مفيد المستفيد 23

مفيد المستفيد 23

الدرس في مفيد المستفيد 23، الدرس الثالث والعشرون:من( وقال ابن وضاح في كتاب البدع والحوادث بعد حديث ذكره ... والبلاغ عن رسول الله رحمة يعتصم بها على مصر ملحد ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

بيان أنواع الفتن والضلالات

يتناول هذا الفصل شرح كلام شيخ الإسلام حول الفتن والضلالات وتصنيفها إلى كفر وردة وضلال، مع توضيح الأحكام الشرعية لكل نوع. كما يبين الفرق بين الفتنة التي تحل فيها الأموال والدماء وتلك التي لا تحل فيها.

أحكام قتال أهل البدع والفتن

يشرح هذا الفصل حكم التعامل مع أهل البدع والأهواء، ويبين أنهم إذا كانوا مسلمين فلا تسبى ذراريهم ولا تأخذ أموالهم، وأن القتل يكون فقط إذا لم يندفع شرهم إلا بذلك. كما يبين تدرج المؤلف في التعامل مع مخالفيه.

التحذير من أهل البدع ومراعاة الحكمة

يناقش هذا الفصل أهمية التحذير من أهل البدع ومدى تأثير ذلك على المجتمع والأفراد، مع التفريق بين من يجاهر ببدعته ومن يستتر بها. كما يشير إلى أن التحذير من المجاهر بالبدعة يعد واجبًا مع ضرورة مراعاة الحكمة في التعامل مع المستترين ببدعتهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه «مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد»: قال وقال ابن وضاح في كتاب «البدع والحوادث» بعد حديث ذكره: «أنه سيقع في هذه الأمة فتنة الكفر وفتنة الضلالة»، الله أعلم ما هو هذا الحديث الذي يشير إليه، ينظر إن شاء الله. قال رحمه الله: «أن فتنة الكفر هي الردة، يحل فيها السبي والأموال، وفتنة الضلالة لا يحل فيها السبي والأموال». لعله وهذا الذي نحن فيه فتنة ضلالة لا يحل فيها السبي ولا الأموال. يريد رحمه الله تعالى أن الفتن والضلالات درجات، فمنها ما هو كفر، وما كان كفرا وأقيمت الحج فيه، فإنه يحل بذلك دم المقاتل، وهكذا ماله، ويسبى ولده وزوجه؛ لأنه وقع في فتنة كفر. ومن هؤلاء أهل الردة. ومن الفتن والضلالات فتن وضلالات لا يجوز فيها استحلال دماء ولا أموال، ولا كذلك ذرية. ومن ذلك ما قد يقع بين أهل الإسلام، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، أمر الله عز وجل بالإصلاح، ومع ذلك قال: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾. مقاتلة ليس المقصود منها القتل، ولكن المقصود منها دفع الشر؛ لأن هذه باغية بغت على الأخرى. فينبغي لولاة الأمور وللمسلمين عموما أن يقفوا معهم لإيقاف الظالم عند حده. فإن لم يندفع ظلمه إلا بالقتل قتل، فإن اندفع ظلمه بغير القتل لم يقتل، لا يجوز أن يقتل، بل يتبع في ذلك الأخف ثم الأشد. ومنها كذلك البغاة الذين يخرجون على المسلمين، يدفع شرهم بالأخف ثم الأشد. ومنهم كذلك بعض المعتدين أفرادا وجماعات كقطاع الطرق واللصوص، ومن كان بمعنى هؤلاء، فهم أهل فتنة وأهل ضلال، لكن ما يبتدأ معهم بالقتل مباشرة، الأخف ثم الأشد. فإن كان أحد منهم قتل قتل، كان أحد منهم سرق قطع، وهكذا. إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض، بحسب جريمته يكون العقاب. وهكذا أهل البدع والأهواء من أهل الفتن الكلامية، أو إذا انتقل إلى فتن كذلك بالسيف والسنان، مثل الخوارج وبعض الرافضة الذين يخرجون على المسلمين، فهؤلاء يدفع شرهم بالأخف ثم الأشد، فإن اضطر الأمر إلى قتلهم قتلوا؛ لدفع شرهم مع الاتقاء والحرص على عدم القتل والابتداء بالأخف. لكن ما يسبى أموال هؤلاء، لا تسبى ذراري، ولا تأخذ أموال؛ لأنهم من المسلمين؛ لأنهم من المسلمين. فهذا معنى كلامه رحمه الله: أن الفتنة فتنتان: فتنة ضلالة، وأخرى فتنة كفر. ثم بيّن رحمه الله أن ما هم فيه -أي من خلاف ما- عباد القبور في زمانه، ومن يدافع عنهم هي فتنة ضلالة. وهذا يدل أن المؤلف رحمه الله تدرج مع مخالفه، وأن هذه الرسالة كانت من أوائل رسائله مع مخالفيه من عباد القبور ومناصريهم، فهو لم يكفرهم جميعا أولا، ولم يستحل دماءهم كذلك وأموالهم كما يتهم الشيخ رحمه الله. فهذا من عباراتي الصريحة: أن ما هو فيه مع مخالفيه هو من فتنة الضلالة التي لا يحل فيها السبي ولا الأموال. طيب القتل لم يستثن القتل؟ الجواب: أن القتل إذا لم يندفع شرهم إلا بذلك، فإنه يكون القتل كما مر معنا في قتال الخوارج وقطاع الطرق ومن كان بمعنى هؤلاء، الذين لا يندفع شرهم إلا بذلك، حتى الباغي والظالم كما قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾، فكذلك يقال في حق هؤلاء. وهذا يفيدنا ثلاثة أمور: أولا أن المؤلف رحمه الله يقول بالتفصيل فيمن فعل الكفر، فليس كل فاعل للكفر كافر. وهذا يتضمن أن المؤلف رحمه الله يُعذر بالجهل ولو كان في مسائل العقيدة. وهذا هو الصحيح الذي دلت عليه الأدلة الكتاب والسنة، وهو قول المحققين، بل وجميع العلماء المعتبرين قديما وحديثا، ومنهم هذا الإمام. وثالثا: أنه رحمه الله كذلك كان يتدرج ويفصل ويفرق في حال مخالفيه على ما سبقت الإشارة إليه. قال رحمه الله تعالى: وقال رحمه الله أيضا: «أخبرنا أسد قال: أخبرنا رجل عن ابن المبارك قال: قال ابن مسعود» -وهذا إسناد كما ترون منقطع من مواضع- قال: «أن الله عند كل بدعة كيد بها الإسلام وليا من أولياء يذب عنه وينطق بعلامتها، فاغتنموا حضور تلك المواطن وتوكلوا على الله، وكفى بالله وكيلا». والمعنى: أن الله يسخر لكل بدعة تقع من يدفعها ويدافع عن دينه، وسواء الدفاع بالسيف والسنان إذا احتيج إلى ذلك، أو بالحجة والبرهان، وهذا هو الغالب. والمقصود أنه ينبغي أن ينصر أصحاب الحق. قال: ثم ذكر بإسنادي عن بعض السلف قال: «لئن أرد رجلا عن رأي سيئ أحب إلي من اعتكاف شهر؛ لأن الاعتكاف عبادة غير متعدية، ورد المبتدع عن بدعته عبادة يتقرب بها إلى الله وهي متعدية». والعبادة المتعدية أفضل من العبادة التي لا تتعدى، ولهذا صار العلم بنصوص الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة والعلماء أفضل من سائر العبادات -أي نوافلها-. قال: «أخبرنا أسد عن أبي إسحاق الحد عن الأوزاعي قال: كان بعض أهل العلم يقولون: لا يقبل الله من ذي بدعة صلاة ولا صدقة ولا صيام ولا جهادا ولا حجا ولا صرفا ولا عدلا». وكانت أسلافكم تشتد عليهم ألسنتهم وتشمئز منهم قلوبهم ويحذرون الناس بدعتهم. وجاء معنى هذا بحديث أنس المشهور: «إن الله حجب التوبة عن صاحب البدعة حتى يرجع عن بدعته»، فإذا حجبت التوبة فكذلك الطاعات. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». أعماله مردودة. ويأتي ناس إلى حوضه عليه الصلاة والسلام، يعرفهم بأشخاصهم، وآخرون بعلامات الإسلام عليهم، وتطردهم الملائكة. فيقول أصحاب: أصحابي! لمن عرفهم بأشخاصهم. ويقول: أمة أمة! لمن عرفهم بصفتهم. فتقول له الملائكة: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم غيروا وبدلوا. فيقول عليه الصلاة والسلام: «سحقا سحقا لمن غير وبدل». قال رحمه الله: «ولو كانوا مستترين ببدعتهم دون الناس» -يعني يريد أن يشير رحمه الله أن هذه الآثار تحثنا على التحذير من البدع وأهلها- وقد مر معنا أن هذا هو الأصل، وأن هذا التحذير فيه فوائد. من هذه الفوائد: أنه يحمي المجتمع من شرهم. ومن هذه الفوائد: أنه يردع هذا المبتدع عن بدعته، ويكون معينا له أن يتوب. ومن هذه الفوائد: أن يأمن المرء على نفسه بعدم مخالطتهم؛ فالقلوب ضعيفة والشبه خطافة. قال رحمه الله: «ولو كانوا مستترين ببدعتهم دون الناس، ما كان لأحد أن يهتك سترا عليهم، ولا يظهر منهم عورة. الله أولى بالأخذ بها وبالتوبة عليها. فأما إذا جاهر، فنشر العلم حياة. والبلاغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتصم بها. على مصر ملحد أو يعتصم بها». والمعنى: أنه ينبغي نفرق بين المجاهر وغير المجاهر. فالمجاهر بالبدعة ينبغي أن يحذر منه، هذا هو الأصل كما تقدم. ويستثنى من هذا الأصل أشياء كما مر معنا في دروس سابقة؛ فلكل مقام مقال، ولكل حال فتوى. فالأصل هو هذا، هذا لمن جاهر. وأما من استتر ولم نعلم بحاله، نحذره لكن لا نعين الشيطان عليه، ولا نعين الشيطان به؛ لأنك لو تحرشت بالمستتر ربما صار ماذا؟ يجهر بدعته. فإذا جهر بدعته، هل هذا أشر على المجتمع أم ستر هذه البدعة؟ الثاني: ستر البدعة أخف على المجتمع، كونه مستترا، خلاص أمره إلى الله، لا يدعو ولا ينادي ولا يجلس جلسات خاصة ولا عامة مع الناس، خلاص هذا مستتر أمره إلى الله. ونحن نحذر منه ونتابعه ننظر. قال: ثم روى بإسناده قال: «جاء رجل إلى حذيفة وأبو موسى الأشعري قاعد». طيب، نتفي بهذا ونترك هذا الباقي إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.