شرح كتاب مشاكل الدعوة والدعاة للعلامة الجامي 3

شرح كتاب مشاكل الدعوة والدعاة للعلامة الجامي 3

الدرس في شرح كتاب مشاكل الدعوة والدعاة للعلامة الجامي 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التحريف في المناهج التعليمية

يتحدث عن التحريف في كتب الاعتقاد التي كتبها الصوفية والمتكلمة وتأثيرها على الطلاب. يبين خطر تدريس هذه الكتب وتأثيرها على الإيمان.

تأثير الجماعات الصوفية والفلسفة اليونانية

يتناول تحذير الشيخ من الجماعات الإصلاحية الصوفية وتأثير الفلسفة اليونانية على المنهج التعليمي. يشير إلى أهمية العودة إلى الكتاب والسنة.

الانحرافات في مناهج التعليم الديني وعلاقة الفرق الضالة بالاستعمار

يناقش الانحرافات في مناهج التعليم الديني وعلاقة القاديانية وغيرها من الفرق بالاستعمار الغربي. يشير إلى أمثلة تاريخية لتعاون هذه الفرق ضد المسلمين.

التفريغ النصي الكامل

مجلس علم لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله في شرح كتاب مشاكل الدعوة والدعاة للعلامة الجامي رحمه الله تعالى. والآن مع الدرس الثالث. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا مع هذه الرسالة النافعة الماتعة لشيخنا الدكتور محمد أمان بن علي الجامع رحمه الله «أشهد الدعوة والدعاة في العصر الحديث». وآخر ما وقفنا عليه ما ذكره رحمه الله في المشكلة والمعضلة الرابعة في التحريف الواقع في المناهج التعليمية. ذكر رحمه الله بعض النماذج التي توضح وتجلي بعض ما دخل في مناهج التعليم من الأمور المحرفة، وضرب على ذلك بعض الأمثلة، ومنها بكتب الاعتقاد، وسمى لنا مجموعة من هذه الكتب ذكرها رحمه الله تعالى، وأكثرها من كتب الصوفية والمتكلمة، صوفية طرقية والمتكلمة. وما ذكره عبارة عن أمثلة، وقليل من كثير ممن تشرَّف في بعض الجهات، وأكثرها في أفريقيا وشمال أفريقيا، وربما كذلك في شمال الجزيرة العربية، وبعض بلاد الهند، لكنه يتكلم على من يتكلم العربية. ولذلك كانت أمثلة أكثرها في هذه الفرق والطوائف كالسنوسية، وشاذلية، ورفاعية، وتجانية، وغيرها ممن انحرف في بابه ومسائل الاعتقاد. ذكر عددا من هذه الكتب، وهي كما قلنا على سبيل التمثيل، ومنها ما ذكره من الحواشي والمتون على طرق بعض الطرق الصوفية كالسنوسية التي تسمى «العقيدة الكبرى»، ومنها ما ذكره «كتاب الهدهدي» وهو تعليق على متن السنوسية، وكتاب «الشرقاوي» الذي هو شرح على كتاب الهدهدي على السنوسية، وغير ذلك من السلاسل المعينة بالطرق الصوفية، كذلك «لغة السنوسية» و«طلاع البشرى» و«شرح العقيدة الكبرى» في عقيدة السنوسية كذلك. ذكر الشيخ السنوسية خصوصا لأن السنوسية اعتنوا في باب التعليم أكثر من الطرق الأخرى، بل بعضهم حاول أن يجمع بين الحق والباطل، وربما بعضهم دخل عليه اللبس. بالتمييز بين من ينتسب إلى السنوسية وقد تاب وتراجع، وكانت طريقته سنية، ولكنه كانت له خلفية وتاريخ مع الطريقة السنوسية، وبين من بقي على القريقة السنوسية، وهم كثير، وبقي على عقيدة أهل الكلام والاعتقادات الطرقية القبورية التي عند أكثر الصوفية، من الاعتقاد بالقبور، واستغاثة بالأموات، وغير ذلك من المسائل الكبيرة الفضيعة التي تقع من هؤلاء الصوفية والطرقية. قال الإمام العلامة محمد أمان الجامي رحمه الله تعالى: «الموضوعات التي تشتمل عليها هذه الكتب، قال: