وعرضها للفساد والأنساب للاختلاط. حتى تتعب في ابن ليس هو لها من زوجها، وإن كان في رحمها، لكن ربما البويضة من غيرها. مثل ما يفعل بعض الأطباء الدجالون، يعلمون أن بعض الناس يريدون حملا بأي طريقة، فإذا قل الدين وعلموا أن هذه المرأة لا يمكن أن تحمل أو أن هذا الرجل لا يمكن أن يحمل، ماذا صنعوا؟ أتوا بما من غير زوجها وبويضة من غيرها، ثم وضعوه في رحمها. إذن هذا المولود ولد من لا ولد، ولا ولد الأم، ولا ولد الأب، ولد أناس مجهولين. وهذا حرام لا يجوز، فهو لا يجوز سواء برضى الزوجين أو بغير رضى الزوجين، لا يجوز. قال رحمه الله تعالى: وأما اللواط، فمن العلماء من يقول: حده كحد الزنا. وقد قيل: دون ذلك، يعني أنه ليس حد وحد الزنا. والصحيح الذي اتفقت عليه الصحابة: أن يقتل الإثنان، الأعلى والأسفل، يعني الفاعل والمفعول به، سواء كان محصنين أو غير محصنين. يعني في هذا الباب لا يفرق بين البكر والمحصن أو الثيب، بل الكل حكمه واحد. وقد روي عن الصحابة أنهم اتفقوا، ونقل بعض أهل العلم في هذا الإجماع على قتل فاعل هذه الفاحشة. قال: فإن أهل السنن رووا عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به». رواه أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما. وفي البكر يوجد على اللوطية، قال: يرجم، يعني عن ابن عباس. وأشار إلى أنه روي بإسناد صحيح عنه عند ابن داود وغيره، وصحح حول اللام الألباني وغيره. فالأحاديث الموقوفة كثيرة، وهي لها حكم الرفع، لأن مثل ذلك لا يقال بالرأي. وهذا الحديث الذي أشار إليه في أسانيده روي بأسانيد كثيرة، وفي أسانيدها مقال، لا يخلو إسناد من مقال. وبعض أهل العلم جعله يرتقي إلى الحسن، فحسنه بمجموع طرقه. وبعض أهل العلم ضعفه، ولكن صحح معناه، فجعله وإن كان ضعيفا لكن معناه صحيح، إذ روي فيه آثار كثيرة عن الصحابة موقوفة لها حكم الرفع. قال رحمه الله: ويرجع عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ذلك، ولم تختلف الصحابة في قتله، ولكن تنوعوا فيه، يعني في كيفية قتله، فهم اتفقوا على أن فاعل ذلك يقتل، ولكن اختلفوا كيف يقتل. قال: فروي عن الصديق رضي الله عنه أنه أمر بتحريقه. وعن غيره: قتله، يعني أنه أمر بقتله. وعن بعضهم: أنه يلقى عليه جدار حتى يموت تحت الهدم. وقيل: يحبسان في أنتن موضع حتى يموت. قال: وعن بعضهم: أنه يرفع على أعلى جدار في القرية، ويرمى منه، ويتبع بالحجارة كما فعل الله بقوم لوط. وهذه رواية عن ابن عباس. والرواية الأخرى: قال: يرجم. وعلى هذا أكثر السلف، قالوا: لأن الله رجم قوم لوط، وشرع رجم الزان، تشبيها برجم قوم لوط، فيرجم الاثنان. سواء كانا حرين أو مملوكين، أو كان أحدهما مملوكا والآخر حرا، أو كان أحدهما مملوك الآخر، قال: وَإِذَا كَانَا بَالِغَيْنِ فَإِنْ كَانَا أَحَدُهُمَا غَيْرُ بَالِغٍ عُوقِبَ بِمَا دُونَ الْقَتْلِ، للدليل وللتعليل. أما الدليل: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «والصبي حتى يحتلم». وفي رواية: «يبلغ». وأما من جهة التعليل: لأنه في الغالب لا يعقل، فيغرر به، أي الصبي الذي لم يبلغ. وأما الكبير فتكون له أشد العقوبة. ولا يجوز للمسلمين تضييع مثل هذه الحدود، بل يجب على ولي الأمر أن يقيمها، وعلى الرعية أن يتعاونوا على إقامتها. فلا يجوز التواطؤ بستري أحد، لا لقرابة ولا لخوف من منصب أو جاه أو كذلك لأجل مال أو غير ذلك. السكوت عن هذا من التعاون على أعظم الإثم