القول السديد في مقاصد التوحيد  71

القول السديد في مقاصد التوحيد 71

الدرس الحادي والسبعون:من( باب قول الله تعالى:إنما ذلكم الله الشيطان يخوف أولياءه ... لقوة إيمانهم وشجاعتهم الشجاعة القلبية وكمال توكلهم ولهذا أتبعه بهذا بهذا الباب ).

تعريف الخوف والخشية في الإسلام

الخوف والخشية نوعان: عبادة وطبيعة، وتعليقه بالله واجب. الخوف العبادي يختلف عن الخوف الطبيعي وقد يؤدي الخوف من المخلوقين إلى الشرك.

الخوف من غير الله وحدوده

الخوف من غير الله قد يكون شركاً أكبر إذا صرف للغير، بينما المؤمن يجب أن يكون قويا بالله ولا يخاف غيره. الخوف الطبيعي له حدود.

أثر الخوف على الإيمان والتوحيد

الخوف نوعان: ينافي التوحيد وقد يفضي إلى الشرك، وطبيعي لا ينافي الإيمان. قوة الإيمان والتوكل تمنع الخوف وتحول المخاوف إلى طمأنينة.

تحذير من الخوف المفضي إلى الشرك

الخوف الطبيعي إذا أدى إلى تقديم طاعة غير الله على طاعة الله قد يصل إلى الشرك الأصغر. كل ما يفضي إلى الشرك الأكبر فهو من الشرك الأصغر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي رحمه الله تعالى في تعليقه على كتاب التوحيد في كتابه المسمى «القول السديد في مقاصد التوحيد»: قال قوله «باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ آية»، قال: هذا الباب عقده المصنف رحمه الله لوجوب تعلق الخوف والخشية بالله وحده، والنهي عن تعلقه بالمخلوقين، وبيان أنه لا يتم التوحيد إلا بذلك. ولابد في هذا الموضع من تفصيل يتضح به الأمر، ويزول الاشتباه. اعلم أن الخوف والخشية تارة يقع عبادة، وتارة يقع طبيعة وعادة، وذلك بحسب أسبابه ومتعلقاته. فإن كان الخوف والخشية خوف تأله وتعبد، وتقرب بذلك الخوف إلى من يخافه، وكان يدعو إلى طاعة باطنة وخوف سري يزجر عن معصية من يخافه، كان تعلقه بالله من أعظم واجبات الإيمان، وتعلقه بغير الله من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله. وبه نعرف أنه لا يلزم أن يكون له أثر ظاهر في قول أو فعل. ففي قوله رحمه الله: «وكان يدعو إلى طاعة باطنة وخوف سري»، يدل أن هذا الخوف قد يكون في القلب. فإن كان خوفا في القلب من المخلوق الضعيف الفقير إلى الله، يقترن بخوفه من الله، فصار يساويه أو يضاهيه، فإنه من الشرك الأكبر. وتقدم معنا في الأبواب المتقدمة كيف أن مثل هذه الأعمال -سواء المحبة أو الخوف أو كذلك الرجاء أو نحوه- تنقسم إلى قسمين: منها ما يكون عاديا، ومنها ما يكون تعبديا. فما كان عن أمر اختيار يظهر أثره على أصحابه، فيكون فيه إيثار النفس، ويكون فيه الإقدام والإحجام، ويكون له كذلك تعلق القلب ورغبته ورهبته، فهذا من العبادة. وما لم يكن كذلك فهو من العادة التي يُعذر صاحبها بها. والناس يتفاوتون في ذلك. وقد يكون بعض مواضع خوف العادة منافي لكمال العبادة، فمثلا خوف الإنسان ممن هو أقوى منه، هذا فطري وطبيعي وعادة. لكن إذا صار هذا الخوف يمنع من طاعة، أو يوقع في معصية، أو يؤثر تعظيما فيقع في قلبه من الإعظام والخوف ما ينافي الخوف من الله سبحانه وتعالى الذي هو أعظم، فعند ذلك صار خوف العادة فيه معنى من معاني خوف العبادة. فقد يصل به إلى معنى الشرك الأصغر، وإن لم يصل به إلى الشرك الأكبر. فتأمل هذا المعنى الدقيق لأجل أن نفرق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر، وبين كذلك الخوف الذي يكون عبادة فيفضي إلى شرك أكبر أو أصغر، وأنه لا يلزم أن يكون له أثر من قول وفعل، فقد يبقى في القلب. قال رحمه الله تعالى: «وتعلقه بغير الله من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله»، لأنه أشرك في هذه العبادة التي هي من أعظم واجبات القلب غير الله مع الله. وربما زاد خوفه من غير الله على خوفه لله. فالمشركون الأولون كان خوفهم من الأصنام والأوتان أعظم من خوفهم من الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك وجد مثله عند بعض المشركين المتأخرين، فصار في قلبهم خوف من غير الله أعظم من خوفهم من الله، من هذه التوابيت والمشاهد والقبابة التي تعبد من دون الله، حتى صار بعض الناس يخوف بسطرة الولي وما كان من معانيه، فينقدح في قلبه خوفا أعظم من خوفه من الله. ربما لا يبيت ليلته إذا صار فيما يظن أنه حصلت له مخالفة لما يحبه الولي، أو تقصير في حق الولي، أو