مفيد المستفيد 8

مفيد المستفيد 8

الدرس في مفيد المستفيد 8، الدرس الثامن:من( فتأمل أول الكلام وآخره وتأمل كلامه فيمن دعا نبيا ... ومن له بصيره وقلب حي يرى ذلك عيانا فالله المستعان ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في تكفير تارك التوحيد وشرح معنى الشرك

يناقش كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب حول تكفير من يشرك بالله، ويشرح معنى الشرك الأكبر والأصغر. يبين أن المشركين يحبون آلهتهم أكثر من حبهم لله ويغضبون لمنتقصيها أكثر من غضبهم لمن ينتقص الله.

التعلق بالآلهة المعبودة من دون الله وخطورة الشفاعة المزعومة

يتناول تفاصيل التعلق بالآلهة المعبودة من دون الله وكيف يلجأ إليهم الناس في الشدائد. يبين أن هذا الفعل هو شرك بالله ويشبه عبادة الأصنام في الجاهلية، ويشرح مفهوم الشفاعة الصحيح وفق الشروط الشرعية.

التحذير من الشرك وأهمية فهم القرآن وتدبره

يتناول التحذير من الشرك وأهمية فهم القرآن وتدبره. يبين أن الشرك المحذر في كتاب الله وسنة رسوله لا يقتصر على أمة بادت وانتهت، بل له وارث في كل زمان.

