الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 39، الدرس التاسع والثلاثون:من( فيه مسائل:الأولى تفسير قوله إنك لا تهدي من أحببت ... وهو صلى الله عليه وسلم المبلغ عن الله وحيه الذي اهتدى به الخلق ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح الشيخ ابن عبد الوهاب للآية الكريمة 'إنك لا تهدي من أحببت' وأهميتها في فهم الشفاعة وعدم التعلق بغير الله. النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك هداية أحد ولا ينفع أحدًا بذاته.
الجهل الحقيقي هو جهل العمل والعناد، بينما يجهل عباد القبور معنى "لا إله إلا الله". الإسلام والإيمان والتوحيد لها أركان وشروط يجب فهمها وتطبيقها.
تعظيم الأسلاف يمكن أن يكون سببًا للضلال كما في قصة أبو طالب. يجب عدم معارضة الحق بالأعراف والأسلاف، والشبهة التي يستخدمها المبطلون هي الادعاء بأن اتباع الحق يعني الخروج عن ملة الآباء.
الرسل والأنبياء هم واسطة في تبليغ الرسالة وليس في عبادة الله. اتخاذهم واسطة في العبادة يعتبر شركًا أكبر ويتعارض مع خصائص الرب سبحانه وتعالى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: قال فيه مسائل: الأولى: تفسير ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ يعني أن من تفسيرها أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك هداية التوفيق لأقرب الناس إليه، وهو أو من أقرب الناس إليه، وعمه أبو طالب، فإذا كان كذلك فأمر الشفاعة من باب أولى. وهذا هو الذي لأجله أورد هذا الباب، رحمه الله، لأجل أن لا يتعلق عباد القبور بشيء من هذا المعنى، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك لأحد نفعًا ولا ضرًا. وقد تقدم معنا في الباب الذي قبله، باب الشفاعة، كيف أن الله عز وجل أخبر في قوله سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ هذه الآية التي كما قال ابن القيم قطعت عروق وشجرة الشرك من القلوب، لأن المشرك الذي يشرك بالله حين يرجو حصول النافع، دفع الضر، لا يكون تعلقه إلا بوجود خصلة من أربع خصال: إما أن يظن أن هذا الذي تعلق به مالك، وإما أن يظن أنه شريك في الملك، وإما أن يظن أنه معين وظهير، وإما أن يظن أنه شفيع. فالآية نفت هذه الخصال الأربع نفيًا تدريجيًا، ولم تبق إلا شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، لم تبق إلا شفاعة لا نصيب فيها لمشرك. فإذا كان كذلك، علما أنه لا يطلب إلا من الله سبحانه وتعالى، ففعل المشركين من دعاء الأنبياء والصالحين والتعلق بهم هو من أعظم الشرك، وهم لا يشفعون لمن أشرك. فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك لأقرب الناس إليه نفعًا ولا ضرًا لأجل شركه، فمن دون عمه، من هم أبعد من باب أولى، من دون عم، من هم أبعد من باب أولى. فكيف إذا كان هذا البعيد جمع مع وقوعه في الشرك دعاء فيه شرك؟ يعني أنظر، صار الشر مرتين. عم النبي عليه الصلاة والسلام لم يدعُ النبي عليه الصلاة والسلام أراد النبي أن يشفع له، وهو عنده شرك، فما قبلت شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم فيه، ولا استطاع أن يهديه. فكيف بالبعيد البعيد، من باب أولى أنه لا ينفعه النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه قد رد في حق أقرب الناس إليه، فمن هو أبعد من باب أولى؟ فكيف إذا كان هذا البعيد جمع مع وقوعه في الشرك أنه دعا النبي عليه الصلاة والسلام بفعل الشرك؟ فطلبوا الحوائج من الأنبياء والصالحين، الأحياء والأموات، فيما لا يقدر عليه إلا الله، وفيما هو من خصائص الله، هذا من أعظم الشرك، هذا من أعظم الشرك. فجمع فعل هؤلاء المشركين، عباد القبور، الشرك مرتين: المرة الأولى بفعلهم الشرك، والمرة الثانية بدعائهم دعاء الشرك. وهؤلاء بهذا يحرمون الشفاعة. قال: الثانية: تفسير قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾ للنبي، أي: الآية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ يعني تتمة الآية: ﴿وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ والآية نزلت في حق استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لعمه. فإذا لم يؤذن له بالاستغفار، فكيف بالشفاعة؟ قال: الثالثة، وهي المسألة الكبيرة: تفسير قوله: «لا إله إلا الله»، بخلاف ما عليه من يدعي العلم، لأن «لا إله إلا الله» في الحقيقة تستلزم أعمالًا وأقوالًا، ولهذا لم يقلها أبو طالب. لو كانت كلمة يقولها الإنسان باللسان، ثم بعد ذلك يفعل كحال الكثير من الجهال ممن تربى تربية عباد القبور، لا يصلي، لا يصوم، لا يزكي، لا يفعل شيء من الفرائض، ومع ذلك يفعل ما شاء من المحرمات، ومع ذلك يقع في ما شاء من الشرك، ثم بعد ذلك يقول القائل مدافعًا عن أمثال هؤلاء: هذا يقول «لا إله إلا الله»، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة: «أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟» فيقال: هناك فرق بين من قال «لا إله إلا الله» ولم يتمكن من العمل، فهذا على أصل الإسلام حتى ينظر ماذا بعد «لا إله إلا الله». وأما من قال «لا إله إلا الله» ولم يأت بمقتضاها، ولم يعمل بشروطها، فهذا ما ينتفع بــ«لا إله إلا الله»، لأن «لا إله إلا الله» لها شروط ومقتضيات، فليست «لا إله إلا الله» كلمة تقال باللسان، ثم بعد ذلك لا يتبعها عمل، لا بفعل مأمور، ولا بترك محظور. قال: الرابع: أن أبا جهل ومن معه يعرفون مراد النبي صلى الله عليه وسلم، إذ قال للرجل: «قل لا إله إلا الله»، فقبح الله من أبو جهل أعلم منه بأصل الإسلام. وهو يشير، رحمه الله، إلى عباد القبور في زمانه. فأبو جهل على كفره وشركه، وكان يقال له: أبا الحكم، يدعى بأبي الحكم، فكناه النبي صلى الله عليه وسلم بأبي جهل، لشدة طغيانه وجهله. بل جاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم سماه فرعون هذه الأمة، ولكنها روايات لا تصح. المهم إذا كان هذا على هذا الجهل، والجهل هاهنا ليس من جهل العلم، ولكنه من جهل العمل، وهو العناد والإصرار على أمور الجاهلية. فإذا كان هذا الرجل، أبو جهل المشرك، عرف مراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله لعمه: «قل لا إله إلا الله»، فلذلك أبى، فقال: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» لو كان يعلم أن «لا إله إلا الله» يقول اللسان فقط، ما كان ضره شيئًا، لكن علم أن «لا إله إلا الله» تستلزم أمورًا عظيمة، مقتضيات ولوازم، فلذلك قال له: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» وهؤلاء عباد القبور في زمان المؤلف، وفي زماننا هذا، جهلوا ما علمه أبو جهل. فصار يظن عباد القبور أن من قال «لا إله إلا الله» فإنه ينتفع بها، ولو لم يفعل مأمور، ولم يترك محظور، وهذا غير صحيح. فالإسلام له مباني بني عليها، هي أركانه، والإيمان له أركان، والتوحيد له شروط وأركان. فمن أتى بهذه الأركان والمباني والشروط، فهو المسلم المؤمن الموحد، ومن لم يأت بها، لم ينتفع بــ«لا إله إلا الله». قال: الخامسة: مبالغته صلى الله عليه وسلم في إسلام عمه، وهكذا ينبغي أن يكون كل موحد وسني، أن يجد ويجتهد ويبالغ في إدخال الخير على أهله وقرابته، فإن هذا من الحقوق. قال: السابعة: كونه صلى الله عليه وسلم استغفر له، فلم يغفر له، بل نهي عن ذلك. فإذا كان هذا بحق عمه، ولا يعلم سبب إلا أنه كافر ومشرك، ولهذا قال في الآية: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ هم من المشركين، وهم من أصحاب الجحيم. فما يجوز أن يستغفر لمشرك، ولا لرجل علم أنه من أصحاب الجحيم بفعله وعقيدته. وإذا كان هذا في أقرب الناس إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فمن دونه من باب أولى. قال: السادسة: الرد على من زعم إسلام عبد المطلب، أسلافه. وهذا كذلك