كتاب الجنائز 10

كتاب الجنائز 10

الدرس في كتاب الجنائز 10، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حكم النعي وأحكامه الشرعية

النعي جائز إذا كان مجرد خبر دون نياحة أو إعلان في الملأ، وقد وردت أدلة على جوازه في صحيح البخاري. بينما يحرم إذا اقترن بالتفاخر أو النياحة.

النعي والصلاة على الجنازة وفق السنة النبوية

نهى النبي ﷺ عن النعي بمعنى إشاعة خبر الموت، بينما صح عن بعض الصحابة إرسال خبر الصلاة على الجنازة. إرسال الأوراق في المساجد للصلاة على الجنازة يخالف سنة النبي ﷺ.

الاستدلال بإعلان الوفاة في المساجد وردود العلماء

يعتبر إعلان الوفاة في المساجد بدعة إضافية لعدم وجود دليل شرعي قاطع، وقد أشار العلماء إلى مفاسد هذه الممارسة مثل التشويش على المساجد.

حكم استخدام المساجد للإعلانات والمنشورات

المساجد لم تُنشأ للإعلانات، وقد أفتى العلماء بأن استخدامها لهذا الغرض ليس من السنة، والله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشوكاني رحمه الله تعالى: «ويحرم النعي والنياحة واتباعها بالنار، وشق الجيب، والدعاء بالويل والثبور، ولا يقعد المتبع لها حتى توضع، والقيام لها منسوخ». هذه مجموعة من المسائل ذكرها كذلك فيما يتعلق بأحكام حمل الجنازة أولها، وهي ليست بأول في هذا الفصل، لكن بالنسبة لدرسنا اليوم، وإلا فهي المسألة السادسة. ويحرم النعي، والنعي الذي يحرم وقد ذكر له أدلة، وسيأتي ذكرها إن شاء الله. أحد صور النعي في اللغة، ويأتي النعي في اللغة بمعاني، فيأتي مجرد الخبر يسمى نعي، ويأتي النداء وإعلان الخبر ويسمى نعي، ويأتي كذلك من النعي النياحة، ويأتي كذلك من معاني النعي إخراج الخبر على وجه المفاخرة، فهذا كله صور من صور النعي لغة وشرعا. والمنهي عنه من ذلك هو ما كان منافيا لمعنى الإخبار المجرد. فأما الإخبار المجرد فإنه ورد به الدليل، فقد صح عن النبي ﷺ في البخاري من حديث أبي هريرة أنه أخبر بنعي النجاشي، نعى النجاشي يعني أخبر بوفاته، فقام فصلى عليه، وصلى الصحابة خلفه. وهكذا كذلك صح عن النبي ﷺ أنه نعى بعض أصحابه في غزوة من الغزوات، قال: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم ذكر جعفرا، ثم ذكر عبد الله بن الرواحة، ثم ذكر خالد بن الوليد، وأنه فتح الله عز وجل عليه». والحديث في البخاري، حتى بوّب البخاري رحمه الله «باب الرجل ينعى لأهل الميت بنفسه»، وأشار الحافظ في الفتح، قال ابن المنير: وفائدة هذه الترجمة الإشارة إلى أن النعي ليس ممنوعا كله، وإنما ينهى ما كان أهل الجاهلية يصنعونه. فكانوا يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور والأسواق، فإذا كان خبرا مجردا فإنه لا يدخل في النعي، لكن هذا الخبر المجرد ما صفته وكيفيته؟ صفته وكيفيته على أحد صورتين: إما أن يكون هذا الخبر النعي لرجل ما يعلم الناس بماذا بموته، ولا يصلي عليه أحد، فيعلم به الناس، ولو كانوا في جماعة حتى يصلون عليه كما فعل النبي ﷺ مع النجاشي. وأما النعي الثاني أو الصورة الأخرى أن يكون ليس فيه إعلان في ملأ، وإنما يكون خبرا بين اثنين، بين رجلين، وما كان بمعنى مما ليس فيه إعلان في ملأ. أما الإعلان في ملأ فهو أحد صور النعي الذي كان عند أهل الجاهلية، كما سمعنا من كلام ابن المنير، فإنهم كانوا يعلنون في مواضع اجتماع الناس عند الأبواب والدور والأسواق. ولهذا صح عن جماعة من الصحابة أنهم نهوا عن النعي بهذا المعنى، فجاء عن حذيفة رضي الله تعالى عنه أنه كان إذا مات بعض أهله، وهكذا جاء في رواية أنه عن نفسه قال: «إذا مت فلا تؤذنوا بي، فإني أخاف أن يكون نعيا». سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن النعي، والحديث رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وصححه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه، ومنها في «أحكام الجنائز». وهكذا كذلك صح هذا عن عدد من الصحابة الآخرين، أي هذا المعنى أنهم كانوا ينهون عن النعي بهذا المعنى. وأشار الشارح رحمه الله إلى حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «إياكم النعي؛ فإن النعي عمل الجاهلية». خرجه الترمذي، وهو ضعيف، لكن معناه صحيح. وهكذا كذلك الحديث الآخر الذي جاء موقوفا عن بعض التابعين كذلك في معنى النعي المنهي عنه. فإذا كان كذلك، فالنعي بمعنى إشاعة الخبر يدخل في النعي المنهي عنه. وصح عن