الدرس في كتاب الصلاة 74، الدرس الرابع والسبعون:(11-أما التشهد بعد سجدتي سجدتي السهو ...7-أن السلام يلي سجدتي السهو فلا يفصل بينهما بتشهد أو دعاء). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش حكم التشهد بعد سجدتي السهو مستندًا إلى أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية وتحليل حديث عمران بن حسين. يخلص إلى أن التشهد بعد سجدتي السهو ليس بسنة.
شرح الحديث الذي يرويه عبد الله بن بحينة عن النبي صلى الله عليه وسلم حين سها في الصلاة. استخلص منه وجوب سجود السهو لمن سها في الصلاة وأن التشهد الأول ليس بركن.
يتناول أهمية متابعة الإمام في الصلاة وأحكام سجود السهو. يشرح أن سهو الإمام يلحق بالمأمومين وأن سجود السهو يكون قبل السلام في حالة النقص.
تم اختتام الدرس عند هذا الحد مع الاعتراف بأن الله تعالى أعلم بكل شيء. يشير إلى انتهاء النقاش حول المواضيع المطروحة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من مسائل تتعلق بسجود السهو، شرحًا وتعليقًا على ما ذكره الحافظ عبدالغاني المقدسي رحمه الله من حديث في سجود السهو. وكان ما أخذناه الفائدة العاشرة تقريبًا. نعم، قال رحمه الله تعالى: الحادي عشر، أما التشهد بعد سجدتي السهو، فقد قال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ليس في شيء من أقواله صلى الله عليه وسلم أمر بالتشهد بعد السجود، ولا في الأحاديث الصحيحة المتلقاة بالقبول أن يتشهد بعد السجود. فلو كان تشهد لذكر ذلك من ذكر أنه تشهد -يعني بعد سجدتي السهو- فليس في الأحاديث الصحيحة ذكر للتشهد بعد سجدتي السهو، بل بعد سجدتي السهو يسلم مباشرة. قال: وعمدة من أثبت التشهد حديث عمران، وهو غريب، ليس لمن رواه متابع، وهذا يوهن الحديث، فهو حديث شاذ رواه الترمذي رحمه الله بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم فسهى، فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم. هذه رواية أشعث بن عبد الملك عن محمد بن سيرين بإسناده إلى عمران بن حسين. وقد بيّن الحفاظ أن هذا اللفظ خطأ تفرد به أشعث بن عبد الملك، وإن كان من الثقات الأثبات، لكنه خالف مجموعًا ممن هم أوثق منه، ولهذا نص الحفاظ على شذوذ هذه الرواية وضعفها. قال أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على الترمذي بعد أن ذكر هذا الحديث، ونقل عن ابن حجر في الفتح ضعفه عن البيهقي وابن عبد البر وجماعة: وأبان رحمه الله أن رواية أشعث مخالفة لغيره من الحفاظ عن ابن سيرين، وأن المحفوظ ليس فيها ذكر التشهد، بل ذكر بعض الحفاظ أن مسلم بن علقمة سأل ابن سيرين عنها، فقال: لم أسمع شيئًا -يعني في ذكر التشهد قبل التسليم وبعد سجدتي السهو- فدل أن هذا مما أخطأ فيه أشعث بن عبد الملك رحمه الله تعالى. فإذا هذا الفعل ليس بصواب، وخلاف السنة، وعمدته حديث ضعيف لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومما يستفاد من هذا الحديث كذلك، مع أحاديث أخرى: أن سهو المأموم يجبره الإمام. سهو المأموم يجبره الإمام. فإن الأحاديث كلها ليس فيها ذكر لسهو المأموم، وإنما فيها ذكر سهو الإمام أو المنفرد. وأما المأموم لم يذكر له سهو، وبهذا يعلم أنه لا سهو للمأموم، خلافًا لبعض من خالف في هذا كالأباضية ونحوهم، بعض الحنفية. ومذهب الأباضية والشيعة أكثره مأخوذ من مذهب بعض الأحناف، أخذوه عن بعض الحنفية. وذلك لأنهم اجتمعوا في تقديم العقل على النقل، فهم عقلانيون حتى في الفقه، عقلانيون حتى في الفقه، لا يبالون بمخالفة النصوص، ينظرون إلى العقل. فلذلك تجد أحدهم يسلم الإمام وهو يقوم. مرة صلى معنا إباضي، فإذا به يقوم وهو صلى معنا، ما لك؟ قال: لم أقرأ الفاتحة. ثم أنظر العجب يقوم يقرأ الفاتحة ويرجع يجلس ويسلم. أو تجده يسجد سجود سهو ويسلم. فينظرون إلى الأمور بالعقل لا بالشرع. ومما ينبه عليه -وقد سبق التنبيه من قبل- أن الأحاديث التي وردت في السهو كما رأينا، وسيأتي بعضها، ليس فيها ذكر سهو لشيء من الأقوال، وإنما كله في الأفعال. هذا بالنسبة لسجود السهو. ولا يلتبس علينا هذا مع كون من لم يقرأ الفاتحة عليه أن يأتي بركعة، ركعة كاملة. قد يقول قائل: هذا قول، يقول: نعم، قول، لكن ليس فيه سجود سهو، وإنما فيه ماذا؟ أن يأتي بالركعة. لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. فرق بين المسألتين. وهكذا كذلك مما نستفيده من هذا الحديث مع ما مر معنا: أن التثبت من النبي صلى الله عليه وسلم في حديثي ذي اليدين لا ينافي قبول خبر الواحد، بل خبر الواحد يقبل ما دام هو من أهل الأمانة وكذلك الصدق، فيقبل خبره. ولكن إذا وجدت القرينة التي تقتضي التثبت، فلا بأس بالتثبت. وهذا الذي وقع، كون ذو اليدين وحده يتكلم، ويوجد من هو أولى وأعلم منه، جعل النبي صلى الله عليه وسلم ماذا؟ يتثبت. فليس فيه دليل على رد خبر الواحد كما زعم بعضهم، بل على العكس فيه قبول خبر الواحد. لأنه تثبت من كم من عدد التواتر كما زعموا؟ لا، فعندهم التواتر ما يزيد عن المشهور، والمشهور عندهم ما كان بضعة عشر. فإذا في هذا دليل على قبول خبر الواحد، وليس العكس. وكذلك مما يدل عليه هذا الحديث، ما مر معنا من مسائل، فيه أنه في مسائل الشك كما تقدم: يتحرى، وبعد التحري إذا وقع الشك ولم يستطع الوصول إلى الصواب بنى على ماذا؟ على اليقين، وسجد سجدتين -سجدتي السهو- وجاء في بعض الروايات -وسيأتي معنا إن شاء الله- معناه كذلك: جاء في حديث أبي سعيد، ومعناه عن ابن عباس: أنه عليه الصلاة والسلام قال: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدري كم صلى، أثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشك وليبني على اليقين، ثم ليسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإلا فإن كانت تمامًا كانت ترغيمًا للشيطان» -أي سجود السهو- كانت ترغيمًا للشيطان. وكذلك مما يضاف ويذكر: أنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى الظهر خمسًا، والحديث في الصحيحين. فقيل له: أزيدت الصلاة يا رسول الله؟ فقال: «لا». وبين لهم أنه بشر ينسى كما ينسون، فسجد بعدما سلم، فسجد بعدما سلم. وهذا يدل على أن بعض السجود يكون قبل السلام، وبعضه يكون بعد السلام. وكما تقدم: بعضه للزيادة، قال: أنه ينظر إلى الزيادة، فما كان من زيادة فيسجد بعد السلام، وما كان من نقص فيسجد قبل السلام. هذا لأن أكثر الأدلة دلت على ذلك. وبعضهم قال غير هذا القول، وإن سجد قبل أو بعد، فالأمر -إن شاء الله- لا حرج. وإن كان الأولى أن يتحرى الدليل في كل مسألة إن استطع. وإن لم يستطع، فالأدلة دلت -بعد التأمل كما ذكر العلماء- على هذه القاعدة: الأغلب لعموم أن ما كان من نقص فقبل السلام، وما كان من زيادة فبعد السلام. قال رحمه الله تعالى: الحديث الثاني بعد المئة، عن عبد الله بن بحينة، قال: وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم الظهر، فقام في الركعتين الأوليين ولم يجلس، فقام الناس معه، حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه، كبر