الدرس في شرح مختصر السيرة 111، الدرس الحادي عشر بعد المائة:( ويروى أن أبا بكر كتب كتاباً آخر وأمر خالداً أن يقرأه في كل مجمع ... وبهذا نرجوا لكم النصر على أعدائكم سر على بركة بركة الله تعالى ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح كتاب أبي بكر لأمرائه بعد وفاة النبي محمد، ويشمل شهادة التوحيد ودعوة إلى اتباع الهدى. كما أوصى أبو بكر خالد بن الوليد بتقوى الله والرفق بالمسلمين قبل إرساله لقتال مسيلمة الكذاب.
أوصى أبو بكر خالد بن الوليد بدعوة أهل اليمامة إلى الإسلام قبل القتال، وألا يقتل إلا من يستحق القتل بعد إقامة الحجة. كما أمره بالرفق بالمسلمين وعدم مخالفة أوامره.
يتناول جواز منع الأولاد البالغين من الخروج لصلاة الجماعة إذا كان في خروجهم فساد، ويشترط في ذلك أن يكون المنع لحفظهم من المعصية. كما ينصح بمرافقة الآباء لأبنائهم إلى المسجد وتحفيظهم الصلاة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: قال ويروان نابا بكر كتب مع هذا كتابا آخر، وأمر خالدا أن يقرأه في كل مجمع، وهو: أصل هذا الكتاب في الأحاديث الصحيحة. وأما هذه التفاصيل التي سنسمعها، فهي ليس في شيء من الأحاديث الصحيحة، يعني لم أقف عليه بإسناد صحيح، ولكن أصل القصة، وكذلك الكتاب صحيح. وأما تفاصيل ما في الكتاب، فالله أعلم به. قال رحمه الله: وهذا اشتهر عند أهل السير، وتعرفون ما يذكر في السير والمغازي والتراجم والتاريخ، يتسامح فيه ما ليس في الحديث. قال رحمه الله: وهو كتاب أبي بكر لأمرائه: بسم الله الرحمن الرحيم، من أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى من بلغه كتاب هذا من عامة الناس أو خاصتهم، أقام على الإسلام أو رجع عنه -يعني من وصله هذا الكتاب من من كان مسلما أو ارتد- سلام على من اتبع الهدى. وقوله: «سلام على من اتبع الهدى»؛ لأنه سلام عام يشمل المسلم والكافر المرتد، قال: ولم يرجع بعد إلى الهدى إلى الضلالة والعما، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الهادي غير المضل؛ لأن الضلال من العباد، والهداية من الله، أرسله بالحق من عنده إلى خلقه بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا؛ لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، فهدى الله بالحق من أجاب إليه، وضرب بالحق من أدبر عنه، التصار إلى الإسلام طوعا وكرها. ثم أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك أجله -أو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك أجله- وقد كان الله بين له ذلك لأهل الإسلام في الكتاب الذي أنزل عليه، فقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾، وقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ﴾ الآية، وقال للمؤمنين: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية. فمن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله وحده لا شريك له فإن الله له بالمرصاد حي قيوم لا يموت، ولا تأخذه سنة ولا نوم، حافظ لأمره، منتقم من عدوه ومجزيه -يعني انتقامه قد يكون في الدنيا، وقد يكون في الآخرة، وقد يكون فيهما-. وإني أوصيكم أيها الناس بتقوى الله، وأحظكم على حظكم ونصيبكم من الله -حظكم الأولى- يعني من الحث، وأحظكم أحثكم على حظكم، أي على ما هو لكم مما يكون لكم من أنتم أديتم الإسلام، قال: وما جاء به نبيكم صلى الله عليه وسلم أن تهتدوا بهدى وتعتصموا بدين الله، فإن كل من لم يحفظ الله ضائع، وكل من لم يصدقه كاذب، وكل من لم يسعده الله شقي، وكل من لم يرزقه محروم، وكل من لم ينصره مخذول. فاهتدوا بهدى الله ربكم، فإنه من يهدي الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وإنه قد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن قر بالإسلام وعمل به، اغترارا بالله وجهالة بأمر الله وطاعة للشيطان. