الدرس في كتاب الطهارة 31، الدرس الحادي والثلاثون:من(الحديث الثالث عشر:عن عبدالله بن عمر بن الخطاب ... ولما فيه من الخلاف القوي الذي نصره هؤلاء المحققون ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
اختلف العلماء في حكم استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة، حيث ذهب بعضهم إلى التحريم مطلقا أو الجواز مطلقا، بينما رجح الأئمة الأربعة التفصيل بين الفضاء والبناء.
يناقش آراء العلماء حول استقبال القبلة أثناء قضاء الحاجة ويقدم توجيهات للتعامل مع الأحاديث وتطبيقها عمليا، مع الإشارة إلى تنوع الأحاديث بين النهي وعدم الاكتراث.
يستدل على تحريم الاستقبال والاستدبار في البنيان والفضاء بالأحاديث النبوية والآثار الصحابية، مع الرد على محاولات الجمع بين الأحاديث المختلفة.
يُرجح إعمال الدليلين في المسألة على إهمال أحدهما، مع الإشارة إلى ثبوت حديث جابر بن عبد الله، ويعتبر هذا الترجيح الأقرب للصواب.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث الثالث عشر، قال: عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: «رقيت يوما على بيت حفصة، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة». أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى هذا الحديث في سياق كلامه على أحكام الخلاء والاستطابة، وهذا اللفظ في سياق الحديث ليس موجودا في البخاري ولا في مسلم، ولكن أقرب الألفاظ إليه هو لفظ الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه، حديث رقم 62، قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا محمد بن بشر العبدي، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «رقيت على بيت أختي حفصة». لم يذكر في رواية مسلم قوله «يوما»، وزاد في قوله بعد «بيت»: «أختي حفصة»، قال: «فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا لحاجته»، لم يقل «يقضي حاجته» في هذه الرواية في مسلم، وإنما قال: «قاعدا لحاجته»، قال: «مستقبل الشام مستدبر الكعبة». قال الشارح رحمه الله: وروى هذا الحديث البخاري نحوه في حديث 148. قال الشارح رحمه الله: المعنى الإجمالي: ذكر ابن عمر رضي الله عنه أنه جاء يوما إلى بيت أخته حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته وهو متجه نحو الشام ومستدبر القبلة. قال: اختلاف العلماء والتوفيق بين الحديثين مر معنا في حديث أبي أيوب المتقدم، النهي عن الاستقبال والاستدبار، وهنا أثبت عبد الله بن عمر الاستدبار للقبلة، فكيف الجمع؟ مر معنا الأقوال في الحديث المتقدم. قال الشارح رحمه الله هنا: اختلف العلماء في حكم استقبال القبلة واستدبارها بقضاء الحاجة، فذهب إلى التحريم مطلقا راوي الحديث أبو أيوب، مجاهد، والنخعي، والثوري، ونصر هذا القول ابن حزم، وأبطل سواه من الأقوال في كتابه «المحلى»، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ابن القيم، وقواه ورد غيره من الأقوال في كتابيه «زاد المعاد» و«تهذيب السنن»، واحتجوا بالأحاديث الصحيحة الواردة في النهي المطلق عن ذلك، ومنها حديث أبي أيوب هذا الذي معنا. وذهب إلى جوازه مطلقا عروة بن الزبير، وربيع، وداود الظاهري، محتجين بأحاديث منها حديث بن عمر الذي معنا. وذهب أئمة مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأحمد في رواية كما تقدم معنا، وهو مروي عن عبد الله بن عمر، والشعبي، إلى التفصيل في ذلك، فيحرمونه في الفضاء، ويبيحونه في البناء، قال: ونحوه، وهذا هو المذهب الحق الذي تجتمع فيه الأدلة الشرعية الصحيحة الواضحة. فإن التحريم مطلقا يبطل العمل بجانب من الأحاديث، والإباحة مطلقا كذلك يعني يبطل جانبا آخر، والتفصيل يجمع بين الأدلة ويعملها كلها، وهذا هو الحق، فإنه مهما أمكن الجمع بين النصوص وجب المصير إليه قبل كل شيء، ومر معنا أن القاعدة: إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. قال: وهناك قول رابع لا يقل عن هذا قوة، وهو القول بالكراهة للتحريم، قال الصنعاني: لا بد من التوفيق بين الأحاديث بحمل النهي على الكراهة للتحريم، وهذا وإن كان خلافا لأصل النهي، إلا أن قرينة إرادته صلى الله عليه