تبحث هذه الكتب الموضوعات التالية: مبحث الاستواء، ومبحث المحبة والرحمة، ومبحث الغضب، ومبحث الكلام، وغيرها. ولكننا نخص من بحث هذه الصفات التي اخترناها لأهميتها. وهذه الصفات كلها يدرسها الطالب لا ليثبتها ويؤمن بها على مراد الله ومراد رسوله كما جاءت، لا ليثبتها ويؤمن بها على مراد الله ورسوله كما جاءت، ولكن يدرسها ليتعلم كيف يردها، يعطلها وينفيها عن الله بدعوى أنها لا تليق بالله، على الرغم من أن الله هو الذي أثبتها لنفسه. أأنتم أعلم أم الله؟ والله سبحانه وتعالى هو أعلم بما يليق. ثم يسمون ذلك التعطيل والنفي تأويلا وتنزيها. وهل يغير حكم الخمر تسميتها ماءا زلالا ولبنا خالصا سائغا للشاربين؟ أو لبنا خالصا سائغا للشاربين؟ فتجد الطالب يدرس ما لا يقبل عقله الحر لو ترك على حريته، ولكنه مضطر أن يدرس، وأن يقبل كل ما يدرسه مما جاء في تلك الكتب مكره. أخاك لا بطل. فيقول المنهج مثلا: لا يجوز أن يعتقد بأن الله في العلو، وآيات الكتاب الكريم، والسنة المطهرة، والعقل الصحيح، والفطرة السليمة، كل أولئك يثبتون علو الله على خلقه، وأنه ليس في ذاته شيء من خلقه، ولا في خلقه شيء من ذاته، ووفوق سماواته بائن من خلقه. بل كل واحد يجد من نفسه ما يدفعه إلى اعتقاد العلو، ويرفع أكف الضراعة إلى العلي الأعلى قبل أن يستشير علماء الكلام، هل ذلك لائق أم لا؟ وهو أمر فطري. ولم ينقض الخلاف ذلك إلا عن بشر المريسي، أحد الجهمية، مع أنه يقول: «سبحان رب الأسفل» قبحه الله هو وأتباعه. فيعيش الطالب حياته كلها في هذه الاضطرابات الفكرية حائرا، ما يدري ماذا يفعل؟ هل يصدق المنهج أم لا؟ فيقع في الإلحاد في صفات الله وأسمائه. وهل يتجرأ على مخالفة المنهج ليتبع ما جاء به جبريل إلى محمد عليه الصلاة والسلام من ربه؟ وفي ذلك صراحة ونجاحه. وهذا وهذا قليل من كثير من الحيرة والشك التي يقع فيها من يدرس في مثل هذه الكتب المنحرفة، والتي وللأسف مقررة ببعض المدارس والصروح العلمية، بل والجامعات، وهي مليئة بعلم الكلام، وتحريف الكثير من مسائل الاعتقاد، ككتب هؤلاء المتصوفة والطرقية. والسبب في هذا كما تقدم معنا: الجهل بحقيقة الدين من جهة، والإصرار على الباطل وعدم العمل بالحق بعد العلم به، لمسايرة أكثر المجتمع من جهة. وازداد الأمر الثالث، وهو كون هؤلاء اتخذوا هذا على وجه التبعية والتقليد. فما يأتي جيد من المدرسين إلا وهو بسبب هذه التربية الخاطئة، لا يعتني بالتصحيح ولا التصحية، وإنما همه الوظيفة والراتب الذي يتقاضاه. فلا يبالي بعقائد محرفة ومسائل مهمة في الدين تسبب الضلال. فإذا كان هذا حال المدرس حتى صار بعض المدرسين لا يدري العقيدة الصحيحة، بسبب أكثر ما يقرأ مما هو محيط به من كتب أهل الكلام، وكتب أهل الضلال. بل والمكتبات حوله مليئة بكتب أهل الضلال، مع تعظيم وغلو في رؤوس أهل الضلال وكتبهم، وجهل وبعد وتعمية وتغطية بكتب أهل الحق، وتشويه كذلك صور أئمة ودعاة ومشايخ وعلماء أهل الحق. والسبب هو كما تقدم من الأسباب. وضرب الشيخ رحمه الله هذه الأمثلة للتقريب فقط، وإلا هي ليست فقط المسائل المذكورة والمبثوثة في مثل هذه الكتب، بل فيها من الضلالات في مسائل الألوهية من الشركيات والوثنيات، والاعتقاد في المقبورين والأموات، الشيء الكبير الفضيع مما يخالف عقيدة أهل التوحيد، وأدلة الكتاب والسنة. وهكذا في باب توحيد الأسماء والصفات، بل وربما يصل للأمر إلى أعظم من ذلك، إلى التشكيك في توحيد الربوبية، فيعتقد بعد هؤلاء أن الأولياء والأقطاب كما يزعمون والأوتاد عندهم القدرة على بعض أفعال الله عز وجل. ثم يزعمون أن الله أعطاهم كرامة لهم هذه القدرة. وهذا كذب على الله وعلى دينه وعلى شرعه. فأمثال هؤلاء كيف يكون حالهم في المجتمع؟ وهم عندهم هذه الانحرافات العقدية العظيمة، سواء في توحيد الربوبية، ومنهم من يعتقد أن غير الله يحيي ويميت، كما هو موجود في كتب هؤلاء الصوفية الطرقية. فإن منهم من لا يسلخ من الله ولا من شرعه ولا من خلق الله، فيقرر أن الولي الفلاني والقطب العلاني قادر على أن يحيي ويميت. فذاك أحيا الموتى، وذاك رد الغائب، وذاك أنزل المطر، وكذا وكذا من الخرافات والشركيات التي لا يجوز أن تنتسب أو تنسب وتوجد بين المسلمين. فلذلك كانت هذه اللفتة للتنبيه على هذا الخطر الذي هو من أعظم الأخطار والمشكلات والمعضلات بين المسلمين. وللأسف مع ذلك هؤلاء ينتسبون أو يسمون بجماعات إصلاحية، مثل السنوسية، وخصها الشيخ بالذكر رحمه الله لأنها من أقوى الطرق الصوفية التي يزعم أنها دعوة إصلاحية. وبالحقيقة هي من أعظم الدعوات التي حرفت جمال هذا الدين بهذه الانحرافات العقدية والسلوكية وغيرها. قال رحمه الله تعالى: «فلنسمع بعض النصوص التي يرى المنهج وجوب تأويلها، وأن ظاهرها لا يليق بالله. أولا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا﴾ [الأنبياء: ١٠٥] وهو عنده فوق العرش، ﴿إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي﴾ [مسلم: ٤/٢١٢٧] ثانيا: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] ثالثا: ﴿ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [أبو داود: ٤٩٤١] رابعا: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]. هذه النصوص وأمثالها نزلت على الرسول عليه الصلاة والسلام، وعلمها أصحابه، وفهموها، وآمنوا بها، ولم يروا وجوب تأويلها، بل لم يتكلموا فيها بشيء. وهكذا من بعدهم من التابعين إلى عهد المأمون العباسي، في المئة الثانية، فدبت فتنة الكلام إلى صفوف المسلمين، بواسطة الكتب اليونانية المترجمة إلى العربية في الفلسفة والمنطق. هذا مثال وليس المقصود الحصر والاستقراء والاستيفاء. فأراد بإيراد هذه الأدلة بيان الوضوح والجلاء في أدلة الكتاب والسنة في تقرير مباحث العقيدة التي ضل فيها هؤلاء. ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] في مواضع من القرآن، ﴿آمَنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] ونحوها من الأدلة في القرآن. وهكذا حديث: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» [مسلم: ٤/٢١٢٧]، كلها: «كتب كتابا»، «إن الله كتب كتابا وهو عنده فوق العرش» [الأنبياء: ١٠٥]، كلها تدل على إثبات العلو لله عز وجل. وكذلك الاستواء على ما يليق بجلال الله وعظمته سبحانه وتعالى. فالعلو صفة ذاتية لله، والاستواء صفة فعلية تليق بجلال الله وعظمته، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. كما نثبت لله ذاتا لا كالذوات، فنثبت لله صفات لا كالصفات. والواجب هو الانقياد لهذه الأدلة الصحيحة الصريحة. وهكذا: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] المراد: القرآن، وهؤلاء ينفون الكلام عن الله، ويزعمون أن القرآن معنى نفسى قائم بالنفس، وأن القرآن عبارة أو حكاية، على خلاف بين الكلابية والأشاعرة والماتريدية في مسألة القرآن. وهذا ونظائره من الضلال المنافي المناقض لأدلة القرآن والسنة. