الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 7، الدرس السابع : (وأل في الحمد للأستغراق ... والإيمان الصحيح والعلم النافع والعمل الصالح ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ بشرح ألفاظ البسملة والحمد، موضحًا معنى "أل" في "الحمد لله" واستعمالاتها. كما يتطرق إلى تعريف الرسول والنبي والفرق بينهما.
يناقش معنى الهداية في القرآن، موضحًا أنها تشمل الإلهام والعلم الذي يصل إلى القلب. يُفسر الآيات مثل ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ و﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾.
يتناول شرح معاني الهداية في القرآن، حيث تنقسم إلى هداية الدلالة والإرشاد للرسل وأتباعهم، وهداية التوفيق الخاصة بالله. يُفسر استخدام الألف واللام في "الصراط المستقيم".
يُعرّف العلم النافع بأنه ما جاء في كتاب الله أو كلام رسله، والعمل الصالح يكون بالإخلاص والمتابعة، كما ذكر ابن كثير في تفسير آية من سورة براءة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الشارح رحمه الله تعالى: قال «وأل في الحمد للاستغراء ليتناول كل أفراد الحمد المحققة والمقدرة»، وقيل: للجنس. والفرق بين الاستغراء والجنس أن الاستغراء يشمل ما هو أعم مما إذا كان للجنس. ولهذا قال: «وقيل للجنس»، ومعناه أن الحمد الكامل ثابت لله، وهذا يقتضي ثبوت كل ما يحمد عليه من صفات كماله ونعوت جماله، إذ من عدم صفات الكمال فليس بمحمود على الإطلاق، ولكن غايته أنه محمود من وجه دون وجه، ولا يكون محمودا من كل وجه وبكل اعتبار بجميع أنواع الحمد إلا من حاز صفات الكمال جميعها. فلو عدم منها صفة واحدة لنقص من حمده بسببها. هذا الكلام كما هو مشار إليه عندكم من كلام ابن القيم رحمه الله تعالى في «مدارج السالكين»، فأشار بهذا أن بعض أهل العلم قال: للاستغراء، وبعض أهل العلم قال: إنه للجنس. وكونه للاستغراء أو لا، ولهذا قدمه رحمه الله تعالى -أي الاستغراء- ليتناول كل أفراد الحمد. وكما مر معنا أن الله جل وعلا يحمد لكماله سبحانه وتعالى في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، ولعظيم إحسانه وإنعامه جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: «الرسول في اللغة هو من بعث بالرسالة، يقال: أرسله بكذا إذا طلب إليه تأديته وتبليغه، وجمعه رسل بسكون السين ورسل بضمهما، وهي لغة يجوز هذا ويجوز هذا». قاله في لسان الشرع: «إنسان ذكر حر أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه». وهذا التعريف تعريف اشتهر عند الكثير من المتأخرين، وقال به أكثر أهل العلم. وعند التحقيق نجد أن هذا التعريف لا ينطبق على ما دلت عليه عموم الأدلة وخصوصها. ولهذا رجح شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى أن التحقيق في تعريف أو في ذكر الفرق بين النبي والرسول: أن النبي من يكون متبعا لشريعة من قبله، وأن الرسول من يأتي بشرع جديد. والكل أمر بالتبليغ. قال رحمه الله تعالى: «فإن أوحي إليه ولم يؤمر بالتبليغ فهو نبي». والصواب كما قلنا في التبليغ ما ذكر. قال: «فكل رسول نبي ولا عكس»، فقد يكون نبيا غير رسول. نقول: قال «فكل رسول نبي» صحيح؛ لأن الرسول في الحقيقة متابع لما قبله من الأنبياء، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى وأبوهم واحد»، ويريد بذلك التتابع على أصل التوحيد. وقوله: «ولا عكس» ليس على ما ذكر، ولكن على ما ذكر من كلام شيخ الإسلام بكتاب النبوات: فإن النبي هو المتابع لما قبله، والرسول هو الذي يأتي بشرع جديد. فلهذا لا يدخل النبي في الرسول؛ لأنه ليس عنده شرع جديد، فقد يكون نبيا غير رسول؛ لأنه لم يأت بشرع جديد. قال: «والمراد بالرسول