الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع معنى ولادة القلوب ودرجاتها، وأن الولادة الحقيقية هي ولادة الروح. الناس يتفاوتون في هذه الولادة كما يتفاوتون في الولادة الحسية.
يتناول المقطع مفهوم الولادة الروحية والمعنوية، ويشرح أن الأخوة الإيمانية أقوى من أخوة النسب، وأن العلماء ورثة الأنبياء ويقودون الولادة الروحية للناس.
يشرح المقطع مفهوم الولادة الحقيقية وتخلص الإنسان من الظلمات الثلاث ليصبح مؤهلا للهداية والفوز بالسعادة. كما يشير إلى أهمية ذم الدنيا في موضعين محددين.
يتناول المقطع صراع الإنسان مع النفس الأمارة بالسوء، ويشير إلى أهمية تذكير النفس بذكر الله تعالى لتحقيق التوازن الداخلي.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال: «ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم أبًا للمؤمنين، كما في قراءة أبي: «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم». وتقدم معنا أن قراءة أبي بن كعب تفسيرية رواية عن ابن عباس، واختلف في صحتها. كقراءة «ولهذا تفرى على هذه الأبوة أن جعلت أزواجه أمهاتهم». فإن أرواحهم وقلوبهم ولدت به ولادة أخرى غير ولادة الأمهات، فإنه أخرج أرواحهم وقلوبهم من ظلمات الجهل والظلال والغي إلى نور العلم والإيمان وفضاء المعرفة والتوحيد، فشاهدت حقائق أخرى وأمورًا لم يكن لها بها شعور قبله. قال تعالى: ﴿أَلْف لامراء كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد﴾، وقال تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ظلال مبين﴾، وقال تعالى: ﴿لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ظلال مبين﴾. والمقصود أن القلوب في هذه الولادة ثلاثة: قلب لم يولد ولم يأن له، بل هو جنين في بطن الشهوات والغي والجهل والظلال. وقلب قد ولد وخرج إلى فضاء التوحيد والمعرفة، وتخلص من مشيمة الطباع وظلمات النفس والهوى، فقرت عينه بالله، وقرت عيون به وقلوب، وأنست بقربه الأرواح. قال: وذكرت رؤيته بالله، فاطمأن بالله، وسكن إليه، وعكف بهمتيه عليه، وسافرت هممه وعزائمه إلى الرفيق الأعلى، لا يقر بشيء غير الله، ولا يسكن إلى شيء سواه، ولا يطمئن بغيره، يجد من كل شيء سوى الله عوضًا، ولا يجد من الله عوضًا أبدًا. فذكره حياة قلبه، ورضاه نهاية مطلبه، ومحبته قوته، ومعرفته أنيسه، عدوه من جذب قلبه عن الله، وإن كان القريب المصافية. والمعنى أن الولادة الحقيقية ولادة الروح، الناس يتفاوتون فيها كما أن الولادة الحسية المخلوقات تتفاوت فيها، فمنها من لم يلد، ومنهم من لا يزال في الحمل، ومنهم من خرج إلى الوجود. فكذلك بالنسبة للولادة الروحية والمعنوية، فمنهم من لم يلد، ومنهم من لا يزال في الحمل، ومنهم من خرج إلى الحياة الحقيقية. والحياة الحقيقية هي بالعين بالله سبحانه وتعالى، كما أشار بهذه العبارات والجمل، فهي عبارة عن وصف لمن ولد هذه الولادة الحقيقية، حتى إنه قد يعادي القريب إذا صار القريب ماذا يمنعه من هذه الحياة الحقيقية. كما قال الله عز وجل: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾. فالأنس الحقيقي والقرب هو بالقرب من الله، فكلما كان العبد أقرب إلى الله كان الأنس به أكثر وأعظم. ولهذا كانت أخوة أهل هذه الحياة -أخوة الإيمان والعلم والإسلام والسنة- أعظم من أخوة النسب، لأن بين هؤلاء من رحم النبوة والإيمان ما هو أعظم من رحم النسب. وبه تعرف الفرق. وهذا هو قوله سبحانه: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾، ليس الكرم بالنسب وبالولادة الحسية وصلاتها، ولكن الكرام الحقيقي بالولادة الروحية. ومن لم يلد من النبي صلى الله عليه وسلم ولد بمن يصله إليه من الصحابة والتابعين والأئمة والصالحين، وحملة العلم الذين هم ورثة النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كانت بني إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما مات نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، فإذا من الذي يسوس الناس ويعطيهم هذه الولادة؟ هم أتباع الأنبياء». ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «ألا إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر». فالعلماء ورثة الأنبياء، وبهم تكون الولادة الروحية، فهم يوصلونك إلى الأنبياء وما بعثوا به، وبهم تصل إلى الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: «وليه من رده إلى الله وجمع قلبه عليه، وإن كان البعيد المناوئه، والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض». وأما أهل الكفر والنفاق، فكما قال الله عز وجل: ﴿والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض﴾. قال: «فهذان قلبان متباينان غاية التباين، وقلب ثالث في البرزخ ينتظر الولادة صباحًا ومساءً، قد أشرف على فضاء التجريد، وآنس من خلال الديار أشعة التوحيد، تأبى غلبات الهوى والشوق إلا تقربًا إلى من السعادة كلها بقربه، والحظ كل الحظ في طاعته وحبه. وتأبى غلبات الطباع إلا جذبه وإيقافه وتعويقه، فهو بين الداعيين تارة وتارة، قد قطع عقبات مؤات، وبقي عليه مفاوز وفلاة». وهذا هو الذي لم يلد بعد، يعني تحيط به أسباب الهداية، ولكنه ما يزال في تلك الظلمات الثلاث: ظلمة النفس، وظلمة الطبع، وظلمة الهوى. فهو بهذه الظلمات لا يزال جنينًا لم يلد بعد. متى يلد؟ متى ما تخلص من هذه الظلمات الثلاث: ظلمة النفس، وظلمة الهوى، وظلمة الطبع. فإذا تخلص منها انقاد للحق والهدى الذي أراده الله عز وجل لخلقه، فعند ذلك يفوز بهذه الولادة الحقيقية التي بها سعادته في الدنيا وفي الآخرة. وكم من إنسان يصارع هذه الولادة بسبب هذه الظلمات الثلاث التي تطغى على قلبه، فهو لا يزال لم يلد الولادة الحقيقية. فمن هداه الله لنور الإيمان والسنة وانصاع وانقاد لها، فقد ولد الولادة الحقيقية. ومن لم يزل مكبلاً بشهوة النفس والطبع والهوى، فهو لم يلد بعد. وهذا هو قوله رحمه الله: «تارة وتارة»، يعني يريد أن يخرج ولكن تغلب عليه هذه الشهوات وهذه المكبلات الثلاث. قال رحمه الله: «والمقصود أن صاحب هذا المقام إذا تحقق به ظاهرًا وباطنًا وسلم عن نظر نفسه إلى مقامه واشتغال به ووقوفه عنده، فهو فقير حقيقي، وليس فيه قادح من القوادح التي تحطه عن درجة الفقر». واعلم أنه يحسن إعمال اللسان في ذم الدنيا في موضعين: أحدهما موضع التزهيد فيها للراغب، والثاني عندما يرجع به داعي الطبع والنفس إلى طلبها، ولا يأمن إجابة الداعي، فيستحضر في نفسه قلة وفائها وكثرة جفائها وخصة شركائها، فإنه إن تم عقله وحضر رشده زهد فيها ولا بد. وهذا استثناء لما سبقت الإشارة إليه أن من بالغ في ذم الدنيا صارت ذكرها في لسانه وقلبه، أو ذكرها في لسانه وقلبه. وهكذا كذلك صنف آخر بالغ في ذمها لوجودها في قلوبهم، وكل الأمرين خطأ وليس بصواب. ثم استثنى رحمه الله أنه يستثنى من ذلك ذم الدنيا في موضعين: أحدهما لمن أراد أن ينصح من فتن بها أو رغب فيها، فأنت تزهده وتنصحه وتحذره، ككتابات العلماء في ذم الدنيا، وكأدلة الكتاب والسنة في التحذير من الدنيا: ﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى﴾ ونحو ذلك، فما جرى هذا المجرى فهو ليس بمذموم، بل هو محمود. والثاني إذا صار يذكر نفسه التي تريد أن ترده إلى التعلق بالدنيا، فعند ذلك يذكرها إما بما يقرأ أو بما يسمع أو بما يمرر على سمعه وجوارحه وقلبه من الأدلة والبراهين التي تبين ما ذكره رحمه الله: قلة وفاء الدنيا، وكثرة جفائها، وخصة شركائها، وسوء عاقبتها، وغير ذلك. قال رحمه الله: «فإنه إن تم عقله وحضر رشده زهد فيها ولا بد». وهو كما قال رحمه الله. ولا شك أن الإنسان أحيانًا يكون بينه وبين نفسه الأمارة بالسوء وطبعه صراع، فعند ذلك يذكرها بما ذكر. والله تعالى أحيانًا.