وجود الشرك والكفر في المنتسبين إلى الإسلام وأهمية البصيرة

يشير إلى وجود معنى حق لوقوع بعض المنتسبين إلى الإسلام في الشرك والكفر، ويبين أهمية البصيرة في التعرف على هؤلاء الأشخاص. يختم بالتأكيد على علم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه «مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد». قال رحمه الله: «فتأول أول الكلام وآخره، وتأمل كلامه فيمن دعا نبيًا أو وليًا»؛ يعني تأمل كلام شيخ الإسلام مع ما نسبه إليه أولئك المبطلون من أهل الباطل من أنه لا يكفر أحدًا بتعيين. قال: «فتأمل أول الكلام وآخره، وتأمل كلامه فيمن دعا نبيًا أو وليًا، مثل أن يقول: يا سيدي فلان، أغثني، ونحوه، أنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل»، هل يكون هذا إلا في المعين؟ والله المستعان. يعني إذا كان هذا كلام شيخ الإسلام، فكيف يقال: إن شيخ الإسلام لا يكفر معينًا؟ بل شيخ الإسلام يكفر ويأمر بقتله إذا أصر على الشرك، كسائر من فعل ما يوجب الردة؛ فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. قال: «وتأمل كلامه في اللات والعزة ومنات وما ذكر بعده، يتبين لك الأمر إن شاء الله تعالى»؛ يعني لما ذكر اللات والعزة ومنات، وذكر بعده كذلك عبادة من يعبد الصالحين، فيمن غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه من معاني الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان، انصرني، أو أغنني، أو ارزقني، أو اجبرني، أو نحو ذلك مما ذكره رحمه الله، فتعلم بهذا أن شيخ الإسلام هو في الحقيقة ممن دعا إلى التوحيد، وحذر من الشرك، وممن قال بكفر فاعل الشرك إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع. قال رحمه الله: قال ابن القيم، رحمه الله تعالى، في شرح المنازل في باب التوبة -يعني بكتابه «مدارج السالكين» في منازل أي منازل الناس في أهل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾- قال: «وأما الشرك فهو نوعان: أكبر وأصغر، فالأكبر لا يغفره الله تعالى إلا بالتوبة منه، وهو أن يتخذ من دون الله ندًا يحبه كما يحب الله، بل أكثرهم يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله، ويغضبون لمنتقص معبودهم من المشايخ أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد رب العالمين، وقد شاهدنا هذا وغيرنا منهم جهرة»؛ يعني أمرًا شهد به القريب والبعيد والعامة والخاصة. فتجد مثلًا: يسب الرب سبحانه وتعالى، ويسب دينه، ولا يُحرك بعض عباد القبور ساكنًا، لكن إذا انتقص العيد الروس، أو المحضار، أو ابن علوان، قامت الدنيا ولم تقعد، وربما حكموا على فاعل ذلك بأنه مرتد، وأنه من إخواني اليهود والنصارى وأعداء الدين الملحدين، وغير ذلك من التهم العظام، كل واحد أكبر من الأخرى. ما أنك لو تأملت ماذا قال هذا الموحد؟ ما تجد أنه سب؛ ليس فيه السب الذي سب فيه الرب. ربما بعض من لا دين عنده يسب السب الصريح لله رب العالمين، أو لرسوله عليه الصلاة والسلام، بما يكون كفرًا والعياذ بالله، وهذا السب الصريح لا شك أنه سب، وقد نقل العلماء الإجماع في كفر من سب الله، فكيف يعني إذا علم، وقامت عليه الحجة، وتوفرت الشروط، وانتفت الموانع؟ والغالب أن مثل هذا تتوفر فيه الشروط وتنتفي الموانع؛ لأنه مما هو معلوم من الدين بالضرورة، هذا هو الغالب، إلا القليل النادر الذي قد يقع، سبق لسان لمن هو حديث عهد بإسلام، أو نحو ذلك. فالشاهد: أن الموحد ربما ما يسب هؤلاء الذين يعبدون من دون الله، إنما قد يقول: اتقوا الله، لا تعبدوا هؤلاء، إنما هم بشر، هم فقراء إلى الله، لا يجوز أن يسووا برب العالمين. فماذا يقولون؟ يقولون: هذا يطعن في الأولياء، وهذا يسب الأولياء. ما هو نوع السب الذي سب الأولياء؟ ما يأتون به السب. المهم: يسب الأولياء؛ لأنه يدعو إلى التوحيد ويحذر من الشرك. سموه سبًا، وكفروه، وربما استحلوا دمه وعرضه وماله، كما فعل بعضهم في بعض بلاد المسلمين، استحلوا دماء أهل التوحيد قديمًا وحديثًا، وهذا أمر عظيم. قال رحمه الله تعالى: «وهذا كلام ابن القيم»، الآن قال: «بل أكثرهم يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، وقال: «ويغضبون لمنتقص معبودهم من المشايخ أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد رب العالمين، وقد شاهدنا هذا وغيرنا منهم جهرة». وترى أحدهم قد اتخذ ذكر معبوده على لسانه إن قام وإن قعد، وإن عثر وإن استوحش، وهو لا ينكر ذلك؛ يعني صار ذكر معبوده من الذي يشرك به المخلوق أعظم من ذكر الله سبحانه وتعالى. إذا ذبح ذكر معبوده -إن كان ابن علوان، أو المحضار، أو العيدروس، أو فلان، أو فلان، أو فلان- بحسب من يعبده من دون الله، إن كان في بلاد العراق، أو في بعض بلاد أفريقيا، قال: الجيلاني، أو الشافعي، أو السيدة زينب، أو كذا وكذا. وإن كان في بعض أهل الجزيرة ربما ذكر ابن علوان، أو العباس، أو كذلك المحضار، أو غير ذلك، أو العيدروس، أو الحداد، ونحوه مما يعبد من دون الله. قال: «فيذكره في لسانه إن قام وإن قعد، إن قام وإن قعد، بل بعضهم ربما يتخذ الصبر من زيادة تعلق القلب والحب الشركي»، تجد في جيبه صورة، وفي غرفة نومه صورة لهذا الذي تعلق قلبه به أعظم من تعلقه بالله، وفي كل مكان يذهب ويرجع معه صورة لهذا الذي يعلق قلبه به. وإن عثر أو استوحش، فهو يذكر ابن علوان، أو يذكر المحضار، أو العيدروس، أو غير ذلك مما يعبد من دون الله. عثر؛ يعني تعثر في مشيه في ليلة وفي نهار. استوحش؛ خافة في خلوة في ليلة ونهار. فإنه بدل من أن يذكر الرب سبحانه وتعالى وحده، يذكر هؤلاء المخلوقين الفقراء إلى الله. قال: «ويزعم أنه باب حاجته إلى الله وشفيعه عنده». وهكذا كان عباد الأصنام سواء؛ ما في فرق. عباد الأصنام كانوا يذكرون اللات والعزى كما قال أبو سفيان يوم أحد: «لنا العزى ولا عزى لكم». ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: «أجيبوه». قالوا: ماذا نقول يا رسول الله؟ «قولوا: الله ربنا». أمرهم أن يقولوا: «الله ربنا»؛ توحيد الله عز وجل. وهؤلاء يقولون اليوم كذلك: «ابن علوان، يا عيدروس، يا محضار»، ونحو ذلك. قال: «وهكذا كان عباد الأصنام سواء، وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم؛ فليس العبرة بمسمى الآلهة الكثير المعبودة من دون الله، ولكن العبرة بعبادة غير الله أيا كان هذا المعبود: صنمًا أو حجرًا أو شجرًا أو ملكًا مقربًا أو نبيًا مرسلًا أو صالحًا من الصالحين أو من كان من شياطين الجن أو الإنس». قال رحمه الله: «فأولئك كانت آلهتهم من الحجر، وغيرهم اتخذوها من البشر، وهؤلاء الغير إذا وجد أمثالهم في أهل الكتاب وبعض ضلال الأمم الأخرى، فلا مانع أن يكون أمثالهم من الضلال المشركين ممن ينتسب إلى الإسلام؛ فليس الإسلام بمانع من الشرك، بل الشرك مبطل للإسلام». فرق بين المسألتين: إذا وجد الإسلام وجد معه الشرك، ليس الإسلام يمحي الشرك، بل الشرك هو الذي يمحي الإسلام؛ لأن الله قال: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ولهذا كانت كلمة هذا الدين العظيم كلمة التوحيد، وأصل الإيمان والإسلام هو نفي وإثبات: «لا إله إلا الله». ما يكفي أن يثبت أن الله هو الله حتى ينفي أن ما سوى الله ليس هو الله. ربوبية وألوهية وأسماء وصفات يثبت ذلك لله عز وجل وحده. فإن أثبت الاثنين لم يقبل منه، وإن نفى واحد لم يقبل منه، حتى يثبت وينفي، يكون عنده إثبات ونفي، تحلية وتخلية، توحيد ونفي للشرك. قال رحمه الله تعالى: قال تعالى حاكيًا عن أسلاف هؤلاء: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ الآية. قال: «فهذا حال من اتخذ من دون الله أولياء يزعم أنه يقربه إلى الله تعالى، وما أعز من يتخلص من هذا، بل ما أعز من لا يعادي من أنكره، والذي قام بقلوب هؤلاء المشركين وسلفهم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، وهذا عين الشرك». ولهذا الله عز وجل نفى شفاعة وأثبت شفاعة؛ فالشفاعة المنفية هي شفاعة المشركين المزعومة، إذ زعموا أن آلهتهم تشفع لهم على الله، وهذا باطل. ولهذا نفى ربنا جل وعلا هذا النوع من الشفاعة، وهي شفاعة المشركين التي تخلفت فيها شروط الشفاعة. وأما الشفاعة المثبتة فهي الشفاعة التي توفرت فيها شروط الشفاعة. وشروط الشفاعة كم هي؟ ها شروط الشفاعة؟ ها عائد: الرضا عن الشافع، والإذن بالشفاعة، والرضا عن المشفوع؛ ثلاثة شروط. قال رحمه الله تعالى: «وهذا عين الشرك، وقد أنكر الله عليهم ذلك بكتابه وأبطله، كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وقال: ﴿وَلِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَى﴾، ونحوها من الآيات». قال: «وأخبر أن الشفاعة كلها له». ثم ذكر الشيخ رحمه الله فصلًا طويلًا. من يريد بالشيخ؟ ابن القيم. قال: في تقرير هذا الشرك الأكبر؛ يعني تقريره بمعنى التحذير منه. قال: «ولكن تأمل قوله: ﴿وَمَا أَعَزَّ مَنْ يَتَخَلَّصُ مِنْ هَذَا بَلْ مَا أَعَزَّ مَنْ لَا يُعَادِي مَنْ أَنْكَرَهُ﴾، ومعنى ما أعز؛ يعني ما أقل من العزة، أي القلة». قال: «يتبين لك بطلان الشبهة التي أدلى بها الملحد، وزعم أن كلام الشيخ في الفصل الثاني يدل عليها، وسيأتي تقريره إن شاء الله تعالى». فتبين بهذا أن الشيخين: شيخ الإسلام، تلميذه ابن القيم، ممن يقررون ما يقرره أهل التوحيد؛ أي ممن بعدهم كشيخ الإسلام محمد عبد الوهاب رحمه الله، ومن بعدهم، وهو دين النبي عليه الصلاة والسلام، والأنبياء قبله: الدعوة إلى التوحيد، والتحذير من الشرك، والتخويف من آثار الشرك، لا فرق بين الشرك بنبي