العدوان. والتواطؤ بإخفاء مثل ذلك يعد كذلك من أعظم الإثم العدوان. ولو كان لأجل خوف الفضيحة، بعض الناس يريد أن يستر ولده أو ابنته، فيكون ثمرة ذلك ترك أهل الفساد بالإفساد. إذا سكت أنت، فإن هذا معناه أنه سيعتدي على أولاد آخرين وآخرين وآخرين. وسيتواطئون على إفساد أولاد المسلمين. وهذا إثم عظيم لا يجوز السكوت عليه، بل الواجب أن يتعاون الجميع في إقامة الحدود على أمثال هؤلاء المفسدين المجرمين. وأنت بفعلك هذا قد عارضت الله سبحانه وتعالى بحكمه، وفعلة شيئا عظيما يقتضي غضب الله عليك. وقد مر معنا كيف أنه استحق اللعن من عطل الحدود، وممن يعطل الحدود أمثال هؤلاء الذين يكونون سببا في تعطيلها بكتمان الشهادة. وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله: أن حكم الله يجري على خمسة: حكم الله يجري على خمسة، يجري على القاضي حيث يقضي، وعلى العالم حيث يفتي، وعلى الشاهد حيث يشهد، وعلى الفاعل والمفعول إذا وقع منهما ما يقتضي ذلك. يعني من له ومن عليه، فالكل يلحقه حكم الله. فمن تأخر عما يجب، فقد كان معطلا لحكم الله، فيخشى عليه من الوعيد ما يخشى على أمثاله. فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل القضاء ثلاثة، اثنان في النار، وواحد في الجنة. لماذا هؤلاء في النار؟ لأنهم ضيعوا حكم الله. وكذلك الشاهد إذا ضيع حكم الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وشهادة الزور وقول الزور»، فكررها حتى قال الصحابة: شفقة به، ليته سكت. وهكذا كذلك من له الحق إذا سكت عن الحق، فأضاع حكم الله، فإنه يلحقه هذا الوعيد. حتى لا يظن أن هذا يلحق بالظالم، ولا يلحق بالمظلوم. لا يلحق بالمظلوم إذا سكت المظلوم عن الحق، فأضاع بذلك الحق، فإنه يلحقه كذلك هذا الوعيد. قال: قال رحمه الله تعالى: ولا يرجم إلا البالغ، كما تقدم في أوائل هذا الفصل. فإن الحد لا يقام إلا بثلاثة شروط: الشرط الأول: أن يكون على من هو أهل، وهو العاقل البالغ بالنسبة لهذا الموضع، كذلك الحر، لأنه ثبت بنص الكتاب والسنة أن الأمة والعبد عليهما نصف ما على الحر من العذاب. فعلم هذا في الرجم، فعلم هذا بالجلد أنه خمسين جلدة. وصحت به السنة الصحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث، وثبتت فيه آثار كثيرة صحيحة. وعلم أن الرجم لا ينصف، فيسقط، ويبقى كذلك عليهم النصف، يعني خمسين جلدة. والشرط الثاني بالنسبة لهذا الموضع: أن يحصل معنى الزنا في الشرع، سواء بجماع في قبل أو دبر كما تقدم. فإذا وقع ذلك فإنه يثبت الحد. وإثبات ذلك يكون إما بأربعة شهود يرون ذلك كما يرى الميل في المكحلة، كما ثبتت فيه السنة والآثار الصحيحة عن الصحابة. وإما بالإقرار كما ثبتت به كذلك الأحاديث الصحيحة فيما تقدم. والشرط الثالث: انتفاء الشبهة، انتفاء الشبهة. وقد تقدمت معنى مسائل فيها شيء من الشبهة، فلأجل هذا أسقط العلماء الحد فيها. فإذا وجد شيء من الشبهة فإن الحدود تدرأ بالشبهات. وهذا معناه جاء في حديث ماعز، وجاء في حديث لم يصح، لكن معناه صحيح. وعمومات الأدلة من السنة، بل بعضهم استنبط له معناه بالقرآن، وفيه آثار كثيرة تصحح هذا المعنى. فهذه ثلاثة شروط على وجه الاختصار فيما يتعلق بهذا المعنى. ونحو هذه الشروط يقال بالنسبة للأمة والعبد الزانيين، ولكن بما يوافق وصفهما وحكمهما. وحكمهما يختلف كما تقدم، ووصفهما يختلف، لكن فيما يتعلق بما هو محل اتفاق يكون فيه كما ذكر. والله تعالى أعلم.