الدرس في تفسير سورة الصف من تفسير الجلالين 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
سورة الصف مكية أو مدنية، وتتحدث عن تنزيه الله تعالى وتقديسه وتحذر من القول بما لا يفعل. نزلت بعض آياتها في المدينة بسبب سؤال عبد الله بن سلام للنبي صلى الله عليه وسلم.
يناقش تفسير بعض الآيات ويوضح معاني الأسماء والصفات الإلهية مثل العزيز والحكيم. اللغة العربية لغة المباني والمعاني ولا يوجد فيها شيء زائد بدون معنى.
يثبت صفة المحبة لله تعالى كما أثبتها لنفسه دون تحريف. يشير إلى أهمية الترتيب في القتال في سبيل الله مستشهداً بآيات قرآنية.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم جيشه إلى أقسام مختلفة مثل الميمنة والميسرة. هذا الترتيب والتنظيم مهم في الجهاد في سبيل الله لما يعزز قوته ويساعد على نصره.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾. قال المفسر رحمه الله: سورة الصف مكية أو مدنية، أربع عشرة آية. بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، أَيْ نَزَّهَ، فَاللَّامُ مَزِيدَةٌ، وَجِيءَ بِمَا دُونَ مِنْ، تَغْلِيبًا لِلْأَكْثَرِ، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ فِي مَلَكِهِ الْحَكِيمُ فِي صَنْعِهِ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ فِي طَلَبِ الْجِهَادِ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، إِذْ انْهَزَمْتُمْ بِأُحُدٍ، كَبُرَ عَظُمَ مَقْتًا، تَمَيَّزَ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا فَاعِلٌ، كَبُرَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ﴾، يَنْصُرُ وَيُكْرِمُ، الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا، حَالٌ، أَيْ صَافِّينَ، كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ، مُلْتَصِقٌ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ، ثَابِتٌ. بسم الله الرحمن الرحيم، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. أَمَّا بَعْدُ، هَذِهِ السُّورَةُ، سُورَةُ الصَّفِّ، سُورَةٌ، قِيلَ: مَكِّيَّةٌ أَوْ مَدَنِيَّةٌ، أَرْبَعَ عَشْرَةَ آيَةً، وَالصَّحِيحُ أَنَّ أَكْثَرَهَا مَدَنِيَّةٌ، وَبَعْضُهَا آيَاتٌ مَكِّيَّةٌ، كَمَا سَيَأْتِي مَعَنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالسُّوَرُ مِنْ عَلَامَاتِ السُّوَرِ الْمَدَنِيَّةِ أَنَّهَا تَسْتَفْتِحُ غَالِبًا بِذِكْرِ أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْوَالِ الْمُؤْمِنِينَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ فِي الْعَهْدِ الْمَدَنِيِّ، وَمِنْ ذَلِكَ السُّوَرُ الَّتِي تَسْتَفْتِحُ بِالتَّسْبِيحِ، فَإِنَّهَا فِي الْغَالِبِ تَكُونُ فِي الْمَدِينَةِ، وَهَذَا مِنْهَا. وَقَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَيْ نَزِّهْ، فَلَامٌ مَزِيدَةٌ، قَبْلَ ذَلِكَ جَاءَ، وَأَشَارَ فِي التَّعْلِيقِ إِلَى أَنَّ السُّورَةَ كَانَ لَهَا سَبَبُ النُّزُولِ، وَهُوَ مَا جَاءَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، قَالَ: «تَذَاكَرْنَا بَيْنَنَا، وَقُلْنَا: أَيُّكُمْ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَسْأَلُهُ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: فَهَبْنَا أَنْ يَقُومَ أَحَدٌ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْنَا رَجُلًا حَتَّى جَمَعَنَا، فَجَعَلَ بَعْضُنَا يُشِيرُ إِلَى بَعْضٍ، فَقَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِلَى قَوْلِهِ: كَبُرَ مَقْتًا﴾، قَالَ: فَتَلَاهَا مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا» الْحَدِيثَ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَغَيْرُهُمَا. