مفيد المستفيد 2

مفيد المستفيد 2

الدرس في مفيد المستفيد 2، الدرس الثاني:من( فمما فيه من الاعتبار أن هذا الأعرابي ... فإن تمت وإلا أكملت من المنافقين.قال الترمذي:حسن صحيح ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية الفهم والحرص على تعلم الدين

يشرح الشيخ ابن بريك أهمية الحرص على تعلم الدين واستقامة القلب، ويبين أن عدم الفهم عند الناس هو بسبب الإعراض عن تعلم الدين. يُفسر قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ بأنه لو علم الله فيهم خيرًا لأفهمهم.

وجوب الاستجابة للحق وعدم الإعراض

ينبغي على المسلم أن ينظر في العلم الذي يبلغه ويتدبره، فإن كان حقا وجب عليه الاستجابة. من أعرض عن الحق عوقب، بينما من لم يبلغه الحق فهو معدور، ويجب عليه أن يتبع الحق.

قتال من ترك التوحيد ومقارنته بقتال مانعي الزكاة

يشرح المقطع موقف أبي بكر الصديق من مانعي الزكاة ويقارنه بموقف الإمام محمد بن عبد الوهاب من دعوة التوحيد. قتال من ترك التوحيد واجب إذا لم يقبل الدعوة، مع التأكيد على أهمية فهم المراد من التوحيد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه «مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد»: قال: فمما فيه من الاعتبار -يعني في هذه القصة، قصة عمر بن عبسة- قال: «أن هذا الأعرابي الجاهل لما ذكر له أن رجلا بمكة يتكلم في الدين بما يخالف الناس، لم يصبر حتى ركب راحلته، فقدم عليه وعلم ما عنده؛ لما في قلبه من محبة الدين والخير». وهكذا كذلك من الاستقامة استقامة القلب قبل استقامة الجوارح؛ كون أن عنده استقامة في قلبه وعدم زيغ، فلذلك وفق للطريق الذي به تكون هدايته. قال: «وهذا فسر به قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ قال: أي لأفهمهم». فهذا يدل على أن عدم الفهم في أكثر الناس اليوم عدل منه سبحانه وتعالى؛ لما يعلم في قلوبهم من عدم الحرص على تعلم الدين، وهو كما قال رحمه الله: فإن الآية فسرت بثلاثة تفاسير؛ أي قوله: «لأسمعهم» فسر «لأفهمهم»، وفسر «لأسمعهم لأجابهم عن كل ما يسألون» -يعني لو كان عندهم حرص صحيح وصادق فيما يسألون-، وفسر «لأسمعهم» أي لأسمعهم كلام الموتى وهم يشهدون ويقرون بصدق ما بعث به النبي عليه الصلاة والسلام -يعني حين قدموا وأفاضوا إلى ما عملوا-، وكل هذه التفاسير الثلاثة محتملة، وأقواها وأقربها هو الأول الذي ذكره رحمه الله. وأشار إلى هذه التفاسير الثلاثة ابن الجوزي في «زاد المسير»، والمقصود أن المؤلف رحمه الله تعالى أراد أن يبين شيئا من حال أهل زمانه؛ فإنهم على إعراض عن العلم وعن دعوة التوحيد، وعلى ما يسمعون من التحذير من الشرك. وهؤلاء الذين سلكوا هذا المسلك ليس ببعيد مسلك من سلك هذا المسلك في زمن النبي عليه الصلاة والسلام؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس إلى التوحيد وحذرهم من الشرك وأمرهم بعبادة الله وعدم عبادة غيره، سمع بذلك الناس، فمنهم من حرص فأقبل وتمعن وتدبر فآمن، ومنهم من لم يبالي فأعرض فكان في عداد الكافرين. وهكذا المؤلف يحذر أهل زمانه من هذا المسلك، وهو تحذير للناس أجمعين إلى قيام الساعة؛ فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فالله عز وجل الذي أنزل هذه الآيات على من كان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام هي كذلك في حق كل من كان مثلهم إلى قيام الساعة. وأول هذه الآيات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. فانظر في أول الآيات: نداء إلى طاعة الله وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، وبعدها هذا التدرج حتى ذكر هذا المعنى -يعني لو كان في أحد خير لأسمعه-، ومعنى «أسمعه» ليس فقط بلوغ السماع، لكن بلوغ السماع مع فهمه؛ فإن من الناس من بلغه السماع، ومنهم من بلغه معنى السماع، ولكنه ما حرص على الاستماع، ما قرب. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لأن الهداية طبقات ودرجات»، قال: في حق الثلاثة الذين دخلوا إلى المسجد ورأوا حلقة العلم، قال: «لا أنبئكم بخبر الثلاثة؟ أما الأول أعرض، فأعرض الله عنه» -يعني ما استمع ولا حرص على أخذ الخير- فحرم هداية، ولو كانت هذه الهداية ليست ما يقابل الكفر، لكنها ما يقابل ماذا؟ كمال الإيمان. فكذلك الهداية التي هي تقابل الكفر وتقابل الشرك من التوحيد والسنة والطاعة والاستقامة؛ فإن من أعرض عنها حرم الهداية إليها. قال رحمه الله تعالى: «قال: أي لا أفهمهم، فهذا يدل على أن عدم الفهم في أكثر الناس اليوم عدل منه سبحانه؛ لما يعلم في قلوبهم من عدم الحرص على تعلم الدين». فتبين أن من أعظم الأسباب الموجبة لكون الإنسان من شر الدواب هو عدم الحرص على تعلم الدين. فإذا كان هذا الجاهلي يطلب هذا المطلب، فما عذر من ادعى اتباع الأنبياء وبلغه عنهم ما بلغه وعنده من يعرض عليه التعليم ولا يرفع بذلك رأسا؟! وهذا يشمل المسلم والكتابي وغيرهم؛ فإن اليهود يزعم أنه من أتباع الأنبياء وأنهم اتبعوا موسى، وبلغتهم رسالة عيسى فأعرضوا فكفروا، والنصراني كذلك يدعي أنهم اتبعوا عيسى عليه الصلاة والسلام، وبلغتهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فأعرضوا فكفروا، كما أن اليهود كفروا ويشهد بذلك النصراني بأنه كفر لعدم إيمانه بعيسى وإيمانه بموسى، فكذلك النصراني يكفر لعدم إيمانه بمحمد بعد إيمانه بموسى وعيسى. فلا يكفي أن يؤمن المرء بما معه من العلم ويعرض عن غيره من العلم الذي جاء، بل ينبغي عليه لبلغه شيء من العلم أن ينظر فيه ويتدبره؛ فإن كان حقا وجب عليه أن ينصف نفسه ويعدل ويستجيب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، وإذا لم ير في ذلك ما يوجب الإيمان والاتباع، فإنه ليس عليه بأس أن يعرض، لكن أكثر من حرم الهداية ليس لأنه لم يتبين له الحق، ولكن لأنه أعرض عن الحق. وفرق بين المسألتين: من أعرض عن الحق عوقب وجوزي بقدر إعراضه، وأما من لم يبلغه الحق أصلا فهذا معدور. قال ربنا جل وعلا: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، من لم يبلغه الحق هذا معدور، وأما من بلغه الحق فأعرض عنه ولم يبالي به فهو غير معدور. قال رحمه الله تعالى: «فما عذر من ادعى اتباع الأنبياء وبلغه عنهم ما بلغه وعنده من يعرض عليه التعليم ولا يرفع بذلك رأسا؟!». وهكذا يقال: المسلم الذي وقع في بعض الشركيات، فإنه أقيمت عليه الحجة بأن سمع نداء أتباع محمد عليه الصلاة والسلام يدعونه إلى التوحيد، وهو يعرض ويأبى أن يكون إيمانه إلا إيمان الكثير من الناس، وليست الكثرة معيار الحق. قال رحمه الله: «فإن حضر أو سمع، فكما قال تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾». وهذا حال الكثير ممن يعرض عن الحق، وربما كان عنده شيء من الحق -سواء من أهل الكتاب أو من المسلمين-، فمثلا اليهود في زمن النبي عليه الصلاة والسلام كانوا يحضرون بعض مجالس النبي عليه الصلاة والسلام، لكن من حضر وأراد الحق وبحث عنه بصدر، وفقه الله للهداية -كعبد الله بن سلام-، فإنه حضر مجلس النبي عليه الصلاة والسلام وحرص عليه؛ لأن في قلبه صدر وإرادة خالصة في الوصول إلى الحق. بلغه أن نبيا سيأتي إلى هذه البلاد -أي المدينة-، فذهب مع من يستقبله مع أهل قباء حتى نزل النبي عليه الصلاة والسلام، فسمع منه قبل أن يؤمن الحديث العظيم الذي يرويه هو من أشهر أحاديث عبد الله بن سلام، ما هو هذا الحديث؟ «أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا الأرحام -أو قال: صلوا بالليل والناس نيام- تدخلوا جنة ربكم بسلام». سمعه عبد الله بن سلام قبل إيمانه وإسلامه، وسمعوا منه شيئا كثيرا، فقال في نفسه: «إن هذا لا يكون إلا من نبي»، فآمن بالنبي عليه الصلاة والسلام. وأعرض الكثير من اليهود ولم يحرصوا على الاستماع والتدبر، بل وربما حضر بعضهم، ولكنهم كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾، معرضون عن العلم. ومثله يقال للنصراني، ومثله يقال حتى للمسلم؛ فإن المسلم ربما يكون عنده ما ينقض إسلامه من الشرك -عبادة القبور ونحوها من الشركيات-، أو كذلك اتباع بعض المذاهب الكفرية المعاصرة -من شيوعية أو بعثية أو غير ذلك-، فربما يستمع الخطبة التحذير من هذه الكفريات والشركيات، ولكن حاله كما أخبر رحمه الله في هذه الآية عن الله: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾. ومثله ونحوه قول الله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ لماذا؟ ﴿إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾؛ فإن جحود الآيات سبب لظلمة القلب. قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. قال رحمه الله: «وفيه من العبر أيضا أنه لما قال: أرسلني الله، قال: بأي شيء أرسلك؟ قال: بكذا وكذا، فتبين أن زبدة الرسالة الإلهية والدعوة النبوية هو توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له، وكسر الأوثان». وهذه فائدة أخرى من فوائد هذا الحديث وعبره؛ أنه سأل: بأي شيء أرسلك؟ فبين أنه أرسله بالتوحيد. قال رحمه الله: «فتبين أن زبدة الرسالة الإلهية والدعوة النبوية هو توحيد الله وعبادته وحده، وكسر الأوثان». فإذا من لم يقم هذا الأمر فهو في الحقيقة ليس عنده إسلام، ولو ادعى الإسلام. ليس المسلم الذي يأتي بما هو من فروع التوحيد ومكملاته ويترك أصل التوحيد؛ لابد أن يأتي بأصل التوحيد وأن يترك ما يناقضه وهو الشرك. قال رحمه الله: «ومعلوم أن كسرها لا يستقيم إلا بشدة العداوة وتجريد السيف». فتأمل: زبدة الرسالة، ويريد: إذا علم أن هذا زبدة رسالة النبي عليه الصلاة والسلام، ومنها كسر الأوثان؛ الكسر يدل أن هناك صراع يكون بين أهل الحق -من أهل التوحيد- وأهل الشرك؛ بالحجة والبرهان، وبالسيف والسنان. لماذا يقول هذا المؤلف؟ لأن بعض أهل زمانه أنكر عليه أن يقاتل من أصر على الشرك، وهذا خطأ؛ بل إن العلماء ذكروا في كتبهم أن المرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وماذا فعل أبو بكر بعد النبي عليه الصلاة والسلام لما منع قوم الزكاة -جحدوا الزكاة، جحدوا فريضة الزكاة- قاتلهم رضي الله عنه، أرضاه. فقال عمر: «يا أبا بكر، كيف تقاتل قوما يقولون: لا إله إلا الله؟!». فقال: «والله لا أقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فهي قرينتها في كتاب الله -أي وكذلك في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام-». فإذا كان كذلك، فكيف بما هو أعظم من ذلك -أصل التوحيد-؟ إذا ترك قوم أصل التوحيد، يجب على الإمام أن يدعوهم إلى توحيد الله، فإن أصروا على الشرك يجب على الإمام أن يقاتلهم؛ كما قاتل أبو بكر من منع الزكاة؛ فإن هؤلاء أشد، وهم أولى بالمقات، ولكن ليس معنى هذا أن أهل التوحيد يقتلون أهل الشرك، ومن وقع في الشرك من دون أن يبين لهم الحجة هذا خطأ. ولم يكن هذا من الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ومن معه؛ بل كان يرسل إليهم ويناصح ويبين ويدعو. وانظر إلى المؤلفات الكثيرة التي ألفها، والرسائل الكثيرة التي راسل فيها أهل زمانه -من متبوعين ومتبعين-. قال رحمه الله: «وفيه أيضا أنه فهم المراد من التوحيد، وفهم أنه أمر كبير غريب». ولأجل هذا قال: «من معك؟». قال: «حر وعبد». فأجابه: «أن جميع العلماء -لأنه في زمن النبي عليه الصلاة والسلام علماء من علماء أهل الكتاب وغيرهم- قال: أن جميع العلماء والعباد والملوك والعامة مخالفون له، ولم يتبعه على ذلك إلا من ذكر». وما حكم هؤلاء؟ هؤلاء أحد رجلين: رجل لم تبلغه الحجة، فهو معدور، ورجل بلغته الحجة فهو كافر. فهل يقول قائل: أن من تابع الأكثرين صار معذورا؟ الجواب: لا، ليس بمعدور من بلغته الحجة، فهو استحق ما يستحقه من حكم الله وحكم رسوله. قال: «فهذا أوضح دليل على أن الحق قد يكون مع القليل، وأن الباطل قد يملأ الأرض». ولله در الفضيل بن عياض حيث يقول: «لا تستوحش من الحق لقلة السالكين، ولا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين». وأحسن منه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وفي الصحيحين: «أن بعث النار من كل ألف تسعة وتسعون وتسع مئة، وفي الجنة واحد من كل ألف». وهذا الحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة. قال: «ولما بكوا من هذا -لما سمعوه- قال صلى الله عليه وسلم: إنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية، فيأخذ العدد من الجاهلية، فإن تمت وإلا كمل من المنافقين». قال الترمذي: «حسن صحيح». وهذه رواية أخرى للحديث رواها الترمذي وغير الترمذي من حديث عمران بن حسين، وهو ضعيف. وقد ضعفه العلامة الألباني في «ضعيف الترمذي»، لكن معناه صحيح -يعني أن أهل النار ليس كلهم من أهل الإسلام، فيهم من أهل الإسلام يدخلون ويعذبون بقدر ما يستحقون ويخرجون، ومنهم من الأمم الأخرى الكافرة-. وهذا المعنى قد دل عليه حديث الصحيحين، ومراده رحمه الله تعالى أن يشير إلى أن صاحب الحق لا يغتر بكثرة من ترك هذا الحق، ولا ينبغي كذلك أن يتحسر أو يضعف لقلة من معه من أهل الحق؛ بل كان نبينا عليه الصلاة والسلام هو إمام الموحدين في أول أمره، ليس معه إلا حر وعبد -اثنين فقط-، ما عنده إلا حر وعبد -يعني من الرجال- كما مر معنا، ومع ذلك ما كان ذلك سببا لفتور أصحاب الحق عن الدخول في الحق، ولا كذلك لمانع لأهل الباطل الذين علموا الحق أن يتركوا الباطل ويرجعوا إلى الحق. بل ينبغي أن يعلم المنصف أن الحق ضالته، يتبعه ولو كان مع القلة. وهكذا الفائدة الأخرى التي أشار إليها ضمنا: من أن هذا فيه أن أمر التوحيد عظيم؛ فلهذا من فهمه فإنه سيدخل فيه بحقه، وأما من لم يفهمه فهو الذي سيدخل من باب ويخرج من باب. فكأنه يشير إلى أن بعض المسلمين دخل من باب وخرج من باب؛ ليس من قال: لا إله إلا الله فقد أكمل الإسلام، لكن لا إله إلا الله لها شروط. فمن أتى بلا إله إلا الله بحقها فهو المسلم، ومن لم يأت بها بحقها فهو إما مرتد بعد إسلامه، وإما أن يكون ناقصا في إسلامه بحسب هذا المخالف ل(لا إله إلا الله). فقد يكون المخالف ل(لا إله إلا الله) شركا وكفرا، وقد يكون المخالف ل(لا إله إلا الله) معصية وبدعة. فإن كان شركا وكفرا فصار هذا دخل من باب وخرج من باب آخر. فمن تلفظ من قول لا إله إلا الله، وإن كان بدعة ومعصية فقد أضر بلا إله إلا الله التي يحمل؛ لأن لا إله إلا الله لها شروط وواجبات ومكملات، فمن أتى بشروطها وواجباتها ومكملاتها سلم، ومن لا فإنه يخاف عليه إن لم يهلك. نكتفي بهذا ونترك الباقي إن شاء الله لدرس لاحق، والله تعالى أعلم. قال: «ما معنى محدث في الآية؟ ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾؟ معنى محدث: أي متجدد، ينزل بحسب الوقائع على النبي عليه الصلاة والسلام، وليس معناه مخلوق كما زعمت المعتزلة». إلى هنا والله أعلم.