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء بحديث جابر وغيره ومر معناه: «إن قوما منعوا أن أبلغ كلام ربي، فمن يحملني أو قال: يحميني حتى أبلغ كلام ربي؟» [أحمد: ٣/٣٢٦]، فسمى القرآن كلام الله. وغير ذلك كثير. وهكذا: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» [أبو داود: ٤٩٤١] في إثبات الرحمة على ما يليق بجلال الله وعظمته، والعلو لله سبحانه وتعالى. ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] في إثبات الصفات الفعلية، وصفة المجيء لله عز وجل على ما يليق بجلال الله وعظمته، وأنه مجيء حقيقي، ليس كما يزعم هؤلاء من مجيء الرحمة أو العذاب أو غير ذلك مما حرَّف به نصوص الكتاب والسنة. وأشار إشارة جليلة خفيفة إلى أن هذا الباطل دخل على المسلمين في أول الإسلام، في المئة الثانية، عند أن ترجمت كتب أهل الكفر من فلاسفة الهند واليونان، فإنهم دخلوا عليهم بعض العقائد الضالة، وخصوصا في تلك الفترة، من خلال أهل التحريف الذين أخذوا هذه العقائد فأدخلوها في الإسلام. فوقع جرح ما وقع عند اليهود والنصارى حين أدخلوا تلك الفلسفات والعقائد الوثنية، فحرفوا دين الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: «فسلطت الفلسفة على المقالب العقلية، فأعرض الناس عن النصوص في هذا الباب، فصاح فيهم شيطان الفلسفة وعلم الكلام: بأن النصوص لا تفيد اليقين، وأنها ظنية، وأن الأدلة العقلية هي اليقينية. ودعوا عنكم الظنية إلا حين توافق اليقينية. ومن تأليف هذه الصيحة المنكرة أصاب منهج التوحيد تحريفا خطيرا. فشب على ذلك الوليد، وشاب الكبير. فأنكروا السميع الله على عرشه على ما يليق به، كما أخبر عن نفسه. كما أنكروا أن يكون القرآن كلام الله، وأنه يحب أولياءه ويحبونه، وأنه يرحم عباده على ما يليق به، ويجيء لفصل القضاء يوم القيامة كما يليق به سبحانه. والطالب الذي يدرس المنهج يتعلم فلسفة التأويل والتحريف، فيتخرج موحدا أي معطلا ومنحرفا. فتصبح كلمة التوحيد ورفض الموحد من ألفاظ الأضداد. يعني أنها استخدمت في ضد ما هي له. فالأصل التوحيد هو إفراد الله سبحانه وتعالى بمعاني ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. أما هؤلاء فجعلوا التوحيد هو الشرك والوثنية التي عند الصوفية، من تعظيم الأولياء والأقطاب والأوتاد، وصرف ما هو لله لهؤلاء، بحجة تعظيم هؤلاء الأولياء، وحفاظ جناب آل البيت، ونحو ذلك من الشبه والضلالات. وهكذا في باب الأسماء والصفات، حرفوا الكثير من الأسماء والصفات، بحجة التنزيه. فوقعوا في ضلالات عظيمة وكبيرة. ثم سموا هذه الضلالات توحيدا، وهي في الحقيقة تعطيلا وشركا ووثنية. وهذا هو وجه تسمية هذا من المتضادات. ولا يزال الضلال يتراكم، والشبه تجتمع باجتماع أهل الضلال جيلا بعد جيل، حتى كانت هذه عقبة كبيرة في رجوع الكثير من الناس إلى الحق، لأنه أخذ دينه بالتقليد من هذه الكتب المنحرفة. مثل هذه القاعدة: تسمية الأدلة الشرعية أدلة نقلية غير قطعية، وتسمية الأدلة العقلية أدلة قطعية. وإذا سألت: ما هو الدليل من الكتاب والسنة في تسمية المنقول ظني وتسمية المعقول قطعي؟ لم يجد دليلا واحدا على ذلك. بل أدلة الكتاب والسنة تبطل هذه القاعدة الطاغوتية التي استعملها رؤوس الضلال في أوائل القرن الثاني والثالث، وما بعده، ممن دخلت عليهم هذه اللوثة الكلامية والفلسفة الهندية واليونانية، من الجهمية والمعتزلة، ثم تفرعت وتفرعت منهم فرق وطوائف كثيرة. فالأمر كما تقدم يحتاج إلى معرفة الداء، والاجتهاد في وضع الدواء، فيما يكون به إصلاح هذه الأمة، وإرجاعها إلى حياض الإسلام الصافي النقي. قال رحمه الله تعالى: «وأما مادة الفقه فهي عبارة عن آراء بعيدة، وخالية عن الأدلة، بل هي مسائل فرضية لا صلة لها بالواقع، أو استحسانات شخصية لا طعم لها ولا لون. وكل طالب يدرس آراء تنتمي إلى مذهب معين، محاولا أن يثبت أن آراء وقياس مذهبه أفضل من آراء وقياس مذاهب الآخرين. ولا يمرن الطالب على استنباط الأحكام من الكتاب والسنة، على أنهما مصدران للتشريع الإسلامي. وعلى الرغم من ذلك يتخرج عالما من علماء المسلمين، وداعية إلى الله تعالى. وفي الواقع أن انحراف المنهج التعليمي ليس وليد العصر الحديث، الراجع إلى القرون التي خلت. فلنسمع للعلامة ابن القيم، وهو يتحدث عما أصاب المسلمين كنتيجة للإعراض عن المنهج التعليمي. والعلامة ابن القيم من أعيان القرن السابع الهجري، يتحدث عما أصاب المسلمين من الإعراض عن الكتاب والسنة، وهو يقول: «لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة، والمحاكمة إليهما، واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما، وعدلوا إلى الآراء والقياس والاستحسان، وأقوال الشيوخ، عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم، وظلمة في قلوبهم، وكدر في أفهامهم، ومحق في عقولهم». إلى أن قال: «قامت فيهم البدع مقام السنن، والنفس مقام العقل، والهوى مقام الرشد، والضلال مقام الهدى، والمنكر مقام المعروف، والجهل مقام العلم». ثم قال رحمه الله: «فإذا رأيت في دولة هذه الأمور أقبلت، وراياتها قد نصبت، وجيوشها قد ركبت، فبطن الأرض والله خير من ظهرها، وقلل الجبال خير من السهول، ومخالطة الوحش خير من مخالطة الناس. والله المستعان». وهذا كذلك المثال الثاني الذي وعدت بالتنبيه عليه. مادة الفقه، فمادة الفقه في عرف هؤلاء هو التقليد الأعمى، والانشغال بالمسائل الفرضية كما ذكر رحمه الله، التي لا وجود لها في الواقع. وليت الأمر اقتصر على هذا، بل يزداد الأمر سوءا، أن يتهم من يرجع إلى الكتاب والسنة بالزندقة والخروج عن الدين، أو اتهموه بأنه لا دين له. فجعلوا الدين ينحصر في مذاهب محصورة، فمن لم يكن متمذهبا فإنه لا دين له. فالدين عندهم بالتمذهب والتقيّد بأحد هذه المذاهب الفقهية على الطرق المتأخرة. أما أئمة المذاهب فهم أئمة سنة، ولم يعرفوا بهذا الضلال الذي وقع عليه هؤلاء المتأخرون، من جمعوا بين الطرق الكلامية والمذاهب الصوفية، مع الانحرافات الفقهية. فاجتمع الضلالات بعضها فوق بعض. ولذلك تجد أن الانحراف العقدي تسلل حتى دخل كتب الفقه، فتجد في باب الأوقاف الكلام على الأوقاف الشركية، وعلى المسائل العقدية المنحرفة. وتجد كذلك في باب الأيمان: الحلف بغير الله وتقريره، وكذلك بناء المسائل الفقهية عليه. وتجد كذلك في بعض أبواب الصلاة والطهارة: المسائل العجيبة الغريبة التي هي مبنية على عقائد ضالة. فتجد من هؤلاء من يتوضأ بالهواء، من الطرق الصوفية، من