الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 16، الدرس السادي عشر : (والبعث في الأصل الإثارة والتحريك ... إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتضمن الإيمان بالبعث ثلاث مراتب: ما يحدث في القبر، نفخ الصور، وما يكون يوم القيامة. يجب الإيمان بقدرة الله على إعادة الحياة للأجساد المتحللة.
يجب الإيمان بالبعث الجسماني، ومنكره يعتبر كافراً. ومن يزعم بعث الأرواح في أجسام أخرى يعتبر مبتدعاً وفاسقاً لخروجه عن دلالة الكتاب والسنة.
الإيمان بالقدر يتضمن أربع مراتب: العلم، المشيئة، الكتابة، والخلق. الله علم مقادير الأشياء وأزمانها أزلا وكتبها في اللوح المحفوظ.
يختتم الكلام مؤقتا عن المباحث على أن يستكمل الحديث عنها لاحقا. الله تعالى هو الأعلم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشارح رحمه الله تعالى: قال: والبعث في الأصل هي الإثارة والتحريك، يعني معناه في اللغة الإثارة والتحريك، فتقول: بعث الأرض، يعني أثارها، وهكذا من معانيه الإرسال، تقول: بعث برسالته، ومنه: ﴿ثم بعثنا من بعدهم موسى﴾ يعني أرسلنا. قال: والمراد به في لسان الشرع إخراج الموتى من قبورهم أحياء يوم القيامة لفصل القضاء بينهم، هذا الذي دلت عليه الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، وسيأتي إن شاء الله في آخر الكتاب بحث خاص وموسع في ذلك. ومن قول الله عز وجل: ﴿زعم الذين كفروا أن لا يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن﴾ وغيرها من الآيات كثيرة. قال رحمه الله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ يعني أنهم يبعثون ثم ينظر في أعمالهم، من كان عملا فمثقال ذرة، وهو مسمى لأصغر المحسوسات، ومعناه ولو عمل عملا قليلا فلا يضيع، ومن باب أولى الكثير أنه يحفظ، والعكس كذلك، من عمل عملا قليلا من الشر فإنه لا ينسى له، والكثير من باب أولى. قال: ويجب الإيمان بالبعث على الصفة التي بينها الله في كتابه، وهو أنه يجمع ما تحلل من أجساد الأجساد التي كانت في الدنيا، وإن شاءها خلقا جديدا وإعادة الحياة إليها. وهذا الإيمان بالبعث يتضمن الإيمان بالبعث على ثلاثة مراتب: الإيمان بالبعث، ومن ذلك القبر وما فيه من أحواله، وهكذا كذلك ما يكون من نفخ الصور، وهذا الأمر الثاني، وهكذا كذلك ما يكون يوم القيامة، فهذه ثلاثة مباحث يتضمنها الإيمان بالبعث. فمن آمن بالبعث آمن بما يجري للأجساد في القبور، وما تجمع به كذلك لتبعث، وليس المراد بذلك أن يكون في قبره هذه الحفرة التي يدفن فيها، ولكن المراد في فترة موته، فلو مات في البحر أو أكلته السبع أو نثر في البر أو أحرقته النار أو مزقته كذلك أي شيء من أنواع الممزقات، فإن الواجب على المسلم أن يؤمن بأن الله جل وعلا على كل شيء قدير. فهو قادر على أن يجمعه كما خلقه من العدم سبحانه وتعالى، وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين بقصة الرجل الذي أسرف على نفسه، فخاف فأمر أبناءه أنه إذا مات ينثروا يحرقوه ثم يدقوه ثم ينثر بعضه بالبر وبعضه بالبحر، وأن الله جل وعلا يعيده جمعه، فأعاده كما كان، فسأله عن ذلك فأخبر أنه فعل ذلك خشية الله سبحانه، فغفر له، الحديث. وهذا يدل على تأكيد ذاك المعنى العام الذي يجب الإيمان به، أن الله جل وعلا على كل شيء قدير، وأن من مات وتفرق جسده فالله جل وعلا يجمعه، قادر على جمعه في قبره، وقبره يجعل الله عز وجل له كيفية خاصة لا نعلمها، وهو سبحانه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير. وهكذا كذلك عند نفخ الصور تجمع أطراف جسده فيبعث مع الناس الذين يبعثون، وهكذا يوم القيامة حين يأتون بأجسادهم وأعمالهم يأتي مع من يأتي، كل ذلك يجب الإيمان به، وهذا بعض الوصف الذي ذكر في الكتاب وفي السنة، فكل ما جاء ذكره في أدلة الكتاب والسنة الكثيرة يجب الإيمان بها. قال رحمه الله تعالى: «وإن شاءها خلقا جديدا وإعادة الحياة إليها»، كل هذا يؤمن به أهل السنة كما دلت عليها دلالة الكتاب والسنة. قال: ومنكر البعث الجسماني كالفلاسفة والنصارى كافر، منكر البعث الجسماني يعني الذي