شرح كتاب الطهارة  39

شرح كتاب الطهارة 39

الدرس في شرح كتاب الطهارة 39، الدرس التاسع والثلاثون (وقال الشيخ تقي الدين ويستحب الوضوء عقيب الذنب ... أن الشارع لم يوجب الوضوء منه ولا يستحب الوضوء منه). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

استحباب الوضوء والتوبة بعد الذنب

يستحب الوضوء بعد ارتكاب الذنب، مستندًا إلى حديث رجل أتى النبي ﷺ وقد ارتكب فاحشة فنزلت آية ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، واستدل أيضًا بصلاة التوبة التي تكفر السيئات.

نواقض الوضوء ومس الذكر أو المرأة أو الأمرد

تناول المقطع نواقض الوضوء مثل مس الذكر أو المرأة أو الأمرد، وشرح آراء أهل العلم في هذه المسائل، مبينًا أن مس الرجل للمرأة الأجنبية أو العكس حرام وقد يسبب الفتنة.

حكم مس الرجل للمرأة ومس المرأة للرجل على الوضوء

المقطع يخلص إلى أن الصحيح هو عدم نقض الوضوء في كلا الحالتين، ويستدل على ذلك بأدلة من القرآن والسنة النبوية، موضحًا أن الآية ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ تشير إلى الجماع وليس مجرد اللمس.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فتتمة لدرسنا السابق، وقفنا فيما ذكره المؤلف -رحمه الله- في الناقض الرابع من نواقض الوضوء، ومر معنا في ذلك الناقض مسائل، ووقفنا عند عبارة شيخ الإسلام بن تيمية -رحمه الله- لأن لها تعلق بما بعده من الناقض الخامس. قال شيخ الإسلام بن تيمية -رحمه الله- فيما نقله عنه شيخ الإمام محمد عبد الوهاب -رحمه الله-: «وقال الشيخ تقي الدين: ويستحب الوضوء عقيب الذنب، ومن مس الذكر، وما إلى آخره، إلى استحباب الوضوء من مس النساء أو الأمرد إذا كان لشهوة». قوله -رحمه الله-: «ويستحب الوضوء عقيب الذنب»، لما روي من عمومات الأدلة في استحباب الصلاة بعد الذنب، وأن ذلك كفارة له، وهو ما يسميه العلماء بصلاة التوبة. فقد جاء في صحيح مسلم أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ وقد وقع في امرأة، غير أنه لم يزن بها -يعني فعل أشياء إلا الجماع- فجاء نادمًا تائبًا، يسأل: هل عليه كفارة يكفر عنه ما حصل منه؟ فلم يجبه النبي ﷺ بشيء حتى نزل عليه قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾، حتى قال النبي ﷺ: «حتى قال الرجل سائلًا النبي ﷺ: هل هذا لي خاصة يا رسول الله؟ قال: هل هذا لي خاصة يا رسول الله أم للناس عامة؟ فقال النبي ﷺ: بل للناس عامة». الشاهد في الآية والحديث الحث على الصلاة بعد الذنب. وجاء في مسند الإمام أحمد بما هو أصرح من هذا في صلاة التائب، وهو ما يسميه العلماء بصلاة التوبة. فلهذا قال من قال من أهل العلم: يستحب الوضوء عقيب الذنب -يعني من مواضع الاستحباب للوضوء أن يكون عقيب الذنب، بعد الذنب- كما أن المؤمن ينبغي عليه أن يحافظ على طهارته في كل وقته إذا استطاع، فإنه لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن، كما صح عن النبي ﷺ. وقوله: «ومن مس الذكر»، كما تقدم تفصيله في قضية مس الذكر. وقوله: «وما إلى آخره، إلى استحباب الوضوء من مس النساء»، هذا ما سيأتي -إن شاء الله- الكلام عليه في المسألة الخامسة. «أو الأمرد إذا كان لشهوة»، وهذا كذلك الحقه العلماء بحكم مس المرأة، فلا يجوز للرجل أن يمس المرأة الأجنبية لقوله ﷺ: «لأن يطعن أحدكم بمخيط في رأسه خير له من أن يمس يد امرأة لا تحل له»، والأحاديث في هذا كثيرة. وهكذا كذلك لا يجوز للرجل أو