عبد الله بن عباس أنه مات له بعض ولده، فأمر أن يصلى بمن حضر، إذ رأى أن العدد قد استوفى الأربعين، وذلك لأنه روى حديثا عن النبي ﷺ في مسلم: «ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه». فإذا كان اجتمع في هذا العدد فيكفي، ولو لم يجتمع هذا العدد فلا حاجة لإعلان الخبر بما يكون فيه مشابهة لأهل الجاهلية. وتعرفون حديث المرأة التي كانت تقوم المسجد، فإنها ماتت، ولم يخبر رسول الله ﷺ بذلك، وهي ما بينها وبين مسجده إلا ستار، ما بينها وبين بيته إلا ستار، كانت في المسجد تقوم الليل، ولم يخبروا رسول الله ﷺ. وعلى هذا ما يفعله بعض الناس في هذه البلاد خاصة من إرسال الأوراق في المساجد لأجل الصلاة على الجنازة، الصلاة على فلان في المسجد الفلاني، وفي الوقت الفلاني، هذا خلاف سنة النبي ﷺ، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، ولفعله رسول الله ﷺ، وهو أحرص على الخير، وهو أدق الناس عليه الصلاة والسلام. ولدل أمته عليه، فما من خير علمه إلا ودل أمته عليه، فلما لم يدل أمته عليه علم أنه ليس من الخير، ولم يفعله الصحابة من بعده رضي الله عنهم، ولو كان خيرا لفعلوه، وهم أحرص على الخير منا. ولم يثبت هذا عن الصحابة رضي الله تعالى عنه، بل ولم ينقل عن أحد من الأئمة أنه فعل ذلك أو أذن به أو حتى أفتى لبعض الناس به. فإذا كان كذلك علم أن هذا مما يدخل في معنى النعي المنهي عنه، والله تعالى أعلم. فإن استدل مستدل بحديث النجاشي، فالجواب عليه ما سمعتم أن النجاشي لم يصل عليه، مات في بلاد كفر، فأخبر النبي ﷺ أصحابه لأجل يصلي عليه، فصل عليه هو وأصحابه. وإن استدل مستدل بخبر زيد وابن رواحة ومن معه، فالنبي ﷺ أولا بوحي تكلم بذلك، فقد أخبره الله سبحانه وتعالى بذلك، وصار علما من أعلام نبوته، ودليلا من دلائل صدق رسالته، لا دليل فيه أبدا على إعلان الوفاة في المساجد. فإن قال قائل: هذا من الخير والبر، نقول: ما أكثر الخير والبر، والاستدلال بالعموم مع توفر السبب ووجوده في زمن النبي ﷺ، عدّه بعض أهل العلم أنه من البدع الإضافية، كما أشار إلى ذلك الشاطبي رحمه الله تعالى في كتابه «الاعتصام». وهكذا ذكر معناه عدد من أهل العلم. فكل ما كان سببه موجودا ولم يفعله النبي ﷺ ولا أصحابه، فلا يصح الاستدلال بالعموم في هذا الموضع، بل الاستدلال بالعموم في هذا الموضع من طريقة أهل الأهواء. وأكثر البدع التي دخلت على الناس دخلت على الناس بواسطة الاستدلال بماذا؟ بالعموم، يستدلون بالعموم في موضع لا يصح الاستدلال به. فلعل في هذا كفاية، مع أن فيه مفاسد أخرى، من هذه المفاسد ما يكون من التشويش على المساجد، لأنه إذا كبرت المدينة يكثر إعلان الوفاة فيها، مثل بعض مساجد المدن الكبيرة، لا تكاد تصلي صلاة إلا وكل المساجد تعلن بعد صلاة العصر، ربما بعد صلاة المغرب اليوم وبعد غد، وصارت مثل السنة، وهو في الحقيقة مثل اللغو، أكثر الناس ما يبالون ولا يحضرون، وإنما الذين يحضرون هم من يعرف هذا الميت. فإذا كان كذلك، فتبليغهم بالهاتف ووسائل التبليغ اليوم في هذا الزمان كثيرة، بالهاتف أو بإرسال الرسول أولى من أن يبلغ في المسجد. وبالله عليكم لو أن إنسانا له قريب، هل سيكتفي بأنه في الحارة سيأتيه ورقة في المسجد، وسيكون الخبر من المسجد؟ ما يكفي. وهل أدى حق هذا الميت وقرابته بهذا الرجل؟ ما أدى. ولذلك لو أنه أنكر عليه لكان له حق، لو قالوا له: لما لم تخبرني أن أخي مات؟ ما سيقول لهم؟ قد أرسلنا بالورقة لأهل المسجد، ما علاقتي أنا بأهل المسجد؟ أنا أريد أن تخبرني أنا. فإذا كان كذلك، فلا فائدة من هذه الورقة التي ترسل إلى المساجد، وفي الحقيقة هي مع مخالفتها الشرعية صارت مثل العبث. ثم فتحت مفسدة أخرى، توسع الناس في هذا حتى وجدت في بعض المناطق الشرقية أنهم يعلنون الأعراس في المساجد، بل وجدت توسعا أعظم من ذلك في بعض المناطق الشرقية يعلنون كذلك الضيافات في المسجد، إذا جاء مسؤول من المسؤولين يقوم بعد صلاة الجمعة: اليوم الضيافة في بيت فلان، وهكذا، ما من جمعة إلا اليوم الضيافة في بيت فلان، ينادي كل أهل المسجد بأن الضيافة في بيت فلان، صار المسجد محلا للإعلانات، وليس هذا بصحيح، فما أنشئت المساجد لمثل هذا. فلأجل هذا كانت فتوى أهل العلم بأن هذا الفعل ليس من السنة في شيء، والله تعالى أعلم. وبهذا القدر نكتفي، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.