وهو جالس، فسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم سلم». أورد الحافظ عبدالغاني المقدسي رحمه الله هذا الحديث كذلك في هذا الباب -باب سجود السهو- وهو مما انفرد بروايته الإمام مسلم رحمه الله. فقد رواه الإمام مسلم بطرق، وأقرب الطرق إلى هذا اللفظ ما رواه من طريق الشيخ يحيى بن يحيى، فقال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك عن ابن شهاب عن الأعرج عن عبد الله بن بحينة رضي الله عنه إلى آخر الحديث. غير أنه قال بدلًا: «و» انتظر الناس «تسليمه»، قال: «ونظروا تسليمه، فكبر فسجد سجدتين وهو جالس». ففيه تقديم وتأخير جملة: «وهو جالس» بعد قوله: «فسجد سجدتين»، قال: «وهو جالس قبل أن يسلم، ثم سلم». قال الشارح رحمه الله: المعنى الإجمالي: صلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الظهر، فلما صلى الركعتين الأوليين قام بعدهما ولم يجلس للتشهد -ولم يجلس للتشهد الأول- فتابعه المأمومون على ذلك، حتى إذا صلى الركعتين الأخريين وجلس للتشهد الأخير وفرغ منه، وانتظر الناس تسليمه، كبر وهو في جلوسه، فسجد بهم سجدتين قبل أن يسلم -مثل سجود صلب الصلاة- ثم سلم. وهذا أخذه من بعض الروايات: «فسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلم». قال: ما يؤخذ من الحديث: أولًا: وجوب سجود السهو لمن سها في الصلاة وترك التشهد الأول. فمن ترك واجبًا أجزأه أن يسجد سجود سهو فيه، بخلاف الركن. الركن لا يجبره سجود السهو، لا يجبره سجود السهو. فمثلًا: من نسي الركوع، قرأ الفاتحة ثم أهوى إلى السجود، نسي الركوع، عليها أن يأتي بركعة كاملة؛ لأنه ترك ماذا؟ ركنًا. وهل يسجد للسهو؟ الجواب: نعم، يسجد للسهو؛ لماذا؟ لأنه نسي في صلاته، نسي في صلاته. يأتي بركعة كاملة ويسجد سجود سهو، لكن لا يسجد سجود سهو ويترك الركوع؛ لأنه ترك ركنًا، والركن لا يجبره سجود السهو. قال رحمه الله: ثانيًا: أن التشهد الأول ليس بركن. ولو كان ركنًا لما جبر النقص -لما جبر النقص- أو لما جبر النقص به سجود السهو. نعم، لما جبر النقص به سجود السهو. ويؤخذ وجوبه من أدلة أخرى. وهذا دليل على وجوبه، هذا الحديث كفى به دليلًا على وجوبه. قال: ثالثًا: أن تعدد السهو يكفي له سجدتان. فإن النبي صلى الله عليه وسلم ترك هنا الجلوس والتشهد معًا -ترك الجلوس والتشهد- الجلوس فعل، والتشهد قول مع فعل، قول مع فعل. فكفى فيه ماذا؟ سجدتين فقط. قال: رابعًا: أهمية متابعة الإمام، حيث أقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على متابعته وتركهم الجلوس مع علمهم بذلك. وهكذا يفعل مع الإمام -يعني لا يقول أن أحدًا نحن سنجلس ونقرأ التشهد الأول ولو قام الإمام- لا، بل يتابع الإمام في ذلك. قال: فقد زاد النسائي وابن خزيمة والحاكم: «فسبحوا به، فمضى حتى فرغ من صلاته». وهذه اللفظة جاءت في حديث آخر، ليس في حديث عبد الله بن بحينة، وهو يدل أنها قصة أخرى. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم، ولما استوى قائمًا وسبح به، فمضى في صلاته حتى إذا فرغ سجد سجدتي السهو. وروي موقوفًا عن بعض الصحابة. ثم قال في آخره: حين انصرف، قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع كما صنعت». والحديث حسنه العلامة الألباني رحمه الله، ذكره في الإرواء وفي الصحيحة في المجلد الثاني حديث تسعمئة وواحد. وقد جاء حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إليه الألباني رحمه الله مصححًا