من شبهات ومن دعاوى عباد القبور، فهم يزعمون أن القرابة سبب لدخول الجنة، ولو كان القريب من النبي صلى الله عليه وسلم على كفر وشرك. حتى اخترعوا أحاديث موضوعة أو مكذوبة: أنه ما من أحد من أهل بيته يموت كافرًا ومشركًا إلا وعاد الله روحه فأسلم، ثم دخل الجنة. ويقولون: «الله على كل شيء قدير». فيقال: نعم، الله على كل شيء قدير، لكن بالأسباب الشرعية والقدرية الكونية الصحيحة، لا بالأكاذيب ولا بالخيالات. فالله عز وجل قد أخبر في هذه الآيات المذكورة في هذا الباب: أن عم النبي صلى الله عليه وسلم من أصحاب الجحيم. أن نصدقكم أم نصدق كلام الله؟ نصدق كلام الله، ولا نصدقكم. وما تتابعون من خرافات وخيالات وأوهام لا حقائق لها، لا من الشرع ولا من الواقع. وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن أباه في النار. أن نصدقكم أم نصدق النبي صلى الله عليه وسلم؟ وأخبر أن أمه كذلك في النار، استأذن ربه أن يستغفر لها، فلم يؤذن له. أن نصدقكم أم نصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فما يتعلق به هؤلاء عباد القبور، ومن على طريقتهم، من هذه الخرافات والأوهام والخيالات، هو أمر باطل، ترده النصوص الكثيرة. قال: السابعة: كونه صلى الله عليه وسلم استغفر له، فلم يغفر له، بل نهي عن ذلك. وما كان مانع الاستغفار إلا الشرك والكفر، فكذلك لا يجوز أن يستغفر لمشرك. فإذا لم يجوز أن يستغفر له، وهو في الدنيا، فكيف يزعم أنه في الآخرة ينتفع بشفاعة أحد الشافعين؟ فهذا من الكذب على الله وعلى رسوله. إذا كان في الدنيا لا يجوز، اليوم إذا مات إنسان على الكفر، ما جاز لأحد أن يصلي عليه، ولا جاز لأحد أن يقول: «رحمه الله»، لأنه مات على الكفر، ومات على الشرك. فإذا مات على الكفر والشرك، كيف يجوز أن يقال: أنه ينتفع بشفاعة يوم القيامة، وهو قد حرم الاستغفار عليه في الدنيا؟ فمن باب أولى ألا تكون له شفاعة في الآخرة. وفعل المشركين، عباد القبور، في ذلك هو كذلك من جنس فعل المشركين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فلا فرق بين من عبد حجرًا أو عبد قبرًا، فالكل عباد لغير الله سبحانه وتعالى. قال: الثامنة: مضرة أصحاب السوء على الإنسان، وذلك كما مر معنا، فإن ابن أبي أمية وأبا جهل كانا سببًا في الإضرار بأبي طالب، فأضلا بمجالستهما له. وهل معنى هذا أن أحدًا من الناس قد مات، وكان في بقاء حياته أو طولها أمل أن يموت على إسلام؟ الجواب: لا. لأن الله عز وجل أخبرنا: أنه ما من إنسان تقوم عليه الحجة يوم يموت، إلا وقد قامت عليه الحجة، بما لا يكون له الحجة يوم القيامة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾. فالحقيقة أن من مات على كفر، بعد إقامة الحجة عليه، فليس له عند الله عز وجل حجة. ولذلك حكى لنا ربنا جل وعلا من قصص الأخلاء والأصحاب، وغير ذلك مما يكون فيه إضلال بعضهم لبعض، وما يكون يوم القيامة من تبرؤ بعضهم لبعض، وذلك لا ينفعهم يوم القيامة. يعني ما أحد يستطيع يقول: لو له لأسلمت، ولولا كذا لكنت. كل هذا لا ينفع، لأن الحجة قد قامت في الدنيا. قال: التاسعة: مضرة تعظيم الأسلاف والأكابر، فإن هذا كذلك مما ضر أبا طالب، فإنهم قالوا له: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» هذا مثل ما يقول عباد القبور اليوم. هؤلاء يأتون بدين جديد، ما كان عليه آباؤنا ولا أجدادنا. ومثل ما قول بعضهم كذلك: ما عرفنا هذا في مذهب مشايخنا. لا يجوز أن يعارض الحق بالأعراف والأسلاف، وما وجد عليه الآباء، بل حتى المشايخ، لأن الحق يعرف بدليله وبرهانه. وهذا الذي حكاه الله عن المشركين قديمًا، وهو كذلك حديثًا. إن وجدنا آبانا على أمة، وإن على آثارهم مقتدون. وفي الآية الأخرى: ﴿وَإِنَّ عَلَى آثَارِهِمْ لَمُهْتَدُونَ﴾. قال: العاشرة: الشبهة للمبطلين في ذلك، لاستدلال أبي جهل بذلك. يعني شبهة المبطلين هي هذه، وإن كان ليس