شرح العقيدة الواسطية للهراس 13

شرح العقيدة الواسطية للهراس 13

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 13، الدرس الثالث عشر : (هذه الأمور الستة هي أركان الإيمان ... وبالقدر خيره وشره حلوه ومره من الله تعالى ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أركان الإيمان ومعناه

الإيمان يشمل ستة أركان ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. الإيمان هو التصديق الجازم بالله وما جاء به رسوله.

تعريف الإيمان وأدلته الشرعية

الإيمان قول وعمل ونية، ويزيد وينقص، وقد دلت على ذلك الأدلة الشرعية ونقل عن الأئمة والصحابة والتابعين. يتضمن الإيمان بالله أربعة مباحث: الإيمان بوجوده وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.

أدلة وجود الله تعالى ومفهوم الإله

دليل وجود الله يستند إلى الحس والعقل والفطرة. كل كافر له إله يعبده، حتى لو أنكر وجود الله، فهناك حاجة داخلية تدفعه للتوجه إلى معبود ما، والأصح أن يكون توجهه لله الواحد الخالق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في عقيدة المسمى في العقيدة الواسطية: وهو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره. قال الشارح رحمه الله تعالى: هذه الأمور الستة هي أركان الإيمان، فلا يتم إيمان أحد إلا إذا آمن بها جميعًا على الوجه الصحيح الذي دل عليه الكتاب والسنة، فمن جحد شيئًا منها، أو آمن بها على غير الوجه، فقد كفر؛ لأنها أصول الإيمان، كما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. فمن أدلة الكتاب قول الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾، وهكذا في الآية الأخرى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾، مع قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، فإن هذا فيه كما ذكر رسول الإيمان التي ذكرت في حديث جبريل المشهور الذي سيشير إليه رحمه الله تعالى. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين بعث الله عز وجل إليه جبريل على هيئة رجل يسأله ليعلم الناس، سأله عن الإيمان، فأخبره أن الإيمان: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وتؤمن بالبعث بعد الموت، وبالقدر خيره وشره». قال رحمه الله تعالى: وقد ذكرت كلها في حديث جبريل المشهور حين جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة أعرابي يسأله عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، فقال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وتؤمن بالبعث بعد الموت، وبالقدر خيره وشره». والإيمان لغة: اشتهر عند الناس أنه بمعنى التصديق، والصحيح أن الإيمان والتصديق بينهما فرق، فاختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فالإيمان تصديق وزيادة. فلهذا قال شيخنا محمد صالح عثيمين رحمه الله تعالى: إنه الإقرار على وجه التصديق، ليس هو التصديق، ولكنه الإقرار على وجه التصديق، وهذا هو معنى عموم كلام ابن القيم رحمه الله. وهذه القاعدة التي سبقت: أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، ولهذا لا يصح أن تعبر في موضع الإيمان لغة التصديق، ولا يصح أن تعبر كذلك في موضع التصديق بلفظ الإيمان؛ لما بينهما من فرق. فإن اللفظ لا يكمل إذا عبرت بذلك، فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ معناه: وما أنت بمصدق، لكن هل هو تصديق مجرد أم هو تصديق وزيادة؟ هو تصديق وزيادة، ولهذا عبر بمؤمن: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ أي بمقر على وجه التصديق. وأما معناه في الشرع: فالإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهذا هو تفصيل ما روي عن السلف، ودلت عليه الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة في تفسير الإيمان. وقد روي عن الأئمة عبارات تدل على هذا المعنى، فروي عنهم: أنه قول وعمل، روي عنهم: أنه قول وعمل، الإيمان، وهذا كما حكاه غير واحد من الأئمة، هو قول أكثر الصحابة، ومن تبعهم من أهل السنة. قال البخاري رحمه الله تعالى: كتبت عن ألف نفر وزيادة، لم أكتب إلا عن من قال: الإيمان قول وعمل، لم أكتب إلا عن من قال: الإيمان قول وعمل. فدل ذلك على أن من تعابير أئمة أهل السنة، وما روي عن الصحابة، ومن بعدهم من الأئمة: أن الإيمان قول وعمل، وهذا لا ينافي ما سمعنا من أنه قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان؛ لأن المراد القول: قول اللسان، وقول القلب، وهكذا عمل اللسان، وعمل القلب. وكما أن القول يزيد وينقص، فكذلك الإيمان الذي في القلب يزيد وينقص، وسيأتي إن شاء الله مبحث خاص في الكلام عليه في الكلام على الإيمان في ثنايا هذا الكتاب، وأدلة ذلك، والبسط عليه في موضعه إن شاء الله. وهكذا كذلك روي عن بعض الأئمة: أنه قول وعمل ونية، وروي هذا المعنى عن عدد من الأئمة، فقد قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في كتاب الأم: كان الإجماع من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، وممن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية، يقولون: الإيمان قول وعمل ونية. فإذا زاد رحمه الله تعالى، ونقل ذلك كذلك عن الصحابة والتابعين: أنه قول وعمل ونية، فماذا بقي؟ بقي الزيادة والنقصان، الزيادة والنقصان كذلك سبق: أنه قول دلت عليه الأدلة الشرعية، ونقل كذلك عن الأئمة. فقد بَوَّبَ البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه في كتاب الإيمان: باب بني الإسلام على خمس، وهو قول وفعل يزيد وينقص، قول وفعل يزيد وينقص، ونقل أبو عبيد القاسم بن سلام عن أهل الأمصار: أنه يزيد وينقص، أي الإيمان، في كتابه الإيمان. وعلى هذا كذلك لا ينافيه ما روي: أن الإيمان قول وعمل ونية، واتباع للسنة، فقد روي هذا المعنى عن عبد الله بن مسعود، وعلي، وعدد من التابعين، فهو بمعنى الذي سبق؛ لأن الإيمان في الحقيقة يجتمع في هذه الأمور. فلما تولدت البدع، قالوا: واتباع للسنة؛ لتأكيد بيان كمال الاتباع. وهكذا كذلك مما يذكر في مبحث الإيمان: أن الإيمان بالله جل وعلا يتضمن أربعة مباحث: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته. فأما الإيمان بوجوده: فهو الذي به يتم الإيمان بالله سبحانه وتعالى في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، وقد دل على ذلك دليل الشرع، والعقل، والحس، والفطرة، أي الإيمان بوجوده. فأما دليل الشرع: فالأدلة الكثيرة من إنزال الكتب، وإرسال الرسل، وتواتر ذلك جيلًا بعد جيل، وأمة بعد أمة، مما لا يجحد مثل ذلك إلا مكابر، فأدلة الكتاب في أمة الإسلام كثيرة تؤكد هذا المعنى، وأدلة السنة أكثر، وآثار الأنبياء موجودة، بما لا يجحدها إلا مكابر. وأما أدلة الحس: فآثار وجود الله جل وعلا كثيرة جدًا، مما لا يمكن معه إنكار ذلك إلا من معاند مكابر، فمن ذلك الرسل المتتابعون الذين أقر أهل الأرض بأن الله جل وعلا أرسلهم، وهكذا الكتب، وهكذا كذلك آثار الرسل. وهكذا كذلك ما يراه الناس من شواهد الصدق الحسية التي تؤيد صدق ما أخبر الله عز وجل به في كتبه، وبعث به رسله، فيدعو الداعي، ويستجاب لدعائه، وهذا من دليل الحس، ويعصي العاصي، ويعاقب بمعصيته، وهذا من دليل الحس. وهكذا كذلك شواهد ذلك فيما وجد في مخلوقات الله عز وجل، وسئل العربي: كيف عرفت ربك؟ قال: إذا كان الأثر يدل على المسير، والبعر يدل على البعير -يعني روث البهيمة يدل على البعير- فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحر ذات أمواج، ألا يدل ذلك على اللطيف الخبير؟ وصدق رحمه الله تعالى. فإن الشيء يعرف بالحس بآثاره إذا لم يكن موجودًا، وليس كل شيء لا يرى يدل ذلك على عدم وجوده، فأنت لا ترى الروح، والروح موجودة، وأنت كذلك لا ترى الماشي الذي مشى في هذا المكان، مع أنك ترى أثره، وبالأثر تستدل على ماذا؟ على وجوده. وأنت لا ترى البعير، ورأيت أثره وآثاره، فصدقت وآمنت بوجوده، وذلك بآثاره، فكيف بهذه المخلوقات العظيمة التي لا يشك عاقل أنها من آثار الخالق سبحانه وتعالى؟ وهكذا كذلك دليل العقل: فدليل العقل من الأدلة التي تدل على وجود الله سبحانه وتعالى، فإن العقل يقضي بأن هذه المخلوقات الموجودة التي نشاهدها ونحسها إما أنها وجدت بخالق خلقها، وإما أنها وجدت بغير خالق خلقها، وأنها خلقت كما يقول أهل الطبيعة والمادة صدفة، أنها خلقت صدفة. فهذان احتمالان يجوزهما العقل، لا احتمال ثالث، إما هذا وإما هذا، فإن قيل: أنها صدفة، فيقال: هل أثبتتم لنا أن مثل ذلك يوجد له نظير في الحس؟ هل تجدون له نظير أن الشيء يخلق على غاية أو يصنع على غاية من الإتقان والكمال والجمال، ويكون صدفة من غير صنع صانع؟ هل تجدون لذلك مثالًا في الحس؟ فإن بحثوا فلن يجدوا لذلك مثالًا. واستدل على هذا المعنى كما يروى عن الأبي حنيفة رحمه الله تعالى حين ناظر بعض السمنية -وهم قوم من الكفار من كفرة الهند، ومثلهم يوجد في اليونان- فلما جاءوا ليناظروه ويجادلوه، ذكر أنه قال: انتظروا؛ فإنا متحير في أمر شغلني، فلما ألحوا عليه وسألوه، قال: أخبرت أن سفينة جاءت من بحر كذا محملة بكذا وكذا، وأنزلت ما فيها، ورجعت من غير قائد يقودها، فجحدوا ذلك، وقالوا: مثل هذا لا يكون. فانتقل بهذا المثال إلى هذه المخلوقات البديعة في هذه الخليقة، مما فيها من إتقان وإحكام وجمال وكمال، كيف يكون مثل هذا صدفة؟ فالجواب: أنه لا بد لها من خالق، فإذا كان لها خالق، فليس هو إلا الله سبحانه وتعالى. وهكذا دليل الفطرة: دليل الفطرة وهو أنه ما من مخلوق من إنس أو جن أو حيوان إلا ويجد في نفسه حاجة ملحة لإله يعبده ويتوجه إليه ويلتجئ إليه، ولهذا تجد المخلوقين حتى مع كفرهم ومع إلحادهم. إن وجد في الأرض ملحد وكافر بمعنى الكلمة، وأنكر مثل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحم الله وغيره، فإنه في الحقيقة عند تحقيق الحق كل كافر له إله يعبده، لكن هذا الإله يختلف من جهة إلى أخرى، فإنه يجد في نفسه حاجة ملحة تدفعه إلى إله ومعبود توجه إليه. فإذا كان كذلك لم يكن بد إلا بالتوجه إلى الله عز وجل الخالق الواحد العزيز الحكيم سبحانه. نكتفي بهذا القدر، ونكمل ما تبقى إن شاء الله في درس اللاحق، والله تعالى أعلم.