له في الموضع المشار إليه، فيه قاعدة في هذا الباب، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا قام الإمام في الركعتين فإن ذكر قبل أن يستوي قائمًا فليجلس، فإن استوى قائمًا فلا يجلس وليسجد سجدتي السهو». وفي هذا دليل على أن الحركة اليسيرة قبل وقوع القيام لا تمنع سجود السهو -يعني لو ارتفعت ركبتاه ولكنه لم يستوي قائمًا ثم تذكر أن عليه التشهد الأول فقعد- هذا لا يوجب سجود سهو بنص هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. أما إذا استتب قائمًا فهنا لا يجوز له أن يرجع إلى التشهد؛ لأنه سينتقل من هذا الموضع الذي هو ركن إلى واجب. وهنا نهى النبي صلى الله عليه وسلم المصلي أن يرجع. وقال بعض أهل العلم: لو فعل ذلك عامدًا بطلت صلاته. لكن الغالب لا يفعل أحد هذا عامدًا، قد يفعله الإنسان على وجه الارتباك والخطأ. فإذا وقع هل تبطل الصلاة؟ الصحيح: لا تبطل الصلاة. بعض العامة إذا سمعوا التسبيح ارتبكوا وجلسوا، ثم تجد الناس يصيحون: «بطلة الصلاة، بطلة الصلاة». لا، بل صلاته صحيحة؛ لأنه فعل ذلك على وجه الجهل والخطأ، وهذا هو الغالب، وهذا لا يبطل الصلاة. قال رحمه الله تعالى: خامسًا: أن سهو الإمام يلحق بالمأمومين؛ لأنهم تركوا التشهد عمدًا، والمتعمد ليس عليه سهو لترك الواجب، وإنما تبطل صلاته في غير مثل هذه الصورة. لكن هم تركوا لأجل ماذا؟ لأجل متابعة الإمام. تركوا لأجل متابعة الإمام. ففي هذا من الفوائد: وجوب متابعة المأموم للإمام. وكما قال عليه الصلاة والسلام: «فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم». وفيه ثانيًا كذلك: أن الإمام يجبر -كما تقدم- خطأ ماذا؟ المأموم. أن الإمام يجبر خطأ المأموم. وقوله: «وإنما تبطل صلاته في غير مثل هذه الصورة» -يعني لو لو تعمد المأموم وهو يصلي -مثلًا- منفردًا تعمد أن يقوم من دون أن يجلس ويتشهد تشهد الأول، لكانت صلاته باطلة؛ لماذا؟ لأنه تعمد ترك واجب. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» -أي عمله مردود- والواجب أن نصلي كما صلى: «صلوا كما رأيتموني أصلي». فلا يجوز للمسلم أن يتعمد تغيير صفة الصلاة. أما إذا وقع خطأ فهذا شيء آخر. قال: سادسًا: أن السجود في مثل هذه الحال يكون قبل السلام، بدليل هذا الحديث، وهو يؤيد القاعدة السابقة: أن ما كان من نقص قبل السلام، وما كان من زيادة فماذا؟ فبعد السلام. هذا هو الغالب، العموم. وإن كان جاء في بعض الأحاديث ما يخالف ذلك. فلهذا قال بعض أهل العلم: في بعض الصور لو أنه يلتزم بما ورد -كما ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله وغيره- لكان هذا الأولى. لكن هذا شاق وصعب على بعض طلبة العلم فضلًا عن عامة الناس أن يحفظ كل الصور ويقيس ويقيس عليها ما كان مثلها. هذا صعب. لكن هذه القاعدة تسهل وتيسر على الناس. ولو قدر أن أحدًا أخطح فسجد قبل لما هو بعد أو بعد لما هو قبل، فالأمر واسع وسهل؛ لأنه لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على التشديد في هذا الباب. قال رحمه الله: سابعًا: أن السلام يلي سجدتي السهو، فلا يفصل بينهما بتشهد أو دعاء، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام -بدليل فعله عليه الصلاة والسلام- في قول الراوي: «فسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلم». ولم يذكر تشهدًا ولا دعاء. وهكذا جاء في الأحاديث الأخرى. طيب، نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا -والله تعالى أعلم-.