الموافق ضمير الرب هنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم»، يعني الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى، فرسوله: الضمير يعود إلى النبي عليه الصلاة والسلام -رسول الله- أي النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «والهدى في اللغة البيان والدلالة»، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ فِي ضَلَالٍ﴾، ويجوز في الدلالة ثلاث لغات: الكسر والفتح «الدلالة» «الدلالة» -الكسر والفتح-. قال: «وأما ثمود فهديناهم»، قال في قوله كما في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾، فإن المعنى بينا لهم. وأكمل مما ذكره رحمه الله: أن الهدى البيان والتعريف والإلهام؛ لأنه ليس فيها معرفة الأمر من دون وقوع معنى هذا المعلوم في الفطرة، بل المراد وقوع وثبوت هذا المعلوم في الفطرة. وتأمل في قوله جل وعلا: ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾، يعني إن طبعا في قلوبهم معرفة الحق من الهدى حتى أقيمت عليهم الحجة. وفي حديث النواس بن سمعان: «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس»، معنى أن الفطرة تميز بين البر والإثم، ولذلك تكره في الصدر أن يطلع عليه الناس. وهذا هو الإلهام الذي يقذف في القلب. فالهدى ليس بيان ودلالة فقط، بل هو بيان ودلالة وإلهام -يعني علم يصل إلى القلب يكون به التمييز بين الحق والباطل- علم يصل إلى القلب يكون به التمييز بين الحق والباطل. قال رحمه الله: «فإن المعنى بينا لهم وعلمنا». قبل قليل بأن ليس بينا فقط، ولكن بينا بما يكون وقوع هذا البيان إلى القلب أو وصوله إلى القلب. قال: «وكما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾». وهكذا كذلك: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾، ليس فقط بيان ودلالة، بل وكذلك علم يصل إلى القلب يكون به التمييز بين الصواب من الخطأ والهدى من الضلال والشكر من الكفر. قال رحمه الله تعالى: «والهدى بهذا المعنى عام لجميع الناس»، ولهذا يوصف به القرآن كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. قوله: «والهدى بهذا المعنى عام لجميع الناس»، يعني أن الهداية هدايتان: هداية عامة وهداية الدلالة والإرشاد، وهداية خاصة وهي ما كان من معنى النصرة والتأييد، والذي يأتي إن شاء الله كذلك فيما سيذكره: أن منها ما يكون التوفيق. قال رحمه الله تعالى: «ولهذا يوصف به القرآن كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾». وهنا «يهدي» عدي بحرف، والأصل أن هذا الفعل يعد بنفسه، فإذا عدي بحرف فلأهل اللغة في هذا مذهبان. فمن أهل اللغة من يأخذ به على ظاهره، فيجعلونه إما بمعنى حرف آخر أو يعتبرونه زائدا إن كان هو لا يعد بحرف أصلا. وسمى ابن القيم رحمه الله وتعالى هؤلاء «بظاهرية النحاة». وأما طائفة أخرى فإنهم يضمنون الفعل معنى فعل آخر يناسب هذا الحرف المضاف. وهذا له أصل في القرآن تؤيده شواهد كثيرة، وذلك مثل قول الله عز وجل: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾. فعلى المذهب الأول يكون المعنى: عين يشرب منها -يبدلون حرف بحرف-. وفي هذه الآية: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، إذن يقولون: «يهدي التي هي أقوم» بدون اللام، فيجعلون اللام زائدة. لكن على المذهب الثاني: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾، يضمنون «يشرب» فعلا يناسب الباء، وهو ماذا؟ «يروى»؛ لأنه هو الذي يناسب الباء. «ويشرب» يناسبها «من»، فأفاد فعل «يشرب» مع إضافة الباء -أي التعدي بالباء- أفاد إثبات معنى الشرب الحقيقي، وإثبات كذلك الري بهذا الشرب -الري بهذا الشرب-. وهكذا كذلك: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، أفاد معنى الهداية الحقيقي بوجود ظاهر فعل الهداية، وأفاد كذلك معنى الاختصاص المستفاد من حرف اللام؛ فإنه لا يناسب هذا الحرف فعل يضمن هذا الفعل الموجود إلا «يختص»، أي: إن هذا القرآن يختص بالتوفيق والدلالة والإلهام للتي هي أقوم. قال رحمه الله تعالى: «يوصف به الرسول صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾». و«إنك لتهدي إلى صراط مستقيم»، وهذا نقول فيه كما قلنا قبل: الأصل أن فعل «هدى» يعد بنفسه ما يحتاج إلى حرف، فإذا عدي بحرف فإما أن نسلك المسلك الأول أو الثاني، والثاني هو الأبلغ والأحسن، وله شواهد كثيرة كما سبق. فإذا نقول: «وإنك لتهدي» يضمن «تهدي» ماذا؟ «توصل». فأفاد تعدية الفعل -فعل الهداية- بإيهام معنى الزائد، يضمن فعل الهداية وهو الإيصال، أي: إنك تدل وتبين وكذلك توصل إلى صراط مستقيم -توصل إلى صراط مستقيم-. فهنا ضمن معنى الإيصال بسبب وجود «إلى». قال: «وقد يأتي الهدى بمعنى التوفيق والإلهام، فيكون خاصا بمن يشاء الله هدايته». طيب قال تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾، وهذه الهداية خاصة بالله سبحانه وتعالى -أي هداية التوفيق-. قال رحمه الله: «ولهذا نفاه الله عن رسوله»، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾. فهنا أثبت أن هذه الهداية ليست للنبي عليه الصلاة والسلام، ولكن الله جل وعلا هو الذي يهدي بها. فعلم أن هناك هداية خاصة بالله، وهداية تكون لسائر المخلوقين من الرسل وأتباع الرسل، وهي هداية الدلالة والإرشاد والبيان. وأما الثانية فهي هداية التوفيق، فهي لله جل وعلا وحده خاصة. ونلاحظ في المثال الذي مثل به: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، أن «صراطها» هنا نكرة، وإهدنا «الصراط المستقيم» عرف. وألف ابن القيم لفتة لطيفة في التفريق بين التعريف والتنكير، فقال: إذا دخلت الألف واللام -يعني «أل» على الإسم الموصوف- أفادت أنه أحق بالوصف من غيره. أفادت أنه أحق بالوصف من غيره، إذا دخلت الألف واللام -يعني «أل» على الإسم الموصوف- أفادت أنه أحق بالوصف من غيره. ومثل له بدعاء النبي عليه الصلاة والسلام: «أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاءك الحق» إلى آخره. فهذا أفاد ماذا؟ أفاد كما قال رحمه الله تعالى: أن الإسم الموصوف أفاد أنه أحق بالوصف -أي هذا الإسم الموصوف الذي دخلت عليه الألف واللام أحق بالوصف من غيره- يعني أفاد نوع الاختصاص. فإذا «اهدنا الصراط المستقيم» يكون للعهد الذهني، فالمطلوب هداية خاصة معروفة هي هداية لأهل نعمته، ليست هداية لسائر الناس. وهذا هو المقصود التنبيه عليه: أن الهداية التي يعطاها أهل الإيمان ليست كالهداية التي يعطاها من يدعى إلى الإيمان. فمن يدعى إلى الإيمان يعطى هداية مطلقة، ومن يكون قد دخل في سلك أهل الإيمان فإنه يعطى هداية أخص من ذلك وأكمل. ولهذا يستفاد هذا المعنى من دخول «الهداية» لهذا. قال في قوله جل وعلا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، أي: الصراط الذي فيه كمال معاني الهداية. قال رحمه الله تعالى: «والمراد بالهدى هنا كل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الإخبارات الصادقة» -يعني أخبار سابقة أو حاضرة أو لاحقة- «والإيمان الصحيح بالله أو برسله أو بكتبه أو باليوم الآخر أو بالقدر خيره وشره». قال: «والعلم النافع» كذلك -العلم النافع في كتابه أو في كلام رسله عليه الصلاة والسلام- «والعمل الصالح الذي يكون بالإخلاص والمتابعة» -بالإخلاص والمتابعة-. وهذا الذي ذكره هو نص كلام ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير الآية في سورة براءة.