يجيزون الوضوء بالهواء. فانظروا إلى أين وصل الكفر بهم. كما يقول عندنا: «العمى الجنان» يعني ما اكتفى بالماء، وما ينوبه من التيمم. تجد أحدا يتوضأ بالهواء، وهذه عقيدة عندهم، ومدونة في كتب الفقه. وهذا من الضلال الذي دخل حتى على الفقه. وهكذا الصلاة إلى غير القبلة، تجد بعضهم يقرر جوازها إذا كان في الجهة التي بها قطب من الأقطاب، أو ولي من الأولياء، أو وتد من الأوتاد. وهذا هو الشرك الأكبر، والعياذ بالله. وغير ذلك كثير مما دخل على كتب الفقه من الانحرافات العقدية، فضلا عن مسائل التقليد، فضلا عن المسائل التي لا معنى لها، وهي فرضية، وكلها خيالات، وإضاعة الوقت فيما لا ينفع. فتجد أحدهم يضع مسألة: ما حكم من صلى وهو حامل لكيس مليء بالفئران؟ تصوروا أن هذا مدون ويدرس في الجامعات، ويدرس في الجامعات. فأمثال هذا ونظائره أوقع هؤلاء في الحضيض، فشوهوا جمال الدين، وأدخلوا مثل هذه الخرافات والعقائد المنحرفة والضلالات على أبناء المسلمين. وأشار الشيخ رحمه الله تعالى إلى كلام الإمام ابن القيم، وكلام عظيم نافع ماتع. وخلاصته: أن من لم يتربى التربية الصحيحة على الكتاب والسنة، فهو عدو للكتاب والسنة. ولذلك يشنع على من دعا إلى الكتاب والسنة، سواء في باب الاعتقاد أو الفقه، إلى أنه بلا دين، أو أنه كذلك غير ذلك من الألفاظ التي مرت: «مجسم» أو غير ذلك من عباراتهم الشنيعة في أهل الحق. والله المستعان. وهكذا كذلك ما تغرَّع من كتب الفقه، ككتب الأصول والقواعد الفقهية، دخلت فيها كذلك تلك المسائل الكلامية والانحرافات العقدية، وغير ذلك من الانحرافات الفقهية التي سببها هذا الضلال الذي دخل على الإسلام والمسلمين، من خلال هذه الطرق الضالة. والله المستعان. قال رحمه الله تعالى: «فأما مادة التاريخ فهي عبارة عن سرد حوادث وقعت في القرون الخالية، ومكان وقوعها وزمانها، والإخبار بأن فلانا ولد في اليوم الفلاني في السنة الفلانية، وكانت وفاته في عام كذا، إلى آخر تلكم الحكايات. ولا يتفقه الطالب في فقه السيرة، وفي عبر التاريخ، ولا يعلم شيئا عن أخبار أبطال المسلمين، وترجمة أئمة المسلمين وعلمائهم. وهكذا يتخرج من هذا المنهج: الجدليون والقصاصون، وأصحاب الآراء الذين يجيدون كيف يفترضون المسائل الفرضية التي لا وجود لها في دنيا الناس. ولقد ملأ هذا الصنف معاهدنا وجامعاتنا، ومراكز الدعوة، دون جدوى منهم في مجال الدعوة، بل صاروا عقبة في سبيل الدعاة الصالحين والعلماء العاملين. والله المستعان». وهذا قليل من كثير من هذه الانحرافات عند هذه الطوائف والفرق. في هذا المثال الثالث: مادة التاريخ، فالتاريخ الإسلامي الصحيح مليء بما هو شرف ومشرف للإسلام والمسلمين. ولكن أعداء الإسلام والمسلمين يريدون محو مفاخر الإسلام، ومواضع ومنابع قوته. فبذلوا من أن يدرس المسلمون كتب السيرة والتاريخ لعلماء الإسلام الأعلام الذين ألفوا هذه الكتب، من أوائل الإسلام إلى الأزمنة المتأخرة. فهم يصرفون وجوه المسلمين بواسطة هذه الطوائف والفرق الضالة، إلى الكتب المنحرفة التي جعلت التاريخ عبارة عن سير الأولياء، وحكايات الأقطاب والشفعاء كما يزعمون. فتجد فيها الخزعبلات والخرافات، مثل كتاب «الفصوص» «والحكم» ومثل كتب الكثير من الصوفية، المليئة بما يسمى بكرامات الأولياء، والتي هي عبارة عن شركيات ووثنيات. فكل ما فيه: فلان أحيا الموتى، وفلان