شرح العقيدة الواسطية للهراس 124

شرح العقيدة الواسطية للهراس 124

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 124، الدرس الرابع والعشرون بعد المائة:من( والإجماع هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين ... لا يفرق في ذلك بين غث وسمين وصحيح وسقيم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الإجماع وأدلته

الإجماع هو الأصل الثالث في العلم والدين، وقد دلت عليه نصوص الكتاب والسنة مثل قوله تعالى ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم مثل «لا تجتمع أمتي على ضلالة». الإجماع يعتبر دليلاً مع الكتاب والسنة لتمييز الصواب من الخطأ.

تعريف الإجماع المعتبر وبيان أنواعه

الإجماع المعتبر هو ما كان عليه السلف الصالح، ويكون مستندًا إلى نص من الكتاب أو السنة، ويُميّز بين الإجماع الصحيح والإجماع المدعى، ويُقسّم إلى قطعي وضني. يُعرّف الإجماع بأنه اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر من العصور على أمر ديني.

الأصول الثلاثة للمنهج الوسط وتأكيد أهمية الإجماع

الأصول الثلاثة للمنهج الوسط هي الكتاب والسنة والإجماع، وهي أساسية لفهم الدين بشكل صحيح ورفض الأفكار المنحرفة. يُؤكد على أهمية الإجماع خاصة إذا كان من الصدر الأول من الأمة، ويُشدد على الأخذ بالنصوص الشرعية والإجماع لتجنب التشدد.