أو بصالح من الصالحين، فضلًا عن حجر أو شجر. قال: «وذكر في آخر هذا الفصل -عن الفصل الأول في الشرك الأكبر- الآية التي في سورة سبأ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾؛ يعني الآية: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾». قال: «وتكلم عليها -أي شرحها وبين معناها- فالآية فيها دلالة ظاهرة بيّنة واضحة في التحذير من الشرك وأهله، وأن المشرك لا يزداد بشركه إلا من الله بعدًا، وكذلك لا يزداد بذلك إلا عدم وجود الظهير والمعاون، وحرمان الشفاعة، لا إثبات الشفاعة». قال: «ثم قال: والقرآن مملوء من أمثالها»؛ يعني من الآيات الدالة على هذا المعنى العظيم. قال: «ولكن أكثر الناس لا يشعر بدخول الواقع تحته، ويظنه في قوم قد خلوا ولم يعقبوا وارثًا». وهذه هي المصيبة: أن الكثير من الناس يظن أن الشرك المحذر في كتاب الله منه، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو في أمة بادت وانتهت، لا يوجد بعدهم أمة هم على طريقتهم. ولهذا تجد بعض الناس يقولون: «أنتم تجعلوننا مثل الكفار، تجعلوننا مثل أهل الجاهلية»، ونحو ذلك. والجواب: إذا كنتم تفعلون فعل الكفار، وفعل أهل الجاهلية، وفعل أهل الشرك، فأنتم مثلهم. وهذه هي الحقيقة. كما أن أهل المعاصي لهم وارث، فأهل الشرك لهم وارث. إذا كان الزاني والزانية له وارث، والسارق له وارث، لا فرق بين السارق في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، والسارق في هذا الزمن، والزاني في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، والزاني بهذا الزمن. وهكذا المشرك: لا فرق بين المشرك في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، والمشرك في هذا الزمن؛ فلكل صاحب ضلال وارث يرثه. فإن أهل الضلال لهم ورثة، وأهل الحق لهم ورثة. قال رحمه الله: «ولكن أكثر الناس لا يشعر بدخول الواقع تحته، ويظنه في قوم قد خلوا ولم يعقبوا وارثًا»؛ يعني لم يتركوا بعدهم أحدًا يرثهم. وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن؛ هذه هي المصيبة التي تمنع من فهم القرآن. قال: «كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ بالإسلام من لا يعرف الجاهلية"». والمراد: لا يعرف الجاهلية؛ يعني حقيقتها حتى يحذر منها. قال: «وهذا لأنه إذا لم يعرف الشرك، وما عابه القرآن، ودمه، ووقع فيه، وأقره، وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية، فتنتقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، والبدعة سنة، والسنة بدعة، ويكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد»؛ يعني الموحد يصير كافرًا، والكافر والمشرك يصير موحدًا؛ لأنه ما عرف التوحيد، ولا عرف الشرك. فلذلك تلتبس على هؤلاء الأمور وتختلف، خصوصًا إذا صار يقارن الحق بالكثرة، وبما عليه أهل المجتمع. وهذه مصيبة أخرى: أنه لا يفهم القرآن، ولا يتدبره، ولا يتأمل: أن لأهل الباطل وارث كما أن لأهل الحق وارث. وزيادة على ذلك: يغتر بالكثرة، وبواقع ما يعيشه في مجتمعه، فيصير دينه دين الناس: إن أحسنوا أحسن، وإن أساءوا أساء. قال: «ويبدع بتجريد متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومفارقة الأهواء والبدع»؛ يعني صار المبتدع عند هؤلاء الذين لا فهم لهم للقرآن، ويغترون بالكثرة، يصير المبتدع الذي يجرد نفسه في متابعة النبي عليه الصلاة والسلام، وترك البدع والأهواء، هذا مبتدع عندهم، أتى بدين جديد. وربما قالوا كذلك: «إنه هابي»، وربما قالوا: «إنه تكفيري»، ونحو ذلك. نعم، يوجد في المجتمع من يكفر بغير حق. أما من دعي للتوحيد، وحذر من الشرك، ولو قال: «إن الشرك يكفر صاحبه»، فهذا تكفير بحق. وما كلمة التوحيد إلا عبارة عن إثبات توحيد لقوم، وإثبات شرك لقوم آخرين، إثبات إيمان لقوم، وإثبات كفر لقوم آخرين. من يزعم أنه ليس الإسلام يحذر من الكفر، فهو في الحقيقة ما عرف دعوة الإسلام. لكن الإسلام يحذر من الكفر الذي هو حق كفر؛ ليس ما عليه أهل الباطل من الخوارج قديمًا وحديثًا، الذين يكفرون بالمعاصي، أو الذين يكفرون بالهوى والحزبية والدعوة العصبية؛ لا، فإن هذا لا يجوز، وهذا من دعوة أهل الأهواء. أما من توفرت فيه شروط التكفير، فإنه كافر: توفرت الشروط، وانتفت الموانع، وهو كافر. وإلا من المرتد الذي حذر منه ربنا جل وعلا في كتابه، ونبينا عليه الصلاة والسلام في سنته؟ هل هذا له وجود، ولا ليس له وجود؟ الجواب: لا، له وجود. فإذا كان له وجود، إذن يوجد معنى حق في معنى وقوع من ينتسب إلى الإسلام إلى شيء من الشرك والكفر. قال: «ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانًا». والله المستعان: أهل البصيرة والقلوب الحية يبصرون ذلك، ويعرفون من هؤلاء الذين لهم هذه الصفات. والله تعالى أعلم.