الدرس في الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 39، الدرس التاسع والثلاثون:من( ومن الفروق الصحيحة:أن الدماء ثلاثة أقسام ... الذي لم يميز دون بقية العبادات فلا بد فيها من التمييز ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش هذا الفصل أقسام الدماء الثلاثة وفقًا للشريعة الإسلامية وآراء أهل العلم في نجاستها. يُفصّل آراء الفقهاء حول نجاسة الدماء وأدلتهم.
يتناول هذا الفصل حكم الدماء في الشريعة الإسلامية، حيث يُحرّم الدم المسفوح ويُعفى عن الدم المختلط باللحم. يُوضح أن تحريم الدماء ليس لأجل نجاستها بل لخبثها.
يناقش هذا الفصل أحكام الدم في سياق العبادات، خاصةً بالنسبة للصبي غير المميز في الحج والعمرة. يُفرّق بين العبادات البدنية والمالية في هذا السياق.
يُسلط هذا الفصل الضوء على فضل التصدق بالمال ونفع الآخرين، مستندًا إلى حث النبي عليه الصلاة والسلام على التعاون على البر والتقوى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال رحمه الله تعالى: ومن الفروق الصحيحة أن الدماء ثلاثة أقسام؛ قسم نجس لا يعفى عن قليله ولا كثيره، وهي دماء الحيوانات النجسة كالكلب ونحوه. قال: وقسم طاهر مطلقًا، وهي التي تبقى في الذبيحة بعد ذبحها في اللحوم والعروق، ودم السمك ونحوها -يعني مما هو طاهر-. قال: والثالث ما عدا ذلك، فهو نجس يُعفى عن اليسير منه، وهو الذي لا يفحش في النفوس. ذكر رحمه الله أن الدماء ثلاثة أقسام؛ قسم النجس لا يعفى عن قليله ولا كثيره، قال: وهي دماء الحيوانات النجسة كالكلب ونحوه. وقوله: «الحيوانات النجسة» يدل أن دم غيره ليس بنجس. وما هذا الغير؟ اختلف أهل العلم في ذلك اختلافًا واسعًا، فمنهم من ذكر أن كل الدماء نجسة، ومنهم من ذكر أن دماء ما لا يؤكل لحمها نجسة، ومنهم من خصه بمثل الكلب. وفي الحقيقة، من تأمل الأدلة لا يجد شيئًا صحيحًا صريحًا يدل أن سائر الدماء نجسة. وإذا تأمل كذلك فيما يتعلق بما لا يؤكل لحمه، فتوجد أدلة، لكنها كذلك متنازع فيها، كقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أحلت لنا ميتتان ودمان»، وهكذا كذلك ما جاء في الميتة، قال: «أيما إهاب دبغ فطهر». ونحوه استدل بذلك بالقياس وبالعموم على أن الشرع فرق مع قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إنها ركس، إنها روثة حمار»، على أن الشرع فرق بين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه، فإذا فرق في الرجيع -أي الروث- فكذلك يفرق في الدماء، هكذا قالوا. وذهب بعضهم إلى أن النجس ما جاء أنه نجس لعينه، وهذا كذلك قد يتنازع فيه على ما تقدم، كما ذكر المؤلف رحمه الله أنه الكلب. فالأحوط أن يجتنب ما لا يؤكل لحمه، ويفرق بينه وبين ما يؤكل لحمه، فإن ما لا يؤكل لحمه نزول الدم منه نزول من ميته، والميتة بالنص نجسة. قال النبي عليه الصلاة والسلام فيها حين رأى شاة ميتة وأمرهم أن ينتفعوا من جلدها، قالوا: إنها ميتة يا رسول الله، فقال: «أيما إهاب دبغ فطهر». أقرهم أنها ميتة ولا ينتفع منها، ولكن بيّن لهم أن الإهاب -أي الجلد- يطهر بدباغه، فدل على أنها نجسة. فإذا كان كذلك، فما لا يؤكل لحمه من باب أولى، والدم لا يكون مما لا يؤكل لحمه إلا من شيء ميت؛ لأنه لا ذكاة فيما لا يؤكل لحمه غالبًا -يعني نادر ما يخرج الدم من حي منها-، فلذلك كان الأحوط هو هذا. وأما ما كان من حي منها، فالأمر أخف، فإن غسل على وجه الخبث كان أحسن، والشيء اليسير يُعفى عنه. وأما القسم الطاهر، فكما قال: وهي التي تبقى في الذبيحة بعد ذبحها في اللحوم والعروق، فهذا عفى عنه الشرع كما جاء في حديث عائشة: يُعفى عن اللحم الذي يبقى الدم الذي يبقى في اللحم؛ لأنه يسير، والمشقة تجلب بالتيسير. ومع ذلك، ليس على الصحيح هذا الدم الخارج من هذه اللحوم المأكولة نجس، ولكنه خبيث، وهكذا دم السمك ونحوه مما هو حلال؛ أي ميتته حلال، فدمه حلال -أي دم ما يؤكل لحمه-، فما ميتته طاهرة كالسمك والجراد، دمه طاهر من باب أولى. بقي هنا سؤال غريب سأل به بعض الناس، قال: إذا كانت دماء هذه طاهرة، فهل يجوز أكلها وشربها؟ الجواب: إذا كان مسفوحًا فلا يجوز؛ الصحيح أنه لا يجوز؛ لأن الله عز وجل حرم الدم المسفوح، وهو السائل الكثير، فلا يجوز أكل الدم منفصلًا. وأما ما كان مختلطًا بلحم، فهذا يُعفى عنه. وكما مر معنا، ليس التحريم لأجل النجاسة، ولكن التحريم لأجل الخبث، وهذا هو الصحيح. ولهذا أخطأ بعض الفقهاء فأحلوا دماء الأسماك وحرموا دماء الحيوان بحجة أن السمك ميتته حلال. والصحيح أن الدماء كلها حرام؛ لأن الله عز وجل لم يفرق، ولم يأت في السنة التفريق، قال سبحانه: «أو دما مسفوحًا»، وهذا يشمل ما كان مسفوحًا من حيوان بري أو كان مسفوحًا من حيوان بحري، فلا يجوز أكل الدماء على الصحيح أو شربها مطلقًا، سواء كانت من الحيوانات البرية أو البحرية؛ لأنه يدخل في عموم الدم المسفوح. قال: والثالث ما عدا ذلك. «عدا» عندي بالألف المقصورة، والصواب أنه بالألف الممدودة؛ لأن ما قبلها مفتوح، ولأن أصلها واو. طيب إذا كان كذلك، إذن ماذا تقول في «عصا»؟ الفعل بالقصر، «عصا» الإسم بالألف، وأصلها واو أو يا؟ لا، هذه الألف في «العصا» الإسم يا أو واو؛ واو «عصوات» أو «عصيات»، «عصوان». طيب وكذلك في «دعا»، «دعا» الفعل يكتب بألف ممدودة. «دعا» وكذلك «رأى» بالياء؛ لأن أصلها يا. قال: والثالث ما عدا ذلك، فهو نجس يعفى عن اليسير منه، وهو الذي لا يفحش بالنفوس. «ما عدا ذلك» يقول: هو نجس -يعني بذلك عموم الدماء-، والصحيح كما قلنا: إنما هو فيما لا يؤكل لحمه، وأما ما يؤكل لحمه فهو طاهر، لكنه خبيث. والإنسان دمه طاهر، وهو كذلك خبيث -أي السائل المسفوح منه- لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن المؤمن لا ينجس»، وهذا عام للإنسان أنه كله لا ينجس. فدم الإنسان طاهر على الصحيح، إلا ما خرج من السبيل -من الفرج قبل أو دبر- فهو نجس؛ لملاقاته النجاسة ومروره بها. وأما ما ليس كذلك مما يخرج من الجسد، فهو طاهر على الصحيح، وهكذا دماء ما يؤكل لحمها على الصحيح هي طاهرة. قال رحمه الله: ومن الفروق الصحيحة صحة الحج والعمرة من الصبي الذي لم يميز دون بقية العبادات؛ فلابد فيها من التمييز. يقول رحمه الله: كذلك من الفروق الصحيحة التفريق في صحة الحج والعمرة من الصبي الذي لم يميز -يعني دون سن سبع سنوات-، يصح حجه وعمرته؛ لما ثبت في قصة المرأة التي رفعت صبيًا لهذا حج، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نعم، ولك أجره». وقوله: «دون بقية العبادات؛ فلابد فيها من التمييز» لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة»، وهذا في مسألة الكتابة -كتابة الأعمال-، ومنها الصبي حتى يحتلم. فإن قال قائل: هذا يدل على القبول من جهة الاحتلام، فأين الدليل على دون ذلك -يعني سبع سنوات؟ الجواب: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر»، يدل على الاعتداد بالعبادات من سن التمييز -سبع سنوات-، وما دون ذلك فهو تعليم، ولا يعتد به. والأفضل أن يقيد قوله «بقية العبادات» بأن يقول: البدنية؛ أما المالية، فالصحيح أنها تصح ولو كانت من غير مميز، كالزكاة مثلًا؛ فإن الزكاة تخرج من مال الصبي ومن مال المجنون، والصدقة تصح وتخرج من مال الصبي ومن مال المجنون. لكن المقصود الذي يشترط فيه التمييز هو العبادات البدنية، وهذا القيد أفضل. فإذا يكون قوله: «ومن الفروق الصحيح صحة الحج والعمرة من الصبي الذي لم يميز» هذا صحيح «دون بقية العبادات» نقول: البدنية؛ أما المالية فلا؛ فإنه لا يشترط فيها التمييز على الصحيح. إذا كان الدم خبيثًا، فهل يجوز بيعه لأصحاب المستشفيات؟ وكيف التصدق به؟ الصحيح أنه يكره بيعه، بل ذهب بعض أهل العلم إلى حرمته؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بأن كسب الحجام خبيث». فإذا كان كسب الحجام -وهو في الحقيقة لا يبيع الدم، ولكن يصفد الدم- فكيف بمن يبيع الدم؟ هذا أشد. وأما التصدق به، فهو من الخير والبر، ما في شيء إن شاء الله، وهو من التعاون على البر والتقوى؛ وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه». إلى هنا والله تعالى أعلم. شكرًا للمشاهدة.