طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 152

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 152

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 152، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في قواعد السير إلى الله

يبدأ الإمام ابن القيم بالحديث عن قواعد السير إلى الله، مشيرًا إلى حاجة السائر إلى قوتين: علمية وعملية، ويصف حال السائرين وما يعرض لهم في الطريق.

تسهيل الصعاب في طريق الإيمان وتحويل المشقة إلى لذة

يذكر ثلاثة أمور تسهّل الصعاب في طريق الإيمان، ويوضح أن المشقة تتحول إلى لذة مع الاستمرار في العمل الصالح، مشيرًا إلى أهمية التمسك بالحب لله والانقطاع إليه.

لذة الطاعات والقربات وثمرات تلاوة القرآن

يُبيّن أن الطاعات والقربات تصير مع الوقت ملذات، ويشير إلى أن تلاوة وحفظ القرآن يؤديان إلى راحة القلب والنفس وقوة الإيمان، وأن هذه الثمرات من عاجل بشرى المؤمن.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «فإن استصعبت عليه فليذكرها ما أمامها من أحبابها، وما لديها وما لديهم من الإكرام والإنعام، وما خلفها من أعدائها، وما لديهم من الإهانة والعذاب وأنواع البلاء، فإن رجعت فإلى أعدائها رجوعها، وإن تقدمت فإلى أحبابها مصيرها، وإن وقفت في طريقها أدركها أعداؤها؛ فإنهم وراءها في الطلب، فلابد لها من قسم من هذه الأقسام الثلاثة، فلتختر أيها شاءت». قال: «وليجعل حديث الأحبة حاديها وسائقها، ونور معرفتهم وإرشادهم هاديها ودليلها، وصدق ودادهم وحبهم غذاءها وشرابها ودواءها، ولا يحسن انفراده بطريق سفره، ولا يغتر بكثرة المنقطعين؛ فألم انقطاعه وبعده واصل إليه دونهم، وحظه من القرب والكرام مخصوص به دونهم، فما معنى الاشتغال به والانقطاع معهم؟ وليعلم أن هذه الوحشة لا تدوم، بل هي من عوارض الطريق، فسوف تبدو له الخيام، وسوف يخرج إليه المتلقون يهنئونه بالسلام والوصول إليهم، فيا قرة عينه إذ ذاك، ويا فرحته إذ يقول: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾. ولا يستوحش مما يجده من كثافة الطبع، ودنس النفس، وبطء سيرها؛ فكلما أدمن السير وأصر عليها غدوة وروحة فسحة قرب من المنزل، وتلطفت تلك الكثافة، وذابت تلك الخبائث والأدران، وظهرت عليه همة المسافرين وسيماهم، فتبدلت وحشته أنسًا، وكثافته لطافة، ودنسه طهارة». يصف الإمام ابن القيم رحمه الله في أثناء ذكره لهذه القاعدة في السير إلى الله، وأنه لا يتم إلا بقوتين: قوة علمية، وقوة عملية. وقد مر معنا من كلامه رحمه الله الشيء الكثير في ذكر حال السائرين إلى الله، وصفاتهم، وما يعرض لهم، وذكر قواعد في هذا الباب، ومنها هذه القاعدة: حاجة السائر إلى الله إلى هاتين القوتين: القوة العلمية، والقوة العملية. ومن ذلك أن الصعوبة التي يجدها في طريقه يسهلها ثلاثة أمور: الأمر الأول خوفه من أعدائه أن يثبطوه ويثنوه، فيخسر الدنيا والآخرة، وذلك الفسران المبين. والأمر الثاني رجاؤه في الوصول إلى محبوبه وأحبابه: جنة الله، ومن فيها من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين والمقربين من أهله وغيرهم؛ فهذا يدفعه ويحثه ويشجعه ويقويه. والأمر الثالث أن هذه الصعاب تتسهل مع الوقت، يسهلها الله عز وجل، فتلطف وتخف، وكذلك تزول. فالمشقة التي يجدها الإنسان في الأمور الدنيوية والحسية مع الوقت والدوام تصير لذة، وتصير كذلك عادة، فيزول ما فيها من مشقة. انظر الذي يبكر كل يوم في عمله، مع بداية العمل يجد مشقة في خروجه وتبكيره ورجوعه، لكن لأن هذا العمل استغنى به بالحلال عن الحرام، واستطاع أن يتمتع بثمرة هذا العمل ومنفعته من خير الدنيا والدين، ووجد لذة نتيجة هذا العمل فيما يجده من مصالح ومنافع كثيرة حسية ومعنوية؛ فهذه كلها تصبره وتسليه بالمصاعب التي يجدها. ومع الوقت يجد نفسه منسجمًا، وسهلت عليه هذه المشاق. هذا في الأمور الدنيوية الحسية، حتى إن أحدهم إذا لم يذهب إلى العمل لعارض من جهة العمل -لا من جهته- وجد نفسه في بيته في غاية من الضيق، وغاية من الملل، وغاية كذلك من الحزن؛ لأنه لم يفعل الذي تعود عليه، والذي كان يجد خصوصًا إذا كان سيفوته شيء من مصالحه بغيابه في ذلك اليوم. كيف إذا كانت أيام؟ كيف إذا كان هناك من سيستغل تأخره هذا في الإضرار به؟ وكيف إذا كان هذا سيضره في فوات مصالح ونتائج عظيمة يصل إليها؟ وفيما جعل الله عز وجل المؤمنين المثل الأعلى، فسير المؤمن إلى الله ما فيه من مشاق يسليها -كما قلنا- هذه الأمور الثلاثة: فراره من لحاق عدوه به ولحاق ضرره به، وهم شياطين الجن والإنس؛ فإن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبهم كيف يشاء. ومما يعين الشيطان على استحواذ قلب هذا الإنسان كسله، وكذلك تقاعسه ودعته، فضلًا أن يركن إلى شيء من المخالفات والمعاصي؛ فإنه بها يؤسر، ويكون بعد ذلك في غير الطريق، وربما عطب ولحقه الضرر ولم يستطع المسير. وهكذا كذلك الأمر الثاني -كما قلنا- حرصه على ما سيجده أمامه من النعيم المقيم: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ورفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ومن سبقه من المقربين؛ كل هذا وغيره يسليه في الوصول إلى هذا الهدف المنشود. مع كذلك ما يجعله الله عز وجل للسائرين من لذة الإيمان وحلاوته، وكذلك أنواع العطايا من الله بما يكون من سيره وصبره وجدّه واجتهاده؛ فهو لا يزال يتدرج في سلم الإسلام ومراتب الإيمان حتى يصل إلى أعلى هذه الدرجات، بماذا؟ بالصبر، وبذلك المثابرة والجد على تحصيل هاتين القوتين: العلمية والعملية، حتى لا يجد الراحة إلا في هذا الخير. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بالصلاة أرحنا بها يا بلال». صيّر الطاعات ليست أثقالًا وأحمالًا، ولكن الطاعات عبارة عن ملذات وأسباب للراحة والطمأنينة. وهكذا كذلك قل في سائر المشاق: يجد الإنسان لها لذة، ويجد لها حلاوة هي من لذة وحلاوة الإيمان، ولذة وحلاوة تلك الطاعات، ولو كان فيها تلك المشاقة. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الصيام: «كذلك في الصائم إذا أفطر ماذا؟ فرحتان». هاتان الفرحتان هما قليل من كثير من عاجل بشرى المؤمن التي يجعلها الله عز وجل له في الدنيا، وكذلك بإذن الله سبحانه وتعالى بالدار الآخرة. وهكذا كذلك غيره من الطاعات والقربات: فيها مشقة، لكن فيها ثمرة حسنة. وهذه المشقة تصير مع الوقت يسيرة وسهلة وخفيفة. وبهذا -إن شاء الله- يعينه هذا على الخير. والأمثلة التي ذكرها هي عبارة عن تقريب للمشقة التي يجدها في تحصيل القوة العلمية والعملية، وما يكتنفها من مشاق. وفي الحقيقة إذا تعود عليها صارت ملذات، وكذلك أسبابًا لحصول الخير والسعادة لهذا الإنسان في الدنيا وفي الآخرة. كما قال سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. مع أن هذا الإيمان لا يصل إليه الإنسان إلا بمشقة، والجد والاجتهاد، وصبر ومصابرة، والنتيجة أنه يجد الحياة الطيبة. هذا على وجه الإجمال، وكذلك على وجه التفصيل كما ذكر الله عز وجل في عدد من الطاعات والقربات، كما مر معنا بعض الأمثلة، وغيرها كثير: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾. تلاوة القرآن به مشقة، حفظ القرآن به مشقة، ولكن مع ذلك النتيجة: راحة القلب، وراحة النفس، وكذلك قوة الإيمان واليقين، وغير ذلك من المعاني العظيمة النافعة المفيدة التي هي من عاجل بشرى المؤمن. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من عباده المؤمنين المتقين. لهنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.