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. وإني قد بعثت إليكم خالدا في المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، وأمرته أن لا يقاتل أحدا حتى يدعوه إلى داعية الله، فمن دخل في دين الله وعمل صالحا قبل ذلك منه، ومن أبى فلا يبقي على أحد ويحرقهم بالنار، ويسبي الذراري والنساء. والتحريق بالنار يحتاج إلى تأكد وثبوت، وكما قلنا: ليس لهذا إسناد مستقيم؛ لأن المشهور أنه لم يحرق أحدا من الصحابة بالنار، إلا ما روي عن علي رضي الله عنه فيمن ادعى الألوهية، وفيه: ومع ذلك قيل إنه رجع رضي الله عنه عن هذا بعد أن بين له نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التعذيب بالنار. قال: وعن عروة بن الزبير قال: جعل أبو بكر يوصي خالدا، ويقول: عليك بتقوى الله، والرفق بمن معك أهل السابقة من المهاجرين والأنصار، فشاورهم، ثم لا تخالفهم، قدم أمامك الطلائع ترتد لك -ترتد لك المنازل- ومعنى ذلك: يعني سبق قبلك بناس يكون فيه تهيئة ليرجاع الناس إلى الحق، فيهابون جيش المسلمين. قال: واسر في أصحابك على تعبئة جيدة، ومعنى التعبئة: يعني لا تدخل قتالا بدون تفقد الجيش، ووضع كل مقاتل في موضعه. قال: فإن أعطاك الله الظفر على أهل اليمامة، فأقل البقيا عليهم إن شاء الله، وإياك أن تلقاني غدا بما يضيق به صدري منك، ومعنى تأكيد لما سبق: بأن لا يقتل إلا من يستحق القتل بعد إقامة الحجة واليأس منه، ولا ينتقم، ولا يكون هناك ما ينافي هذا المعنى، وهذا قوله: «وإياك أن تلقاني غدا بما يضيق به صدري منك»؛ يعني بما كان فيه معنى مخالفة ما أوصيتك به. قال: اسمع وأطيع، ووصيتي: ولا تغيرن -لا تغيرن- من الإغارة -وهي الغزو- في أول النهار، وفي البغتة -يعني أول النهار أو في أوقات الغفلة- غفلة الناس، قال: على دار سمعت فيها أذانا حتى تعلم ما هم عليه. وكلها جمل دلت عليها الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، ومعنى أن موضع فيه أذان لا يكون عليهم قتال في بغته، قال: «حتى تعلم ما هم عليه»؛ يعني إذا كان فيهم بعض أهل الردة، فيكون لأهل الردة أولئك. قال: واعلم أن الله يعلم من سريرتك ما يعلم من علانيتك، واعلم أن رعيتك تعمل بما تراك تعمل، تعاهد جيشك، ومعنى أن الإنسان يحرص على العمل بالعلم، وأن لا يخفي ما يبطن، فيكون في ذلك المعصية لله. قال: تعاهد جيشك، وانههم عما لا يصلح لهم، فإنما تقاتلون من تقاتلون بأعمالكم، وهذه وصايا عظيمة، ومعنى أن النصر بالطاعة، وليس بقوة الرجال وكثرتهم، فنصر أهل الإسلام بالحقيقة بقدر تمسكهم بطاعة الله. قال: وبهذا نرجو لكم النصر على أعدائكم، سر على بركة الله. وأورد المؤلف هذا الفصل وهذه الجمل ليبين أولا مشروعية قتال أهل الردة إن ارتدوا، وبيان أن حقيقة الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم هو الدعوة إلى التوحيد، فمن أقامه فهو المسلم، ومن لم يقمه فليس بمسلم، وفيه أن ليس كل من أقام الإسلام وادعاه فهو مسلم، ولو أتى بما ينافيه. فهذا الكتاب يبين أنه ناسا يدعون الإسلام، بل وربما يؤذنون ويصلون، ولكنهم حصل منهم بعض الأقوال والأعمال ما أبطل عليهم صلاتهم وأذانهم، واستحقوا بذلك القتال وحكم الكفر. وكتاب أبي بكر هذا يدل على هذا المعنى. هل يجوز عقوبة الأولاد البالغين بعدم خروج من البيت، ولو كان لصلاة الجماعة؟ إذا احتاج إلى ذلك، وكان في هذا حفظ له، فلا بأس، حتى الرجل البالغ، ليس فقط الأولاد، الرجل إذا كان خروجه فيه فساد له، ممكن أن يمنعه ولي أمره من الخروج حفاظا عليه، ولو لفترة مؤقتة من الزمن. يقول: هل يجوز للولد أن يعصي أبويه -أبويه- بالذهاب إلى صلاة الجماعة؟ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إن كان الطالب لصلاة الجماعة صاحب طاعة. وأما إذا كان الطالب لصلاة الجماعة ليس صاحب طاعة، مثلا نفرق بين أب منع ابنه من الذهاب إلى الصلاة لأجل مخالفته مثلا في أمر دنيوي، أو أمر ديني لا يعارضه الذهاب إلى المسجد، أمر ديني لا يعارضه الذهاب إلى المسجد، مثلا كونه وجد معه صور أو شيء من هذا القبيل، فذهاب إلى المسجد عون له على التوبة والطاعة. لكن إذا علم أنه لا يذهب إلى المسجد، هذه مخالفة أخرى ومعصية أخرى لله، وفي طاعة أبويه كذلك، وجد أنه يدعي أنه يذهب إلى المسجد، ولكنه لا يذهب إلى المسجد، يذهب يعبث مع بعض أهل السوء، فإذا اكتشف مثل هذا الأب، كان للأب حقا أن يمنع هذا الولد من الخروج، ولو إلى صلاة الجماعة، حتى يكون فيه ردع له وتوبة. وإذا ذهب إلى المسجد يأخذه بيده، وهذا الذي ننصح به أن الآباء يعتنوا بأبنائهم، فإنهم أمانة، فمن كان عنده ابن فليحرص على أن يكون ولده في يده وتحت مراقبته، حتى يؤدي الأمانة التي عليه. والله تعالى أعلم.