كتاب الجنائز 8

كتاب الجنائز 8

الدرس في كتاب الجنائز 8، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حكم الصلاة على القبر والجنازة في المقبرة

يشرح حكم الصلاة على القبر بعد الدفن وعدم جوازها قبل الدفن في المقبرة، مستنداً إلى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. يجوز الصلاة على القبر بعد الدفن لحديث المرأة السوداء.

الصلاة على الجنازة في المقبرة وحدودها الزمنية ومشروعية الصلاة على الغائب

يناقش حدود الصلاة على الجنازة في المقبرة زمنياً، واختلاف العلماء حول أقصى مدة لها، مع الإشارة إلى جواز الصلاة على الغائب. يرى الإمام أحمد أن أقصى مدة هي شهر.

مشروعية الإسراع بالجنازة وفضل اتباعها

يشرح مشروعية الإسراع بالجنازة باعتدال، وفضل اتباعها حتى الصلاة عليها ودفنها، مع بيان الأجر العظيم لمن يتبعها إيمانا واحتسابا. اتباع الجنازة يعتبر من فروض الكفايات.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. أما قوله رحمه الله: يصلي على القبر، أن يجوز أن يصلى على قبر الميت، وذلك لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأشار إليه رحمه الله تعالى بالشرح، من حديث ابن عباس في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على المرأة السوداء التي كانت تقم المسجد، يعني قام على قبرها فصلى عليه في اليوم الثاني، وهذا الحديث في الصحيحين، وهذا يدل على جواز الصلاة على القبر إذا دفن. وأما إذا لم يدفن وكان القبر في المقبرة، فإنه لا يصلى عليه في المقبرة، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه «نهى عن الصلاة على الجنائز في المقبرة»، فلا يجوز الصلاة على الجنائز في المقبرة، أي في وسط القبور. فلو أتي بالجنازة ووضعت بجانب القبر وأراد قوم أن يصلوا عليها، فنقول لهم: لا تصلوا عليها حتى تدفن فتصلون عليها، أو تخرج الجنازة إلى خارج المقبرة، ولو في طرف المقبرة لا بأس، لكن ليست بين القبور. فقد نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «أن يصلى على الجنائز في المقبرة»، وحسنه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله في «أحكام الجنائز». فعندنا الآن مسألتان: مسألة الصلاة على الجنازة بعد دفنها، فهذا جائز، ومسألة الصلاة على الجنازة قبل دفنها في المقبرة، فهذا غير جائز لنهي النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك. والعلّة في هذا هو أنه إذا دفن كان دليل الافتقار، وكذلك تخصيص القبر بالصلاة يبعد ذريعة الشرك والغلو في القبور والافتتان بها والتوجه إليها، بينما إذا لم يدفن فإن ذلك ذريعة للافتتان بالقبور وحصول التوجه إلى جهتها. ولأجل هذا، والله تعالى أعلم، كان النهي عن الصلاة على الجنازة في المقبرة. ثم إن قال قائل: ما هو الحد الذي يجوز فيه الصلاة على المقبرة إذا دفنت؟ هل يوم أو يومين أو ثلاثة أو أسبوع أو شهر أو كم؟ اختلف أولو العلم في ذلك على أقوال، وذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى إلى أن أقصى مدة هي شهر، وذلك لما روي من مرسل سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى، وتعبده آثار. وقد أشار إليه رحمه الله بالشرح أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر أم سعد، وقد مضى لذلك شهر، أخرجه الترمذي، وهذا يدل على أنه يشرع في هذه المدة. وهذا المرسل وإن كان لا يحتج به بمفرده، لكن له ما يعضده من الآثار. والإمام أحمد رحمه الله مع جلالته استدل بهذا المرسل لأنه رأى، والله تعالى أعلم، أن هذا المرسل تعبده آثار ومراسيل أخرى. وقد رويت مراسيل، وقد أشار الشيخ الألباني رحمه الله إلى بعض هذه المراسيل في كتابه «أحكام الجنائز». فإذن أقصى مدة هي الشهر، كما رواها في فتوى الإمام أحمد رحمه الله تعالى. وأما قوله رحمه الله تعالى في الصلاة على الغائب، وعلى الغائب، أي وجوز الصلاة على الغائب، واستدل بصلاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على النجاشي، أنه صلى على النجاشي فكبر أربعا، والحديث في الصحيحين. ولكن ظاهر كلام المؤلف رحمه الله التعميم، أن صلاة صلاة المسلمين على الغائب تجوز مطلقا، والصحيح ليس كذلك. وإنما الغائب الذي لم يصلى عليه مثل النجاشي، ما أحد صلى عليه. وأما إذا كان قد صلي عليه فلا، إذا كان قد صلي عليه فإنه لا يصلى على الغائب. وإنما يصلى على الغائب الذي لم يصلى عليه، مثل رجل في بلاد كفر مات، فبلغك خبره واستيقنت أنه لم يصل عليه أحد من المسلمين، فإنك تصلي عليه مع من معك من المسلمين صلاة الغائب. أو رجل مات في البحر وافتقد واستيقنت أنه مات أو غلب على ظنك ذلك وحكم عليه بالوفاة، ولا أحد صلى عليه، فإنك كذلك تصلي عليه صلاة الغائب. وأما الفصل الذي ذكره رحمه الله، قال: ويكون المشي بالجنازة سريعا. ودليل ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أسرعوا بالجنازة، فإن كانت صالحة قربتموها إلى خير، وإن كانت غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم». فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالإسراع بالجنازة، لكن هذا الإسراع إسراع معتدل، ليس فيه إفراط ولا تفريط، وليس فيه إضرار بالميت ولا إضرار كذلك بالذين يمشون معها. ولهذا يجد بعض الناس في هذا بين إفراط وتفريط، بعضهم يمشي ببطء شديد متماوت في المشي، وهذا خطأ. وبعضهم يسرع بها جدا فيجري بها جريا حتى تكاد تسقط الجنازة، وهذا خطأ كذلك ومبالغة. والصواب إسراع فيه تقديم وتقريب بما لا يضر بالماشين ولا يضر كذلك بالميت. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كسر عظم الميت ككسره حيا». وأما قوله والمشي معها أحيانا، المشي مع الجنازة، فإن ذلك مما تكتب به الحسنات، وهو من فروض كفايات. ودليله ما جاء كذلك في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا، وكان معه حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل جبل أحد». فيستحب المشي معها، وهو من فروض الكفايات. نكتفي بهذا، ونكمل إن شاء الله في درس لاحق، والله تعالى أعلم.