باللفظ، لكنه بالمعنى. قال أبو جهل وابن أبي أمية: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» وكرر عليه ذلك، فأبى إلا أن يموت أنه على ملة عبد المطلب. سبحان الله، آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب. ونفس هذه الشبهة هي التي يرددها عباد القبور في زمن المؤلف، فيأبون إلا أن يكونوا على ما كان عليه الآباء والأجداد، ولا يريدون كما يزعمون الدين الجديد، ثم يسمونه بمسميات، إما «وهابية» وإما كذلك غير ذلك من الألفاظ التي يحاولون بها أن ينفروا الناس عن الحق. فالمعنى واحد، وهو سبب الضل، قال: الحادي عشر: الشاهد لكون الأعمال بالخواتيم، لأنه لو قالها لنفعته، حتى ولو لم يعمل عمل، لأن الأعمال بالخواتيم. فلذلك ينبغي للإنسان أن يحرص على حسن خاتمته، بالمداومة على التوحيد والسنة والطاعة. فإذا لازم التوحيد والسنة والطاعة، رجي له أن يختم له بخير. فالأعمال بالخواتيم، لا يغتر الإنسان بعمل يعمله، ثم لا يستمر عليه، لأن العبرة بخاتمة الإنسان، لا بما كان في أوساط حياته. فالإنسان ينبغي أن يستمر على الخير، ولهذا كان من هدي نبينا عليه الصلاة والسلام: أنه إذا عمل عملًا، كان يداوم عليه، ويكره أن يتركه ويدعه، محافظة على هذا العمل أن يختم له به. وكان يقول عليه الصلاة والسلام: «أحب الأعمال إلى الله ما داوم عليه العبد وإن قل». فليس الشأن كل الشأن أن تعمل العمل الصالح مرة واحدة، ثم تتركه، لكن الشأن كل الشأن أن تعمل العمل الصالح وتستمر عليه، تستمر عليه. فكما أن الأعمال بالخواتيم في ثنايا الأعمال والطاعات، فكذلك في التوحيد. قال: الثاني عشر: التأمل في كبر هذه الشبهة في قلوب الضالين، لأنه في القصة: أنهم لم يجادلوه إلا بها، مع مبالغته صلى الله عليه وسلم وتكريره. فلأجل عظمتها، ووضوحها عندهم، اقتصروا عليها. يعني أن أبا جهل وابن أبي أمية لم يذكروا لأبي طالب شيئًا يصرفوه عن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلا بقولهم: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» وهو في الحقيقة يدل، كما ذكر المؤلف رحمه الله، على كبر هذه الشبهة في قلوب أهل الضلال. وهكذا اليوم، أكبر شيء يقوله من يعارض أهل التوحيد والسنة: ماذا يقولون؟ يقولون: هؤلاء أتوا بشيء جديد، هؤلاء أتوا بشيء لم يكن عليه الآباء والأجداد. فيصير هذا مانعًا لهم من الدخول في الحق. فلو أن الإنسان تأمل هذا المعنى، وجد ما أشار إليه المؤلف رحمه الله: كيف أن هذه الشبهة من أعظم الشبه التي يدخل بها الشيطان على أهل الضلال، الإصرار على الضلال. قال الشارح رحمه الله: باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ قال: وهذا الباب أيضًا نظير الباب الذي قبله، وذلك أنه إذا كان صلى الله عليه وسلم، وهو أفضل الخلق على الإطلاق، وأعظمهم عند الله جاهًا، وأقربهم إليه وسيلة، لا يقدر على هداية من أحب هداية التوفيق، وإنما الهداية كلها بيد الله. فهو الذي تفرد بهداية القلوب، كما تفرد بخلق المخلوقات، فتبين أنه الإله الحق، وهذا من معاني الباب. قال: وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فالمراد بالهداية هنا هداية البيان، وهو صلى الله عليه وسلم المبلغ عن الله وحيه، الذي اهتدى به الخلق. وقد مر معنا الكلام على الهدايتين: هداية التوفيق، وهداية الدلالة والإرشاد والبيان. فالتوفيق هي خاصة بالله سبحانه، والبيان والإرشاد والدلالة هي للأنبياء وأتباع الأنبياء. وبه نعرف الواسطة الصحيحة بين الحق والخلق، فالرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم واسطة في تبليغ الرسالة والدعوة، وليسوا واسطة في عبادة الله سبحانه. فمن اتخذهم واسطة في هذا المعنى، فإنه يقع في الشرك الأكبر، لأن هذا من خصائص الرب سبحانه وتعالى، مع ما في الباب مما تقدم ذكره من مسائل، وأشير إليها في المسائل. إلى هنا، والله تعالى أعلم.