التأكيد على الأخذ بالإجماع لتجنب التشدد

ينبغي الأخذ بالإجماع لتجنب التشدد والخروج عن دين الله، وهذا يحقق التوازن في فهم الدين وتطبيقه. يُعتبر الإجماع خاصة الصادر عن الصدر الأول من الأمة دليلاً قويًا في توجيه الفهم الصحيح للدين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ الإسلام تيمية رحمه الله تعالى: «والإجماع هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين». قوله رحمه الله تعالى: «والإجماع هو الأصل الثالث» إلى آخر ما ذكر، ذلك أن مسائل الاعتقاد مبناها على الكتاب والسنة والإجماع. ولهذا أشار إليه رحمه الله تعالى؛ لأن الكثير من أهل الأهواء ضل بسبب خلافهم في بعض ما ظنوه من نصوص الكتاب والسنة، وهو فهم مغلوط خارج عن الإجماع. فلو أنهم التزموا بالإجماع لما ظلوا. ولهذا صار من أصول أهل السنة والجماعة اعتقادهم أن الإجماع دليل من الأدلة؛ الأصل الكتاب والسنة، والكتاب والسنة دلا على حجية الإجماع، كما في قوله جل وعلا: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، فقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فيه دليل على أن سبيل المؤمنين له معنى، وله شيء من الحجية في دين الله سبحانه. قد يقول قائل: العذاب إنما كان لأجل مشاققة الرسول. الجواب: نعم مشاققة الرسول، ولكن قرن باتباع غير سبيل المؤمنين، فعلم أن سبيل المؤمنين له معنى لأجله ورد في هذه الآية. ولهذا استدل الإمام الشافعي رحمه الله وغير واحد من أهل العلم بهذه الآية على حجية الإجماع. وهكذا قول الله جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، فاجتماع هذه الأمة ميزان يوزن به أحوال الناس، وصوابهم من خطأهم. وجاء في الصحيح في البخاري وغيره من حديث أبي سعيد قال عليه الصلاة والسلام: «الوسط العدل»، وفي رواية: «الخيار»، يعني هم عدول وخيار. وهكذا يُعدل بهم غيرهم، أي يوزن بهم غيرهم، أي هذه الأمة. وهكذا مما يستدل به قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله»، فقوله: «لا تزال طائفة» دليل على أن هذه الطائفة معيار حجية على الأمة. وهكذا كذلك قوله: «لا تجتمع أمتي على ضلالة»، و«يد الله مع الجماعة»، ونحوها مما صح لفظه أو معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولكن قيد رحمه الله هذا الإجماع بقوله بعد ذلك: «والإجماع الذي ينضبط»، وبين ما هو السبب لذكر الإجماع بقوله: «وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة»، يعني الكتاب والسنة والإجماع، ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة مما له تعلق بالدين. وهذا ما سبق الإشارة إليه الذي لأجله أورد وذكر مبحث الإجماع. قد يقول قائل: لماذا ذكر الإجماع؟ هل هو كتاب أصول أم هو كتاب اعتقاد؟ الجواب: كتاب اعتقاد، لكن لأن هذا المبحث له تعلق بضلال فرق كثيرة ذكره رحمه الله. ثم بيّن رحمه الله ما هو الإجماع المعتمد والمعتبر، قال: «والإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح»، إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشر في الأمة. وهو يريد أن يميز بين الإجماع الصحيح والإجماع المدعى. فالإجماع الصحيح المعتبر قال: «الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح». وهذا الذي كان عليه السلف الصالح هو الإجماع الذي لا يقوم إلا على نص؛ لأنهم لا يجتمعون إلا على ما علموا أن له أصل، وهو يحمل على عصر الصحابة والتابعين والقرون المفضلة الثلاثة. وأما ما بعدهم فهو متعذر، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام معناه في المسودة، وهكذا كذلك في مجموع الفتاوى. وكم من مسائل ينقل فيها الإجماع وفيها خلاف، وربما الخلاف أصح من ذاك الإجماع المنقول بما دل عليه أو بما يدل عليه الدليل، وذلك سببه أنه ليس من الإجماع الصحيح المعتبر. وغالبا هذا النوع من الإجماع المدعى يكون فيما بعد القرون الثلاثة المفضلة، كما نقل ذلك كذلك شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى المجلد العشرين. وعلى هذا يحمل قول الإمام أحمد رحمه الله: «من ادعى الإجماع فقد كذب، وما أدراه لعل الناس اختلفوا»، يعني بعد القرون الثلاثة المفضلة. وأما ما كان منقولا عن القرون الثلاثة المفضلة، وهو الإجماع الصحيح بشرط، كما قال الإمام الشافعي: «إنما الإجماع هو الذي إذا قلت فيه أجمع الناس لم تجد حولك أحدا يقول لك ليس هذا بإجماع». ثم قال: «وهذا في