الخطبة بعنوان وجوب صلاة الجماعة وخطورة من تركها، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
استهل الخطيب بالثناء على الله وحمده، والصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه أجمعين.
أكد الخطيب وجوب صلاة الجماعة على الرجال عينًا مستدلًا بآيات صلاة الخوف وأمر الله بالركوع مع الراكعين، وبأحاديث الوعيد الشديد للمتخلفين عنها كحديث أبي هريرة في وصفهم بالنفاق، ونقل عن ابن عمر سوء الظن بمن يفوت صلاة العشاء والفجر في الجماعة.
استعرض المقطع أدلة من القرآن والسنة على أن التخلف عن صلاة الجماعة من صفات المنافقين، مستشهدًا بتهديد النبي ﷺ بإحراق بيوت المتخلفين، وعدم ترخيصه للأعمى بالصلاة في بيته، وسير الصحابة على إنكار التخلف عنها واعتبارها علامة نفاق.
بين الخطيب فضائل صلاة الجماعة العظيمة كمضاعفة الأجر بسبع وعشرين درجة، وأجر الخطوات الماحية للذنوب الرافعة للدرجات، مع ضرب الأمثلة من السيرة النبوية على حرص الصحابة على بعد المساكن لنيل أجر المشي، مبينًا الفوائد الإيمانية والاجتماعية للجماعة كتحصيل الخشوع وتقوية أواصر الأخوة.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: خطبة الجمعة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله: قد عرفنا جميعًا أهمية الصلاة، وأنها من أعظم الواجبات، وأنها ركن الإسلام الثاني، وأنها الفارقة بين المسلم والكافر، والأدلة على ذلك من القرآن والسنة كثيرة. واعلموا عباد الله أن الشيطان حريص على إبعاد هذا المسلم عن هذه العبادة العظيمة الجليلة. فإن قدر على أن يجعل المسلم من التاركين لها والمتهونين في أدائها لفعل. فإن لم يتمكن من صد المسلم عن أداء هذه الصلاة، فإنه يحرص على أن يجعله من المتكاسلين عن حضور الجماعة. ومعلوم أنه إذا تخلف عن الجماعة فإن ذلك يؤدي مع التردد إلى التهون في أداء الصلاة في أوقاتها. هكذا إذا لم يتمكن من ذلك، فإنه يحرص غاية الحرص على أن يؤخر هذا المصلي عن حضور الجماعة. وهذا واقع كثير من المسلمين: ترى النصب الشديد، كثيرًا من الناس من صار تاركًا لهذه الصلاة، لا يعرف طريقًا إلى مسجد، ولا يؤدي هذه الصلاة في بيته. وهكذا ترى كثيرًا من المسلمين من يتهاونون في أداء هذه الصلاة في الجماعة. ترى أعدادًا كبيرة من المسلمين من يكونون مجاورين للمسجد ثم لا يعرفون طريقًا إلى هذه المساجد، ولا يرون في هذه البيوت التي أذن الله سبحانه وتعالى أن يذكر فيها. وهكذا ترى كثيرًا من المسلمين من يأتي إلى صلاة الجماعة لكنهم يتأخرون، فمنهم من تفوتهم الركعة، ومنهم من تفوتهم الركعات، ومنهم من لا يعرف صلاة الجماعة إلا في الجماعة الثانية. عباد الله: إن صلاة الجماعة شأن عظيم، والواجب على المسلم أن يعرف أن الله سبحانه وتعالى قد أوجب هذه الصلاة - صلاة الجماعة - على الرجال وجوبًا عينيًا إلا من عذر. ومما يدلنا على ذلك أدلة من القرآن والسنة، وما كان عليه سلف هذه الأمة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾. انظروا عباد الله كيف أمرهم الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾. الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم يعتبر أمرًا لهذه الأمة إلا ما دل الدليل على أن هذا من الخصائص. فالله سبحانه وتعالى أمر المقاتلين بأن يصلوا الصلاة في جماعة. ما هو معلوم من صلاة الخوف في جماعة: كيف يحصل التنقل، وكيف تكثر الحركات، وكيف يكون الالتفات، وكيف يكون الخوف، بل وأيضًا قد يتركون استقبال القبلة. ومع ذلك فقد أمرهم الله سبحانه وتعالى بأداء هذه الصلاة في جماعة. هذا يدلنا دلالة واضحة على أن صلاة الجماعة تعتبر واجبة. فلو كان أحد يُعذر بالتخلف عنها لعذر هذا المجاهد الذي هو في رعب وخوف، وهو الذي هو في أقدام وكرب وجد، والذي هو في تلفت وحركات وتنقلات، ومع ذلك أمره الله سبحانه وتعالى بأداء هذه الصلاة في جماعة. وهكذا يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. فيها دلالة على أن هذه الصلاة تؤدى في جماعة. وهكذا عباد الله، من السنة: حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي قال فيه: «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا. ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار». انظر عباد الله إلى هذا الحديث وما تضمنه من أنواع الوعيد لهؤلاء المتخلفين. أولاً: وصف هؤلاء المتخلفين عن صلاة الجماعة بالنفاق، ومعلوم خطورة النفاق وما يؤدي إليه من قسوة القلب والغفلة عن ذكر الله، وما توعد الله عز وجل به المنافقين من النار والعذاب الأليم. وصف هؤلاء المتخلفين بأنهم منافقون، وأن المنافقين أثقل الصلاة عليهم هي صلاة العشاء وصلاة الفجر. ولقد ثبت عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: «كنا إذا افتقدنا الرجل في صلاة العشاء الآخرة وصلاة الفجر أسأنا به الظن». أسأنا به الظن. فمن صفات وعلامة المنافقين التخلف عن الصلاة. والله يقول في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. ويقول الله: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾. فهذه الخصلة الأولى: التقاعس عن صلاة الجماعة من صفات المنافقين. هؤلاء المنافقون الذين لو علموا أن هناك مطمعًا من مطامع الدنيا لهرولوا ولسارعوا. وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقًا سمينًا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء». يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم أحدهم - أي أحد المنافقين - أنه يجد عرقًا سمينًا، أي عظمًا صغيرًا عليه بقية من اللحم، لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقًا سمينًا، عظمًا صغيرًا عليه بقية من اللحم، أو مرماتين حسنتين - وهو اللحم الذي يكون بين الضلعين، وقيل بين الضلفين - لشهد العشاء». هكذا شأن المنافقين: أنهم يتقاعسون عن هذه الأجور العظيمة، ويرغبون في الدنيا، ويتنافسون في تحسينها. ثم هدد النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بتهديد عظيم: «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق مع رجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون معنا الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار». انظروا عباد الله: فيه همّ النبي صلى الله عليه وسلم أن يحرق لهؤلاء المتخلفين بيوتهم بالنار، فتذهب نفوسهم وتذهب أموالهم عقوبة لهم على هذه المعصية، ويتخلف عن صلاة الجماعة. وهكذا عباد الله: مما يدلنا على وجوب صلاة الجماعة ما رواه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «يا رسول الله، ليس لي قائد يقودني إلى المسجد». فسأل النبي عليه الصلاة والسلام أن يرخص له أن يصلي في بيته، فرخص له. فلما ولي دعاه، فقال: «أ تسمع النداء بالصلاة؟» قال: نعم. قال: «فأجب». رواه مسلم. وفي مسند الإمام أحمد من حديث ابن أم مكتوم: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل ذات يوم المسجد فوجد رِبْقَة في الناس، وجد عددًا قليلاً، فأنكر ذلك وتغير، وقال: «لقد هممت أن أخالف إلى بيوت هؤلاء فأحرق عليهم بيوتهم». فقال يا رسول الله... قال ابن أم مكتوم: «يا رسول الله، إن بيني وبين المسجد نخلًا وشجرًا، وليس عندي قائد يلازمني - يعني يتواجد في كل وقت - وليس عندي قائد يلازمني، أفأصلي في بيتي؟» قال: «أ تسمع النداء بالصلاة؟» قال: نعم. قال: «فأتها». قال: «فأتها». وهو رجل ضرير كما في رواية أبي داود، والرواية الأولى صحيحة. وكما في رواية أبي داود قال: «يا رسول الله، إني رجل ضرير، شاسع الدار، وليس لي قائد، أفأصلي في بيتي؟» قال: «لا أجد لك رخصة». قال: «تسمع النداء بالصلاة؟» قال: نعم. قال: «لا أجد لك رخصة». انظر وتأمل عباد الله: كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يرخص لهذا الرجل الأعمى الذي أتى بهذه الأعذار الكثيرة؟ بينه وبين المسجد مسافة كبيرة، وليس له قائد يتواجد في كل وقت وحين، ومع ذلك قال له: «أ تسمع النداء بالصلاة؟» قال: نعم. قال: «فأجب». «فأتها». «ليس لك رخصة» بالتخلف عن صلاة الجماعة. فكيف بالذين من الله عليهم بالصحة والعافية ونعمة البصر، وقد تكون بيوتهم قريبة من المسجد؟ فانظروا عباد الله إلى هؤلاء المتخلفين وهؤلاء المتهاونين الذين يتقاعسون عن أداء الصلاة، الذين يتقاعسون عن أداء الصلاة في جماعة، والنبي صلى الله عليه وسلم شدد على هذا الصحابي وإن كان أعمى. وهكذا عباد الله: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يهتمون غاية الاهتمام بشأن صلاة الجماعة، وينكرون أشد الإنكار على من تخلف عنها. كما في مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: «من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هذه الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى، وإن من سنن الهدى أن تصلى في المسجد الذي ينادى فيه». قال: «ولو صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم». قالوا: «لقد رأيتنا» - وهذا موضع الشاهد - «ولقد رأيتنا» أي في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، «وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق». ولقد كان يؤتى بالرجل يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف. يؤتى بالرجل الضعيف أو المريض أو الكبير في السن. ولقد كان يؤتى بالرجل يهادى بين الرجلين، يمشي بين الرجلين ويأخذون بعضديه ويمسكون بيده حتى يمشي معهم إلى المسجد. ولقد كان يؤتى بالرجل يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف. هكذا عباد الله: ولقد رأيتنا، وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق. كان عندهم يعتبر من المنافقين، وكان منبوذًا ومهجورًا ومنكرًا عليه. ونحن للأسف الشديد... يعني المتخلف عن صلاة الجماعة يعتبر حبيبًا عندنا وأخًا وصديقًا وأكيلًا وشريبًا، لا يجد كثيرًا من الإنكار من كثير من الناس، مع أنه يتخلف عن هذه العبادة التي كان التخلف عنها يعتبر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من صفات المنافقين. واعلموا عباد الله أن صلاة الجماعة التي خطبنا بها وطولبنا بأدائها إنما هي أداؤها في المساجد، هذه البيوت التي نوه الله بذكرها، فقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. وهكذا في الآية الأخرى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ﴾. وهكذا الأحاديث الكثيرة التي فيها الأمر بالحضور إلى المساجد لأداء الجماعة. فمن هنا نعلم أن المشروع هو أداء هذه الجماعة في هذه البيوت، في هذه المساجد. وأما التخلف عن هذه البيوت وأداء هذه الجماعة في أماكن أخرى فهذا يؤدي إلى التقليل من أهمية هذه المساجد، ويؤدي إلى قلة عدد المصلين، ويؤدي إلى حصول التهاون بأمر هذه الجماعة. إن من كان عنده عذر، كأن يكون المسجد بعيدًا من بيته، فلا بأس أن يصلي هو ومن معه في ذلك المكان البعيد عن المسجد. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضى. الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن صلاة الجماعة شأن عظيم، وأمرها كبير، وفضائلها عديدة وعظيمة وكثيرة. فالله سبحانه وتعالى كما سمعتم في الآيتين العظيمتين أشاد بهذه البيوت وأشاد بعمّارها. وهكذا كان من أوائل عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قدم المدينة أنه أمر ببناء المسجد. وهكذا الفضائل والحسنات عظيمة وكثيرة. من هذه الفضائل في حضور صلاة الجماعة: أنه ينال بمضاعفة الأجور. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث ابن عمر: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة». ويقول عليه الصلاة والسلام: «صلاة الرجل في الجماعة تفضل على صلاته في بيته وفي سوقه بخمس وعشرين درجة» بخمس وعشرين درجة. رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة. فانظروا عباد الله إلى هذه الأجور العظيمة المضاعفة المضمونة التي أخبر عنها الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، أجر معلوم ومضمون. ولكن حال كثير من الناس كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. وإذا أردت أن تتأكد من ذلك فانظر إلى حال كثير من الناس: إذا أعلن عن مشروع ومساهمة في شركة أو مؤسسة، وكان الربح المعلن عنه هو سبعة وعشرون، يعني مائة في المئة أو مائتين في المئة أو ألف بالمئة، فكيف إذا كان ألفين وسبعمائة في المئة؟ لو وجدت تزاحمًا وتدافعًا ومقاتلة ومسارعة ومنافسة في الوصول للمساهمة في هذه الشركة. ومع ذلك الله أعلم: هل يجدون هذه الفوائد المعلن عنها أو لا يجدونها؟ أما في حسنات الآخرة وفي أرباح الأعمال الصالحة فإنك تجد تقاعسًا عند كثير من الناس. وهكذا عباد الله: من فوائد حضور صلاة الجماعة أن العبد يؤجر بخطواته إلى المسجد، يؤجر بخطواته إلى المسجد. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في مسلم من حديث أبي هريرة: «من تطهر في بيته ثم مضى إلى بيت من بيوت الله ليؤدي فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداهما تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة». إحداهما تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة. وكلما كان العبد أبعد عن المسجد كان أعظم أجرًا في الصلاة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري: «أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى، فأبعدهم، أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى، فأبعدهم». كلما بعدت المسافة عن المسجد وأتاها ماشيًا فإن الحسنات العظيمة والسيئات الكثيرة: الحسنات التي ترفع والسيئات التي تحط. وفي مسلم من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه قال: «كان رجل لا أعلم رجلًا أبعد من المسجد منه، وكانت لا تخطئه صلاة». أبعد الناس عن المسجد، وكانت لا تخطئه صلاة. فقيل له: «لو أنك اشتريت حمارًا تركبه في الظلماء والرمضاء» في الليالي، في ظلمة الليل وفي شدة الحر. قيل له: «لو اشتريت حمارًا تركبه في الظلماء والرمضاء». قال: «ما يسرني أن بيتي بجانب المسجد، إني أريد أن يكتب لي مشيي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي». فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «قد جمع الله لك ذلك كله». وهكذا في مسلم من حديث جابر رضي الله عنه قال: «خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أردتم أن تنتقلوا قرب المسجد؟ قالوا: أجل يا رسول الله. قال: يا بني سلمة، دياركم تكتب آثاركم». وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة منزلًا كلما غدا أو راح». وهكذا عباد الله: من فوائد حضور صلاة الجماعة تحصيل الخشوع. معلوم الفرق بين صلاة الرجل للفريضة في بيته منفردًا وبين صلاته في الجماعة، فإنه يشعر أنه في صلاة بسبب المجاورين له، بسبب ما يسمع من القراءة. وهكذا الفوائد الإيمانية: ما يسمع من آيات، لعل غافلًا يستيقظ، ولعل مذنبًا يتوب، ولعل مقصرًا يسارع إلى مرضاة الله. وهكذا ما يحصل فيها من تقوية الأواصر الدينية، أواصر الأخوة بين المسلمين، حيث يصلي الفقير بجانب الغني، والرئيس بجانب المرؤوس، والشريف بجانب الوضيع. وهكذا يصلي الناس بعضهم بجانب بعض، يسأل بعضهم عن بعض، ويرى بعضهم بعضًا، يتراحمون ويتعاطفون ويتواسون لبعض. لا شك أن هذه فوائد عظيمة وكثيرة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا وإياكم لطاعته، إنه سميع الدعاء. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.