للمرأة مس الأمرد، والأمرد هو الصبي الذي لم تنبت له لحية، قد يكون بالغًا وقد يكون قبل البلوغ. فهذا النوع من الصبيان يفتتن به بعض المنحرفين، سواء من الرجال أو من النساء. ودفعًا للفتنة أمر علماء الإسلام بعمومات الأدلة أخذ الحيطة في معاملة أمثال هؤلاء دفعًا لمفسدة الفتنة به. قال -رحمه الله تعالى-: «الخامس -أي من نواقض الوضوء- قال: أن تمس بشرة الرجل بشرة أنثى». وفيه ثلاث روايات: «أحدهما ينقض بكل حال لقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، والثانية لا ينقض بكل حال لتقبيله ﷺ عائشة ولم يتوضأ -رواه أبو داود-، والثالثة ينقض إذا كان لشهوة، وهي ظاهر المذهب». قال الشيخ تقي الدين: «وإذا مس المرأة من غير شهوة، فهذا مما علم بالضرورة أن الشارع لم يجب الوضوء منه، ولا يستحب الوضوء منه». جعل -رحمه الله- الناقض الخامس من نواقض الوضوء مس الرجل لبشرة الأنثى، والعكس مس الأنثى لبشرة الرجل. ثم أشار إلى أنه قد روي عن الإمام أحمد -رحمه الله- ثلاث روايات: أحدها أنه ينقض الوضوء مطلقًا -يعني من دون تفصيل-، والثاني أنه لا ينقض الوضوء مطلقًا -أي من دون تفصيل-، والثالث أن فيه التفصيل، وهذا التفصيل أشار هنا إلى القول المشهور في مذهب الحنابلة، وهو التفريق بين ما كان لشهوة وما كان لغير شهوة. والصحيح من هذه الأقوال -كما تقدم- أنه لا ينقض مس الرجل للمرأة الوضوء، ولا العكس. وأما ما ذكر من الآية: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، فالصحيح من أقوال أهل العلم فيما جاء عن عدد من الصحابة والتابعين: أن معنى الآية الجماع، فالمراد بالملامسة ها هنا الجماع. وهذا كثير في القرآن، فإن القرآن -الذي هو كلام الله سبحانه وتعالى- احتوى على أكمل البيان، والفصاحة، وأرقى الأدب والخلق. ومن ذلك عدم التصريح بالشيء الفاحش. فنجد أن الجماع يعبر عنه في القرآن في مواضع بلفظ المس والملامسة. قال الله عز وجل في قصة مريم عليها السلام: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾، فهل تريد بقولها: «لم يمسسني بشر» أي لمس الإصبع؟ الجواب: لا شك لا، وإنما تريد أن هذا المولود لم يأت بطريق الحرام. وثبت في الصحيح من حديث عائشة -رضي الله عنها- أنه ﷺ صلى ليلة من الليالي وعائشة نائمة في قبلته، رجلها في موضع سجوده، وكانت بيوتهم ضيقة، فكان إذا سجد غمزها -أي قرصها- في رجلها حتى ترفع رجليها ويسجد. وهذا يدل على أن مس المرأة لا ينقض الوضوء. وثبت كذلك في الصحيح من حديث عائشة -في صحيح مسلم وغيره- أنها قامت ليلة افتقدت النبي ﷺ، فقامت ليلة تتحسس، ولم يكن في البيوت مصابيح، فوقعت يدها على قدم النبي ﷺ وهو ساجد، والقدمان ملتصقتان. فاستدل به العلماء على أن مس المرأة للرجل لا ينقض الوضوء، وكذلك استحباب لصق القدمين عند السجود. فإن قال قائل: هذا في حق من حصل له المس من غير شهوة، أما بشهوة فهو ينقض الوضوء. فالجواب: أنه قد صح من حديث عائشة -فيما رواه أبو داود وغيره- أن النبي ﷺ «كان يقبل بعض نسائه ويخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ»، وهذا يؤكد أن هذا الحكم عام، لا فرق بين المس بشهوة أو بغير شهوة. فعلى هذا، فالقول الصحيح: أن مس المرأة لا ينقض الوضوء، سواء بشهوة أو بغير شهوة، إلا إذا نزل من الرجل شيء أو نزل من المرأة شيء، فينتقض الوضوء لأجل هذا الذي نزل. وهذا هو الصحيح في هذه المسألة. وبه نكتفي، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.