الفرائض ذكر معنى ذلك في كتابه الأم». وبه يعلم أن الكثير مما ينقل الإجماع ليس بإجماع. ولهذا قسم العلماء الإجماع إلى قسمين: قطعي، وهو ما ينقل بالتواثر قولا أو فعلا، وقطع فيه بانتفاء المخالف، ويكون مستنده النص من الكتاب أو السنة. وهذا النص قد نعلمه وقد لا نعلمه ويخفى علينا، وغالبا يكون منقولا عن القرون الثلاثة المفضلة، فهذا هو الإجماع القطعي الذي هو حجة. وإجماع ضني، وهو ما لم يجزم فيه بانتفاء المخالف، وهو ما يسمى بالإجماع الإقراري أو الاستقرائي، وهو عدم المخالف. ومن ذلك ما يسمى بالإجماع السكوتي. وهذا النوع من الإجماع ما يخرج منه أكثر مما يدخل فيه، يعني مما يقع إجماعا. بل كما قال شيخ الإسلام في مواضع من الفتاوى: إن بعض ما يدعى فيه الإجماع من هذا النوع يكون الصواب في الخلاف المنقول ضد الإجماع لدلالة الدليل عليه. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله «ثم طريقة أهل السنة...» إلى آخره، هذا بيان المنهج لأهل السنة والجماعة في استنباط الأحكام الدينية كلها أصولها وفروعها بعد طريقتهم في مسائل الأصول. وهذا المنهج يقوم على أصول ثلاثة، أولها كتاب الله عز وجل الذي هو خير الكلام وأصدقه. فهم لا يقدمون على كلام الله كلام أحد من الناس. وثانيها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أثر عنه من هدي وطريقة، لا يقدمون على ذلك هدي أحد من الناس. وليس معنى أن ثانيها سنة الرسول عليه الصلاة والسلام أن له الترتيب الثانوي، بل الكتاب والسنة كل منهما من عند الله سبحانه وتعالى، لكن هذا لفظه كلام الله سبحانه وتعالى، وهذا معنى وحي الله عز وجل، كما قال الله عز وجل عن رسوله: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. فعلى هذا يصح تخصيص الكتاب بالسنة؛ لأن السنة تفسر الكتاب وتبينه. ومن الخطأ أن يقال: أن ننظر في الكتاب فإن لم نجد ففي السنة، لا، بل ننظر في الكتاب وفي السنة. قال رحمه الله: «وثالثها ما وقع عليه إجماع الصدر الأول من هذه الأمة قبل التفرق والانتشار وظهور البدع والمقالات». وليس مراده أن ما قد يقع في الصدر الأول من الصحابة أو في أواخر حال الصحابة من خلاف يعني ذلك أن لا يؤخذ بإجماعهم، لا، ولكن المقصود أن الإجماع يؤخذ عن الصدر الأول وهو أولى من من بعدهم. وإلا فالإجماع المعتبر كما مر معنا هو إجماع القرون الثلاثة المفضلة. فإن خالف الصحابة بعض التابعين فهذا في الغالب يدل على أن الإجماع المنقول عن الصحابة خطأ، ليس بإجماع صحيح. مثاله: نقل عن الصحابة أنهم أجمعوا أن المرأة النفساء تمكث أربعين يوما، هذا الإجماع نقله بعض أهل العلم، لكن نقل الخلاف عن غيرهم من التابعين كالحسن البصري قال: تقعد خمسين، وعن عطاء بن أبي رباح والشعبي قال: تقعد ستين يوما. فهذا يدل أن الإجماع المنقول عن الصحابة ليس بصحيح؛ لأنه كما قال الإمام الشافعي رحمه الله: «إنما الإجماع المعتبر هو الذي إذا قلت أجمع الناس لم تجد حولك أحدا يقول لك ليس هذا بإجماع». مثل الماء وطهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو لونه أو طعمه، فهذا ما يخالف فيه أحد. ومثل مسائل الاعتقاد في باب الأسماء والصفات، وإمرارها كما جاءت. ومثل إثبات العينين لله عز وجل وغير ذلك، عقيدة وعبادة. قال رحمه الله: «وما جاءهم بعد ذلك مما قاله الناس وذهبوا إليه من المقالات وزنوها بهذه الأصول الثلاثة التي هي الكتاب والسنة والإجماع، فإن وافقها قبلوه وإن خالفها ردوه أيا كان قائله». وهذا ظاهر. قال: «وهذا هو المنهج الوسط والصراط المستقيم الذي لا يضل سالكه ولا يشقى من اتبعه»، وسط بين من يتلاعب بالنصوص فيتأول الكتاب وينكر الأحاديث الصحيحة ولا يعبأ بإجماع السلف، كحال الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية ومن تبعهم من فرق الضلال الذين ضلوا في باب الأسماء والصفات أو القدر أو الإيمان أو غيره. ومنهم الخوارج والوعيدية والمرجئة وغيرهم، فكلهم رد النصوص من الكتاب والسنة وما نقل من إجماع الأمة، وهذا خطأ. أو كذلك ما كان حتى في الفقه ممن خرج عن النصوص وخالف الإجماع. قال: «وبين من يخبط خبط عشواء فيتقبل كل رأي ويأخذ بكل قول لا يفرق في ذلك بين غث وسمين وصحيح وسقيم». وهذا كفعل الظاهرية في المسائل الفقهية العملية في طرف. وهكذا كذلك في طرف آخر أهل الرأي، وهذا خطأ. بل ينبغي أن يعتبر بالنصوص ويؤخذ بالإجماع حتى لا يشد الإنسان ويخرج عن دين الله. والله أعلم.