وسلم فعله بخلافه للتشريع وبيان الجواز. ومما يبعد هذا القول ويرجح الذي قبله: كون النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك ثم فعله، فليس فعله يكون فعلا للمكروه، لأنه لو كان مكروها لتركه عليه الصلاة والسلام، لكن فعله يدل على الجواز، فعلم أن هناك سبب جعل هذا جائزا وذاك ممنوعا، هذا السبب هو البنيان والله أعلم. قال: وهذا وإن كان خلافا لأصل النهي، إلا أن قرينة إرادته صلى الله عليه وسلم فعله بخلافه للتشريع وبيان الجواز. قال: وحمل أحاديث الباب على هذا هو الأقرب عندي -يعني الجمع بين البنيان وغير البنيان- أو على الكراهة، وقد ذهب إليه جماعة، وبهذا يزول تعارض أحاديث الباب. قلت: وعلى كل ينبغي الانحراف عن القبلة في البناء أيضا اتقاء للأحاديث الناهية في ذلك، ولما فيه من الخلاف القوي الذي نصره هؤلاء المحققون، وهذا إذا لم يكن فيه مضرة ولا مشقة، فإن كان فيه مضرة فلا ضرر ولا ضرار، وإن كان فيه مشقة فما جعل عليكم في الدين من حرج. بعض المراحيض الأفرنجية تكون متجهة إلى الكعبة أو العكس، فكونك تجلس عليه على خلاف ما هيئ له فيه مشقة وضرر، وهكذا كذلك ربما غيرها، وليس كل الناس يحسن ذلك، المهم الإنسان يتقي قدر المستطاع. قال: تنبيه من بعض الإخوان في أن الشيخ البسام رحمه الله تراجع في طبعته الأخيرة عن قوله هذا، قال في تعليقه: قال رحمه الله تعالى: «ثم ظهر لنا خلاف ذلك، وهو أن حديث أبي أيوب قول، وحديث ابن عمر فعل، والقول مقدم على الفعل بالاتفاق». وهل هذا يعني أن جامع الجامع بين القول والفعل خالف الاتفاق؟ فكان قوله شاذا في كل المسائل، وفي هذه المسألة على وجه الخصوص؟ الجواب: لا، لكن مراده رحمه الله أنه ترجح له بعد ذلك، فرأى أن هذا القول أحسن من القول الذي سبق، وليس معناه أنها قاعدة عند العلماء لا يجوز الخروج عليها؛ لا، لأن هذه القاعدة يعمل بها عند احتفاف القراء بها -أي تقديم القول على الفعل- فإن كان العكس احتفت القراء على الجمع بين القول والفعل، وهذا هو الأصل، فعند ذلك يعمل بهذا الأخير وهو الجمع. قال رحمه الله: مع تطرق الاحتمال لحديث ابن عمر -يعني أن هناك سبب أو أنه قبل النهي أو غير ذلك- قال: أما حديث أبي أيوب فصريح عام لا يقبل الاحتمال. قال ابن دقيق العيد: بعدما ذكر الخلاف في المسألة، ونحن ننبه هنا على أمرين: أحدهما أن من قال بتخصيص هذا الفعل بالنبي صلى الله عليه وسلم له أن يقول: إن رؤية هذا الفعل كان أمرا اتفاقيا لم يقصده ابن عمر ولا الرسول صلى الله عليه وسلم على هذه الحالة، يتعرض لرؤية أحد، فلو كان يترتب على هذا الفعل حكم عام للأمة لبينه لهم بإظهاره بالقول أو الدلالة على وجود الفعل؛ فإن الأحكام العامة للأمة لا بد من بيانها. فلما لم يقع ذلك، وكانت هذه الرؤية من ابن عمر على طريق الاتفاق وعدم قصد الرسول صلى الله عليه وسلم دل ذلك على الخصوص به صلى الله عليه وسلم وعدم العموم في حق الأمة، وفيه بعد ذلك بحث. وقد يجاب عن هذا بأن يقال: هذا ليس بصحيح؛ لأنه نقل نحوه في حديث جابر بن عبد الله، فجابر نقل الاستقبال للقبلة، وعبد الله بن عمر نقل الاستدبار، فعلم بذلك أن الدعوى الخصوصية ليس بصحيح، خصوصا إذا علم أن حديث جابر بن عبد الله فيما يظهر من الرواية كان بعلم النبي عليه الصلاة والسلام؛ فإنه كان في البول، وهذا كان في غيره، فإذا كان كذلك زال هذا التعليل. قال: التنبيه الثاني أن الحديث إذا كان عام الدلالة وعارضه غيره في بعض الصور، وأردنا التخصيص، فالواجب أن نقتصر في مخالفة مقتضى العموم على مقدار الضرورة، ويبقى الحديث العام على مقتضى عمومه فيما يبقى من الصور؛ إذ لا معارض له فيما عدا تلك الصور المخصوصة التي ورد فيها الدليل الخاص. وحديث بن عمر لم يدل على جواز الاستقبال والاستدبار معا في البنيان، وإنما ورد في الاستدبار فقط، فالمعارضة بينه وبين حديث أبي أيوب إنما هي في الاستدبار، فيبقى الاستقبال لا معارض له فيه، فينبغي أن يعمل بمقتضى حديث أبي أيوب في المنع من الاستقبال مطلقا. لكنهم أجازوا الاستقبال والاستدبار معا في البنيان، وعليه هذا السؤال انتهى، ولبحثه بقية. والجواب على هذا أن يقال: أن هذا العموم الذي قيل معارض بحديث جابر بن عبد الله، فحديث جابر بن عبد الله فيه الاستقبال، وحديث بن عمر فيه الاستدبار، فدل على أن العموم عورض بمعنى عموم آخر، فأي العمومين نعمل؟ فإن قلنا القول على الفعل كان في هذا إهمال لدليل، وهو دليل إثبات ما أثبتته أدلة الفعل، ولابد أن لهذا الفعل من معنى، والأصل في فعل النبي صلى الله عليه وسلم عموم التشريع، والدعوى الخصوصية يحتاج لدليل. ومما يدل على أن إدعاء الخصوصية يحتاج إلى دليل: الأدلة الواردة في حقه المسائل التي فيها الخصوصية، كقول الله عز وجل في حق الواهب نفسها: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فعلم أن ما لم يرد فيه لفظ الخصوصية يبقى على ماذا؟ على العموم. الأصل عموم التشريع يؤكده أدلة كثيرة، كقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، فهذه الأسوة عامة في القول وفي الفعل. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «لما خلع خاتم الذهب ولبس خاتم الفضة، وكان قد اتخذ خاتما من ذهب فخلعه، فخلع الناس خواتيمهم حين صعد على المنبر، فقال: أما إنه لم يغفى علي ما صنعتم، وإني أخلعه ولا ألبسه»، قال: «فخلع أنس»، قال: «فخلع الناس خواتيمهم، ثم اتخذ خاتما من فضة، فاتخذ الناس خواتيم من فضة»، فدل ذلك على ماذا؟ دل على أن الأصل عموم التشريع. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لو كان في فعله معنى الخصوصية، وفيه شيء من الأصالة في ذلك، لقال لهم: «ما لكم فعلتم من دوني أن أذن لكم أو تستأذنوني»، وهذا لم يحصل. ويدل عليه كذلك ما كان يفعل عليه الصلاة والسلام من الوصال في الصيام، واصل من واصل من الصحابة، فنهاهم عن ذلك، فقالوا: «يا رسول الله، لكنك تواصل»، لو كان في فعله خصوصية لا يجوز الاقتداء به إلا بإذن، لقال لهم: «وما لكم من حجة في كوني أواصل»، لكنه ماذا قال لهم؟ قال لهم مجيبا: «لست كهيئتكم»، فبين لهم أن هذا كذلك من مواضع الخصوصية، فعلم أن الأصل هو عدم الخصوصية إلا ما دل عليه الدليل. قال رحمه الله: وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله: «لا فرق بين البنيان والفضاء»، قال: «لعله في سقط»، قال: «الأصحاب وطائفة وكثير من أهل الحديث استثنوا ما في البنيان جمعا بين حديث ابن عمر وغيره، ولكن التحقيق في المسألة ألا فرق بين البنيان والفضاء لعموم الأدلة الكثير المطلقة التي لم تستثني شيئا». ومرت معنا بعض هذه الأحاديث والأدلة كحديث أبي أيوب، وحديث أبي هريرة، وحديث سلمان، وجمع من الصحابة. قال: أما حديث ابن عمر فلا يصلح أن يطلق هذا الإطلاق، نعم فيه الاستدبار وليس فيه الاستقبال، فليس بينهما شيء من المعارضة، ما بقي إلا الاستدبار. فإذا قيل: تقولون بجوازه في البنيان ومنعه في الفضاء؟ قيل: هذا فعل، وما في حديث أبي أيوب ونحوه قول، والقول معمم التشريع، ليس في حق أحد دون أحد، بخلاف ما كان من فعل النبي صلى الله عليه وسلم نفسه؛ فإنه يحتمل الخصوص، ويرد هذا ما تقدم، ويزاد أن ما وقع فيه الاحتمال بطل به الاستدلال. قال: ومما يدل على هذا قول أبي أيوب: «فننحرف عنها ونستغفر الله»، ولم يقل: «فأنحرفوا»، وهذا خبر عن صحابي فيما يعلمه هو ومن معه، وليس هذا براد سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فلو كان على ما فهم أبو أيوب أنه إثم، لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل الإثم. وليس هذا في قوله أنه إثم، فعلم بذلك أن هذا رأي صحابي اجتهد في ذلك، قال: ولم يقل «فأنحرفوا»، خصوصا أنه نقل عن غيره من الصحابة خلافه كما تقدم. قال: وقد بسط ذلك ابن القيم في حواشيه على السنن انتهى. قلت: ومما تقدم يتضح أن الجمع بين الأحاديث غير ملائم، وأن الصواب الذي لا شك فيه هو تحريم الاستقبال والاستدبار مطلقا في البنيان والفضاء، والله أعلم. فرحمه الله رد إلى هذا القول، وهو كما تقدم قول جماعة من أهل العلم، قالوا بذلك، وانتصر له الشيخان: شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم رحمهم الله تعالى. لكن فيما تقدم وسبق فيما يظهر أن القول الأقرب للصواب هو إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، خصوصا مع ثبوت حديث جابر بن عبد الله، والله تعالى أعلم.