رد الغائب، وفلان عنده كرامة كذا وكذا، وولد فلان حين مات فلان، وإلى آخره. كله عبارة عن تأكيد وتقرير للعقائد الوثنية والطرق الصوفية. وكذلك تهوين للمسائل العقدية، ومنها الولاء والبراء، ومنها الجهاد في سبيل الله. فأضعف هذه الثوابت من ثوابت هذا الدين، وصرفوا الناس بمثل هذه الكتب إلى فكر جدلي قصصي صوفي قبوري، بعيد كل البعد عن معنى علم التاريخ الذي ألفه علماء الإسلام الأعلام. إذا وقفت إلى كتب التاريخ التي كتبها علماء الإسلام والسير، مثل كتب ابن سعد، وكذلك من كتب بعده: التاريخ، وكتب الذهبي، وابن كثير، وغيرهم من علماء السنة، تجد الفرق الكبير بين هؤلاء وهؤلاء. وقديم هؤلاء هو الإسرائيليات والأخبار المكذوبات، وجديدهم: قصص الأولياء كما يزعمون، والشفعاء المليئة بالخرافات والوثنيات. ولا شك أن هذا يخدم أعداء الدين. وللأسف صار التاريخ على هذا النحو. أو بعض الفرق المعاصرة الحزبية السياسية تشغل المسلمين بتاريخ الثورات والانقلابات، والفكر السياسي والثوري. تصوروا الإسلام عبارة عن ثورات وانقلابات، وغير ذلك مما يطمع فيه أصحاب هذا الفكر المنحرف. قال رحمه الله تعالى: «مما منيت به الدعوة الإسلامية في العصر الحديث: وجود طوائف تعمل في ميدان الدعوة باسم الإسلام. ومن جملتهم الطائفة القاديانية التي نشأت بالقارة الهندية، وفرخت قبل أن ينتبه لها علماء المسلمين المسؤولين عن الدعوة الإسلامية، أي ساكن. بل لم يفطنوا لها ولانحرافها إلا بعد أن تمكنت في القارة في طولها وعرضها، واستفحل أمرها. فألفت الكتب ووزعتها، وأنشأت المدارس ونشرت مبادئها. ثم أخذت تنتشر في أطراف الدنيا. والمدهش من أمر علماء المسلمين المهتمين بالدعوة الإسلامية في القارة التي ظهرت فيها القاديانية أول ما ظهرت، وفي الجهات التي ظهر فيها نشاطها أخيرا. والعجيب من أمرهم أنهم لم يحركوا بنت شفة في بيان مبادئها، وبيان زيفها، وتحذير الناس منها، إلا في الآونة الأخيرة، بعد أن تمكنت في الأرض. كما قلت سابقا: على الرغم من القرار الذي اتخذته بعض الجهات الإسلامية بأن القاديانية تعتبر أقلية إسلامية في أرضها. على الرغم من ذلك فلا تزال الطائفة تزاول نشاطها في الجهة نفسها، وفي الجهات الأخرى التي انتشرت فيها سابقا، كبعض دول إفريقيا. وتعتبر الطائفة ونشاطها عقبة أمام دعاة الحق في تلك الجهات. وقد استمالت قلوب العوام بتلك النفقات الباهظة التي تنفقها على المدارس والمؤمنين بها، بسخاء منقطع النظير. فالواجب على جميع الجهات المسؤولة أو المهتمة بالدعوة: السعي في إيقاف هذا النشاط الهدام كليا، طالما ثبت كفر هذه الطائفة وردتها، بتكذيبها نصوص الكتاب والسنة التي تنص بأن محمدا عليه الصلاة والسلام خاتم النبيين، ولا نبي بعده. وبذلك نكون قد عملنا شيئا في تقليل المشكلات الكثيرة التي عرقلت سير الدعوة في كثير من الجهات، وشغلت بال الدعاة. علما بأن القضاء على نشاطهم ليس بالأمر السهل، بل الموقف يحتاج وقتا غير قصير، مع وجود الحزم والصدق. لأن كثيرا من عوام المسلمين الذين لا يفرقون بين الشرك والورع قد اعتنقوا مبادئ هذه الطائفة منذ أمد بعيد، وافتتنوا بها. فشغلت أذهانهم الخالية بأفكارهم المسمومة، وخدعتهم أساليبهم المعسولة، ولقنوهم الكفر والإلحاد باسم الإسلام. صحيح أن نشاط هذه الطائفة بدأ يضعف في بعض الجهات التي كانت قد تمكنت