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَوَّلًا: سَبَبُ نُزُولِ أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾، وَفِيهِ كَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أَوَّلُهَا نَزَلَتْ فِي الْمَدِينَةِ، وَدَلِيلُ ذِكْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، فَإِنَّمَا أَسْلَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ فِي الْمَدِينَةِ، وَكَانَ مِنْ يَهُودِ الْمَدِينَةِ. وَكَذَلِكَ فِيهَا مِنْ الْمَسَائِدِ: دَلِيلٌ مِنْ دَلَائِلِ رِسَالَتِهِ، وَعَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، إِذْ أَخْبَرَهُمْ بِمَا أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ مَا كَانُوا يُرِيدُونَ أَنْ يَسْأَلُوهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ سَمِعَ حَدِيثَهُمْ، فَأَوْحَى إِلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجِيبَهُمْ بِأَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي نَزَلَتْ، وَكَانَ مِنْ سَبَبِ نُزُولِهَا سُؤَالُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُ. وَفِيهِ رَابِعًا: فَضْلُ مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَأَوَّلِهَا مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا. وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، نَزِّهْ، وَنَزِّهَ، سَبَّحَ، نَزِّهَ، يَعْنِي: مِنْ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ نَزِّهَ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، كَمَا تَقَدَّمَ مَعَنَا، وَتَكَرَّرَ فِي سُوَرٍ سَابِقَةٍ، أَنَّ مَا تَشْمَلُ مَا لِلْعَاقِلِ وَلِغَيْرِ الْعَاقِلِ، أَيْ: كُلُّ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ إِنْسٍ وَجِنٍّ وَحَيَوَانٍ وَنَبَاتٍ وَجَمَادٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَكُلُّهُ يُسَبِّحُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، تَنْزِيهًا وَتَعْظِيمًا، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَاللَّامُ مَزِيدَةٌ، فَقَدْ تَقَدَّمَ مَعَنَا، وَتَكَرَّرَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى الصَّحِيحِ شَيْءٌ مَزِيدٌ، وَمَا قِيلَ: إِنَّهُ مَزِيدٌ، فَأَقَلُّهُ أَنْ يَكُونَ صِلَةً وَتَأْكِيدًا، وَالْقَاعِدَةُ: أَنَّ الْعَرَبِيَّةَ لُغَةُ الْمَبَانِي وَالْمَعَانِي، فَلَا يُوجَدُ مِنْ الْمَبَانِي مَا لَيْسَ لَهُ مَعْنًى أَبَدًا، بَلْ كُلُّ مَبْنًى يُوضَعُ، فَلَهُ مَعْنًى، لَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا جَمَالُ لُغَةٍ وَتَأْكِيدُ الْمَعْنَى، وَهَذَا أَقَلُّ مَا يُقَالُ فِي اللَّامِ هَا هُنَا. إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ كَذَلِكَ لَهَا مَعْنًى، هُوَ إِثْبَاتُ الِاسْتِحْقَاقِ وَالِاخْتِصَاصِ بِهَذَا الْوَصْفِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَيْ: لَا يُشَارِكُهُ بِهَذَا أَحَدٌ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَعَانِي الَّتِي يُسْتَفَادُ مِنْهَا بِإِضَافَةِ هَذَا الْحَرْفِ. وَقَوْلُهُ: وَجِيءَ بِمَاءٍ دُونَ مِنْ، تَغْلِيبًا لِلْأَكْثَرِ، يَعْنِي: لِأَنَّ الْأَكْثَرَ غَيْرُ عَاقِلٍ، الْجَمَادَاتُ وَغَيْرُهَا أَكْثَرُ، أَيْ: غَيْرُ الْعَاقِلِ مِنَ الْعَاقِلِ، هَكَذَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالتَّفْسِيرِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ: ذِكْرُ التَّعْمِيمِ فِي هَذَا التَّنْزِيحِ وَالتَّسْبِيحِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَعَلَى الْقَاعِدَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ مَعَنَا: اخْتِلَافُ الْمَبْنَى يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَعْنَى، فَإِنَّ مَا قُصِدَ بِهَا مَا هُوَ أَعَمُّ وَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ تَغْلِيبًا لِمَعْنًى مِنْ. وَكَمَا نَقُولُ كَذَلِكَ فِي نَزِّهَ بِالنِّسْبَةِ لِسَبَّحَ، فَإِنَّ التَّنْزِيحَ خَالٍ مِنْ مَعْنَى الثَّنَاءِ، وَأَمَّا التَّسْبِيحُ فَهُوَ تَنْزِيهٌ وَزِيَادَةٌ، فَفِيهِ ذِكْرُ الْمَحَامِدِ وَالثَّنَاءِ مَعَ التَّنْزِيحِ وَالتَّقْدِيسِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾، قَالَ: فِي مُلْكِهِ، وَهَذَا مِنْ التَّفْسِيرِ بِبَعْضِ الْمَعْنَى، بَلْ هُوَ الْعَزِيزُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي ذَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ كُلِّهَا، وَمِنْ ذَلِكَ مُلْكُهُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَقَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ: الْحَكِيمُ فِي صَنْعِهِ، هَذَا كَذَلِكَ تَفْسِيرٌ بِبَعْضِ الْمَعْنَى، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ الْحَكِيمُ فِي ذَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ كُلِّهَا، وَمِنْ ذَلِكَ فِي صَنْعِهِ. وَاسْمُهُ الْعَزِيزُ وَالْحَكِيمُ يَتَضَمَّنُ صِفَةً تَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ، فَالْعَزِيزُ يَتَضَمَّنُ صِفَةَ الْعِزَّةِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ، وَالْحَكِيمُ يَتَضَمَّنُ صِفَةَ الْحِكْمَةِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ. وَالْمُعَطِّلَةُ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْكَلَابِيَّةِ وَالْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ، يُنْفُونَ هَذِهِ الصِّفَاتِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُعَطِّلُ الْأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ مُطْلَقًا، كَالْجَهْمِيَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَطِّلُ الْأَسْمَاءَ وَيَجْعَلُهَا خَالِيَةً مِنْ الصِّفَاتِ، كَالْكَلَابِيَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُثْبِتُ بَعْضَ الصِّفَاتِ دُونَ بَعْضٍ، أَوْ يُفَسِّرُ الصِّفَاتِ وَيَرُدُّهَا إِلَى بَعْضِ الصِّفَاتِ، كَالْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ، وَكُلُّ هَذَا خَطَأٌ. فَطَرِيقَةُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْكَلَابِيَّةِ وَالْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، كُلُّهَا فِيهَا تَعْطِيلٌ لِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّنَا نُثْبِتُ لِلِاللَّهِ أَسْمَاءً مُتَضَمِّنَةً لِصِفَاتٍ تَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. وَكَمَا أَنَّنَا نُثْبِتُ ذَاتًا لَا تُلْتَوَى، فَنُثْبِتُ لِلَّهِ أَسْمَاءً وَصِفَاتٍ تَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ، لَيْسَ كَمِثْلِهَا فِي الْمَخْلُوقِينَ شَيْءٌ. وَالْقَوْلُ فِي الصِّفَاتِ فَرْعٌ عَنْ الْقَوْلِ فِي الذَّاتِ. وَقَوْلُ سُبْحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ﴾، قَالَ: فِي طَلَبِ الْجِهَادِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْآيَةَ وَإِنْ نَزَلَتْ فِي هَذَا السَّبَبِ، إِلَّا أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَفِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ، أَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ عَامٌ لِمَا تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَمِنْهُ طَلَبُ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، قَالَ: إِذْ هَزَمْتُمْ بِأُحُدٍ، وَأَشَارَ فِي التَّعْلِيقِ، قَالَ: يُشِيرُ لِمَا جَاءَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ، وَقَوْلِ طَائِفَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بَعْدَمَا سَمِعُوا مَدْحَ الْجِهَادِ، فَقَالُوا: لَوْ لَقِينَا قِتَالًا لَفَرَرْنَا، وَقَالُوا مَا قَالُوا فِيمَا وَقَعُوا فِيهِ مِنْ فِرَارِ يَوْمِ أُحُدٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ، كَالْعَاتِبِ لَهُمْ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيمَا صَدَرَ مِنْ قَوْلٍ فِيمَا صَدَرَ مِنْ قَوْلٍ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ مُقْدَامًا لِأَوَامِرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مَا اخْتَارَهُ اللَّهُ لَهُ خَيْرٌ مِمَّا يَخْتَارُهُ لِنَفْسِهِ، خَيْرٌ مِمَّا يَخْتَارُهُ لِنَفْسِهِ، فَلَا يَكُونَ مَا أَصَابَهُ مِنْ ابْتَلَاهُ فِي يَوْمِ أُحُدٍ سَبَبًا لِلتَّقَاعُصِ، أَوْ سَبَبًا كَذَلِكَ لِحُصُولِ سُوءِ الظَّنِّ، بَلْ الْوَاجِبُ أَنْ يَعْلَمَ الْمُسْلِمُ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ. ثُمَّ مَا أَصَابَهُ فَإِنَّهُ بِسَبَبِ تَقْصِيرِهِ وَذُنُوبِهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا﴾، قُلْتُمْ: ﴿أَنَّى هَذَا﴾، قُلْ: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾، أَيْ: هَذَا بِسَبَبِ مَا كَانَ مِنْكُمْ مِنْ تَقْصِيرٍ، وَهَذَا تَأْدِيبٌ مِنْ اللَّهِ الْحَكِيمِ الْعَزِيزِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِعِبَادِهِ. وَكَذَلِكَ فِي هَذَا حِكْمَةُ اللَّهِ فِي ابْتِدَاءِ هَذِهِ السُّورَةِ بِاسْمِهِ الْعَزِيزِ وَالْحَكِيمِ، مَعَ مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ مِمَّا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ﴾، قَالَ: يَنْصُرُ وَيُكْرِمُ، كَمَا أَرَادَ، لَكِنَّ هَذَا عَلَى الصَّحِيحِ تَفْسِيرٌ خَاطِئٌ، بَلْ نُثْبِتُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ مِنْ صِفَةِ الْمَحَبَّةِ، فَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ، وَيُحِبُّ، كَمَا أَثْبَتَتْ أَدِلَّةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ذَلِكَ. وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ طَرِيقَةُ الْمُعَطِّلَةِ، كَمَا مَرَّ مَعَنَا، فَإِنَّ طَرِيقَةَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْكَلَابِيَّةِ وَالْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ: تَعْطِيلُ الصِّفَاتِ، فَهُمْ مُتَّفِقُونَ فِي تَعْطِيلِ الصِّفَاتِ، وَبَعْضُهُمْ يُعَطِّلُ الْأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ، كَالْجَهْمِيَّةِ، وَبَعْضُهُمْ يُثْبِتُ أَسْمَاءً جَامِدَةً لَا صِفَاتِ مَعَهَا وَلَا فِيهَا، كَالْمُعْتَزِلَةِ، وَبَعْضُهُمْ يُثْبِتُ صِفَاتٍ دُونَ صِفَاتٍ، وَأَسْمَاءً دُونَ صِفَاتٍ، كَالْكَلَابِيَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُثْبِتُ أَسْمَاءً وَصِفَاتٍ نَاقِصَةً، وَيُحَصِرُهَا فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ، وَيَرُدُّ كُلَّ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، إِمَّا إِلَى سَبْعٍ، وَإِمَّا إِلَى ثَمَانِ صِفَاتٍ، كَالْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ. وَهَذَا مِنْ هَذَا الْبَابِ، فَتَفْسِيرُ الْمَحَبَّةِ بِالنَّصْرِ وَالْإِكْرَامِ، مِنْ التَّحْرِيفِ وَالتَّعْطِيلِ لِمَبْحَثِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، بَلْ الْوَاجِبُ أَنْ نُثْبِتَ مَا أَثْبَتَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَفْسِهِ، لَفْظًا وَمَعْنًى. أَثْبَتَ اللَّهُ لَفْظَ الْمَحَبَّةِ، فَنُثْبِتُ لَفْظَ الْمَحَبَّةِ، لَا نَقُولُ: هِيَ النَّصْرُ، هِيَ الْإِكْرَامُ، هِيَ كَذَا وَكَذَا، أَثْبَتَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ، نُثْبِتُ لَفْظَ الرَّحْمَةِ، لَا نَقُولُ: إِرَادَةُ الْإِحْسَانِ، إِرَادَةُ التَّفْضِيلِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ التَّحْرِيفِ. وَكَذَلِكَ نُثْبِتُ الْمَعْنَى، مَعْنَى الْمَحَبَّةِ مَعْلُومٌ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ، فَنُثْبِتُهَا لِلَّهِ عَلَى أَكْمَلِ وُجُوهِهَا، لِمَا يَلِيقُ بِعَظَمَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَجَلَالِهِ، لَيْسَ يُشْبِهُ فِي هَذِهِ الصِّفَةِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَا يُشَابِهُ، وَلَا يُشَابِهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَلْقَهُ، بَلْ نُثْبِتُهَا عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَهَذَا الْإِثْبَاتُ لَا يَقْتَضِي تَمْثِيلًا وَلَا تَشَبُّهًا وَلَا ضَعْفًا وَلَا نَقْصًا، فَكَمَا أَنَّنَا نُثْبِتُ لِلَّهِ ذَاتًا لَا كَالذَّوَاتِ، وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْإِسْلَامِ جَمِيعًا، حَتَّى الْمُعَطِّلَةُ بِأَنْوَاعِهِمْ، يُثْبِتُونَ لِلَّهِ ذَاتًا، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ: إِنَّ لَيْسَ لِلَّهِ ذَاتٌ، إِلَّا مُلْحِدٌ أَوْ كَافِرٌ، أَمَّا الْمُسْلِمُ، فَيُثْبِتُ لِلَّهِ ذَاتًا. فَإِنْ قِيلَ لَهُمْ: مَاذَا تَقُولُونَ فِي هَذِهِ الذَّاتِ؟ هَلْ تُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ خَلْقِهِ؟ قَالُوا: لَا، بَلْ عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ. فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَلِكَ نَقُولُ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، فَالْقَوْلُ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ فَرْعٌ عَنْ الْقَوْلِ فِي الذَّاتِ، وَلِذَلِكَ نُثْبِتُهَا، إِثْبَاتَ وُجُودٍ، لَا نَتَعَرَّضُ لَهَا بِتَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ. وَالْقَاعِدَةُ فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ: الْقَوْلُ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ فَرْعٌ عَنْ الْقَوْلِ فِي الذَّاتِ. وَقَوْلُ سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾، قَالَ: حَالٌ، أَيْ حَالُ كَوْنِهِمْ صَافِّينَ، وَعُنِيَ مُصْطَفِّينَ، وَفِي هَذَا خَبَرٌ وَأَمْرٌ، فَهُوَ يُخْبِرُ وَيَأْمُرُ بِهَذَا، وَيُمَجِّدُهُ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ: فَضِيلَةُ الْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوَّلًا وَأَهَمِّيَّةُ وَفَضِيلَةُ التَّرْتِيبِ وَالتَّنْظِيمِ فِي الْقِتَالِ. وَهَذَا مِنْ مَوَاضِعِ جَمَالِ وَمَحَاسِنِ هَذَا الدِّينِ، فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَوَاضِعِ جَمَالِ وَمَحَاسِنِ هَذَا الدِّينِ: كَوْنُهُ يَأْمُرُ بِالتَّرْتِيبِ وَالتَّنْظِيمِ فِي جَوَانِبِ كَثِيرَةٍ مِنْ حَيَاةِ الْمُسْلِمِينَ. فَإِذَا كَانَ هَذَا بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَأْمُرُهُمْ بِأَنْ يَصْطَفُّوا كَالْبُنْيَانِ الْمَرْصُوصِ، فَكَذَلِكَ تَنَاوَلَ هَذَا الْمَعْنَى جَوَانِبَ أُخْرَى كَثِيرَةً، كَالصَّلَاةِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْطَفُّونَ صُفُوفًا، بَلْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَوِّي بِهِمُ الصُّفُوفَ، كَأَنَّمَا يُسَوِّي الْقِدَاحَ، أَيْ: يُرَتِّبُهُمْ تَرْتِيبًا دَقِيقًا، كَمَا يُرَتِّبُ صَاحِبُ السِّهَامِ سِهَامَهُ. وَقِيلَ: وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَهَكَذَا كَذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ فِي دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهَذَا مِنْ مَحَاسِنِ هَذَا الدِّينِ. وَقَوْلُهُ: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾، قَالَ: مُلْتَصِقٌ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ، ثَابِتٌ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ يُحَرِّصُ عَلَى هَذَا، لَفْظًا وَمَعْنًى، أَيْ: التَّرْتِيبَ وَالتَّنْظِيمَ وَالتَّصَافُفَ بِمَا يَكُونُ بِهِ قُوَّةُ الْجَيْشِ، وَكَذَلِكَ الْقِتَالُ، فَهَذَا مِنْ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ، وَهَذَا مُجَرَّبٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعَسْكَرِيَّةِ وَفِي الْقِتَالِ، أَنَّ التَّرْتِيبَ بِالتَّصَافُفِ يَكُونُ فِيهِ بِنَاءٌ لِهَذَا الْجَيْشِ بِمَا يَكُونُ بِهِ قُوَّتُهُ وَمَتَانَتُهُ. وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَسِّمُ جَيْشَهُ مَيْمَنَةً وَمَيْسَرَةً وَمُقَدِّمَةً وَمُؤَخِّرَةً، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ مِنْ فِعْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعَ أَصْحَابِهِ. وَهَكَذَا كَانَ يُصَفِّي الرُّمَاةَ، وَيُصَفِّي كَذَلِكَ الْفُرْسَانَ، وَيُصَفِّي الْمُشَاةَ، وَيُؤَخِّرُ كَذَلِكَ الرُّكْبَانَ، كُلُّ هَذَا مِنْ التَّرْتِيبِ وَالتَّنْظِيمِ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَنَى بِهِ فِي الْإِسْلَامِ. وَالْمَقْصُودُ هُوَ الْمَعْنَى الْعَامُّ: الْحَثُّ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْحَثُّ عَلَى تَنْظِيمِهِ وَتَرْتِيبِهِ لِمَا يَكُونُ بِهِ قُوَّتُهُ، وَيُعَانُ عَلَى نَصْرِهِ، وَيَكُونُ فِي هَذَا جَوَابًا لِسُؤَالِ أُول