تعدي لحدوده مع هذا الولي. فمثل هذا الخوف هو من خوف العبادة الذي صرف لغير الله، فهو من الشرك. بل يصل بعض هؤلاء حالهم مع هذا الخوف أنه أعظم من خوفه من الله سبحانه وتعالى. وهكذا حال بعض الناس مع الجن وأخبارهم وأحوالهم، ربما يصير خوفه من الجن أعظم من خوفه من الله سبحانه وتعالى. وهذا خطأ، فقد يصل خطأ صاحب هذا الفعل إلى الشرك الأكبر، ليس فقط عند الشرك الأصغر يقف. والواجب أن يكون المؤمن قوي بالله سبحانه وتعالى، وعلمه بعظمة الله سبحانه وتعالى يجعله قويا به، فهو لا يخاف غير الله لعلمه أن الله يتولى من تولاه. ولهذا قال سبحانه: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. قال رحمه الله أيضا: «فمن خشي الله وحده على هذا الوجه فهو مخلص موحد، ومن خشي غيره فقد جعل لله ندا في الخشية، كمن جعل لله ندا في المحبة». وذلك كمن يخشى من صاحب القبر أن يوقع به مكروها أو يغضب عليه فيسلبه نعمة أو نحو ذلك مما هو واقع من عباد القبور. وهذا كثير حتى أنك تجد أن بعض عباد القبور إذا رأوا أن بعض أهل التوحيد أصابه شيء من البلاء، قالوا: إنما هذا بسطوة الولي وغضبه عليه، بسطوة الولي وغضبه عليه. وهم عند ذلك يخافون أن يدخلوا في دعوة التوحيد أو أن يناصروا أهل التوحيد، خشية أن يصيبهم ما أصاب من ظنوا أنه أصيب بغضب الولي عليه. فمثل هذا الإنسان ما يقع في قلبه من خوف -ولو لم يتكلم به بلسانه أو لم يحصل من فعله ما يدل عليه- مجرد وقوع هذا الخوف هو الطاعة الباطنة والخوف السري الذي ينافي التوحيد، قد يفضي به والعياذ بالله إلى الشرك الأكبر إذا صار خوفه من هذا المخلوق أعظم من خوفه من الله، أو مزاحما لخوفه من الله. قال رحمه الله تعالى: «وإن كان الخوف طبيعيا كمن يخشى من عدو أو سبع أو حية أو نحو ذلك مما يخشى ضرره الظاهري، فهذا النوع ليس عبادة، وقد يوجد من كثير من المؤمنين، ولا ينافي الإيمان». وهذا إذا كان خوفا محققا قد انعقدت أسبابه، فليس بمدموم. وإن كان هذا خوفا وهميا كالخوف الذي ليس له سبب أصلاً، أو له سبب ضعيف، فهذا مدموم يدخل صاحبه في وصف الجبناء. وقد تعوذ صلى الله عليه وسلم من الجبن، فهو من الأخلاق الرذيلة. ولهذا كان الإيمان التام والتوكل والشجاعة تدفع هذا النوع، لأنه بعظيم توكله بربه يصير قوياً، فهو يعرف عظمة ربه جل وعلا، وأنه هو سبحانه وتعالى القوي المتين، وأنه على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وأنه سبحانه وتعالى وحده العظيم. فإذا استقر مثل هذه المعاني في قلبه فإنه قوي بربه جل وعلا. قال: «حتى أن خواص المؤمنين وأقويائهم تنقلب المخاوف في حقهم أمنا وطمأنينة لقوة إيمانهم وشجاعتهم الشجاعة القلبية». يعني ولو لم يكونوا أهل خبرة بفن الحرب، ولا كذلك أهل إتقان لدفع مثل هذا البلاء، لأن المسألة مسألة قوة الإيمان. كلما قوي الإيمان قوي اليقين، وحصلت الطمأنينة والشجاعة. ولهذا تجد أن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام -الذين كمل إيمانهم، وهم القدوة في هذا الباب- فهم أكمل الناس شجاعة وطمأنينة ويقينا وثقة بربهم سبحانه وتعالى. وكلما كان العبد أكثر إيمانا وعلما وعملا صالحا، كمل كذلك إيمانه ويقينه، وحصلت له من الطمأنينة ما لا يحصل لغيره. وكما ذكر بترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه كان الملاذ لطلابه وإخوانه عند الشدائد -يعني بعد الله سبحانه وتعالى- لما يرون فيه من قوة اليقين وحصول الطمأنينة وعظيم الثقة بربه جل وعلا، ما يعلمون أنه يستطيع أن يدخل عليهم معنى تلك الطمأنينة ومعنى تلك الثقة وذاك اليقين. وهذا يدلنا على ما أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى. قال رحمه الله: «قال: حتى أن خواص المؤمنين وأقويائهم تنقلب المخاوف في حقهم أمنا وطمأنينة لقوة إيمان وشجاعتهم الشجاعة القلبية». وكما لتوكلهم. ولهذا أتبعه بهذا الباب -يعني باب التوكل- كما سيأتي معنا إن شاء الله في الدرس اللاحق. ولا ننسى أن ننتبه أن هذا الخوف الطبيعي العادي إذا عارضه ما ينبغي أن يكون من الخوف من الله، فقدم طاعة غيره عليه، فإنه قد يصل به -على ما تقدم من معنى وضابط الشرك الأصغر- قد يصل به إلى الشرك الأصغر. فكل ما يفضي إلى الشرك الأكبر ويوصل إليه فهو من الشرك الأصغر، فهو من الشرك الأصغر. وبهذا والله تعالى أعلم.