فيها، وذلك بنشاط أهلي محلي، قد يقوم به سكان المنطقة. كما لاحظنا ذلك في نيجيريا في هذه الأيام القريبة. فقد علمت في أثناء زياراتي الأخيرة لنيجيريا ببعض المناسبات: بأن نشاط القاديانية قد خف الآن، حتى انحصر في المدارس الثانوية. بل قد أخذ القاديانيون المحليون يتراجعون عن الإسلام من جديد، يراجعون الإسلام من جديد، بعد أن كانوا دعاة مخلصين للقاديانية. هذا خبر صادق، ولكنه لا يجعلنا نتكل ونترك العمل في القضاء على هذا النشاط في جميع مراحل مدارسنا ومؤسساتنا. وبالله التوفيق. قال رحمه الله تعالى: «الإستعمار الغربي، قال: الحديث عن القاديانية يذكرنا المشكلة الأم، ألا وهي الاستعمار الغربي. لأن القاديانية، بل وجميع الطوائف المنحرفة التي تكيد الإسلام والمسلمين باسم الإسلام، أغلبها من منتجات الاستعمار، أو أصدقاء الاستعمار. بل إن بعض الطوائف الصوفية كان لها علاقة قوية وودية مع الاستعمار، أيام كان الاستعمار يفسد في هذه المناطق الإسلامية، كالمرغنية وفروعها. عرف الناس ذلك أم جهلوا إلا الخواص. إن الاستعمار الغربي الذي سيطر على كثير من البلدان الإسلامية لم يكن مخططه أن يستغل خيرات البلاد، ويستعبد سكانها فحسب، كما يظن البعض. بل كان من أهم مخططاته: محاربة الإسلام، وتجهيل المسلمين بدينهم على حقيقته، بجميع الوسائل الممكنة له، الظاهرة والخفية. هذه مسألة خطيرة ومهمة، يجب التذكير بها، والتعاون في بيان حقيقتها. فالاستعمار الغربي والشرقي قد استعان بهذه الفرق الضالة من قديم الزمان. فعلاقة الرافضة باليهود من قديم الزمان، وعلاقة الرافضة بأعداء الإسلام. وهكذا الفرق الباطنية من قديم الزمان. انظروا ما فعل القرامطة بالإسلام والمسلمين، حتى هجموا على أقدس المقدسات في بلد الله الحرام، وأخذوا الحجر الأسود، وقتلوا وسفكوا من الدماء ما لم يفعله أعداء الإسلام. وانظروا إلى ما فعله الرافضة مع أعداء الإسلام، من اليهود والنصارى. وهكذا ما فعلوه مع المغول، فلم يدخل المغول إلى بلاد الإسلام إلا بتعاون الرافضة. وهذا كله مسجل مدون في التاريخ. وهكذا التاريخ المعاصر، فإن الاستعمار الغربي والشرقي ما استطاع أن يتمكن من المسلمين إلا بواسطة هذه الفرق الضالة التي أنشأها، أو التي قواها، وصارت صديقة له. كما فعل مع الباطنية والطرق الصوفية والرافضة وأمثالهم ونظائرهم. ما فعلوا في القارة الهندية مع الطوائف الضالة، وما فعلوا في البلاد الأفريقية. وهكذا ما فعلوا في البلاد العربية، وفي الجزيرة العربية خاصة. فإن هذه الفرق كلها لمن يقرأ تاريخها في كل بلد، تجد أن أعوان الاستعمار هم هذه الفرق الطرقية الباطنية والصوفية والرافضة والفرق الكلامية، هم أعوان الاستعمار، وسنده في ذلك. ولذلك كان من فترة طويلة: تهوين الجهاد في سبيل الله من أعظم قواعد هذه الفرق. «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر». هذه عبارة من؟ عبارة هذه الفرق. ويريدون بالأكبر: التصوف الذي هم عليه، والانشغال بإصلاح النفس كما زعموا، لأجل أن يبقى الاستعمار متمكنا في بلاد الإسلام والمسلمين. وانظروا إلى ما وقع في عدد من البلاد: كيف استعان الاستعمار بقتل الحركات الجهادية التي كانت تهدف لإخراج الاستعمار، بواسطة هؤلاء الصوفية والطوائف الطرقية، كما في المغرب العربي: في ليبيا، والجزائر، وتونس، والمغرب. وهكذا في مصر، من الدولة