ينكر بعث الأجساد، حكمه في دين الإسلام أنه كافر، وهذا باعتقاده ذلك، ولو كان زعم أنه من المسلمين، وافق بذلك الفلاسفة وبعض النصارى من الدهريين الذين على هذه العقيدة الفاسدة، فيكونوا بذلك كفارا. وهؤلاء هم الذين جاءت الأدلة الشرعية في الكتاب وفي السنة بإثبات البعث من جهة العقل، كما أخبر الله عز وجل من ذلك أوجها، فمن هذه الأوجه مثلا خلق السماوات والأرض، وأن خلق السماوات والأرض أعظم من خلق الناس، كما قال سبحانه: ﴿لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس﴾ يعني أهون وأيسر. فمن يرى في عظم خلق السماوات يعلم أن الذي خلق هذه المخلوقات العظيمة لا يعجزه أن يعيد خلق الإنسان مرة أخرى، وهكذا من الأدلة العقلية التي ذكرت في الشرع خلق الإنسان، كما قال سبحانه: ﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه﴾، الذي خلق الإنسان من عدم في أول الأمر قادر جل وعلا أن يعيده مرة أخرى. وهكذا كذلك من الأدلة العقلية التي ذكرت في الشرع إحياء الأرض بعد موتها، كما قال سبحانه: ﴿إن الذي أحياها لمحيي الموتى﴾، الذي أحيا الأرض على هذه الصفة وهي غاية في القحط قادر على أن يحيي الموتى، وهو على كل شيء قدير. قال: وأما من أقر به ولكنه زعم أن الله يبعث الأرواح في أجسام غير الأجسام، يزعم أنها أجسام أخرى، وأن هذه الأجسام لا يمكن أن تعود على صفاتها التي كانت في الدنيا، فهو مبتدع وفاسق لأنه خالف ما دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة، فهو لوجود الشبهة مبتدع وفاسق، كجماعة من أهل البدع العقلانيين من المعتزلة وغيرهم الذين يقولون بهذا القول. وأدلة الكتاب والسنة تثبت ذلك، أي تثبت إعادة الأجساد كما كانت في الدنيا، وهذا هو الأصل. قال رحمه الله تعالى: وأما القدر، وهو بالأصل مصدر، تقول: قدرت الشيء بفتح الدال وتخفيفها، قدرت أقدره بكسرها قدرا وقدرا إذا أحطت بمقداره، قدرت وقدرت يجوز بالتشديد والتخفيف، لكن هنا قال بالتخفيف، فإذن القدر مأخوذ من التقدير. والمراد به هنا تقدير ما يكون للناس من خير ومن شر، وهذا بعض معاني القدر. قال: والمراد به في لسان الشرع أن الله عز وجل علم مقادير الأشياء وأزمانها أزلا، يعني فيما سبق من الزمان إلى ما لا نهاية، هذا معنى الأزل، ما مضى من الزمان إلى ما لا نهاية. فالله جل وعلا ليس له ابتداء، هو الأول ليس قبله شيء، وأوليته سبحانه وتعالى في ذاته مقترنة بأوليته في صفاته، ومن صفاته أنه بكل شيء عليم، فعلم سبحانه وتعالى مقادير الأشياء قبل وجودها أزلا، ثم أوجدها بقدرته ومشيئته على وفق ما علمه منها، أوجد كل شيء في وقته وحينه الذي قدره له. فأوجد السماوات والأرض في الوقت الذي خلقها سبحانه وتعالى، وقد علم بسابق علمه سبحانه وتعالى متى تخلق وكيف تخلق وعلى أي حال تخلق، فقدر ذلك كله، ثم لما شاءه وقال له: كن فكان، وافق ذاك المخلوق ما سبق في علمه سبحانه وتعالى. وهذا قوله: «ثم أوجدها بقدرته ومشيئته على وفق ما علمه منها»، وأنه كتبها في اللوح المحفوظ قبل إحداثها، كذلك من الإيمان بالقدر، وسيأتي معنا إن شاء الله مبحث القدر مفصلا في آخر الكتاب. من الإيمان بالقدر الإيمان بالكتابة، فإن الإيمان بالقدر يتضمن الإيمان بأربعة مراتب: المرتبة الأولى العلم، والمرتبة الثانية المشيئة، والمرتبة الثالثة الكتابة، والمرتبة الرابعة الخلق، فهذه أربعة مراتب تلت عليها دلالة الكتاب والسنة، يجب أن تثبت في الإيمان بالقدر، فالكتابة مرتبة من مراتب القدر. قال: وأنه كتبها في اللوح المحفوظ قبل إحداثها، كما في الحديث: «أول ما خلق الله القلم فقال له: أكتب، قال: وما أكتب؟ قال: أكتب كل ما هو كائن»، يعني إلى يوم القيامة، لأن النكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق، والحديث حديث حسن أو صحيح. فجاء من حديث عبادة بن الصامت وعبد الله بن عباس من طرق كثيرة، وذكره الشيخ العلامة الألباني رحمه الله في الصحيحة، وهكذا كذلك في تحقيقه للسنة لابن أبي عاصم، وشيخنا في الصحيح المسند كذلك قال. وقال تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها﴾، ومعناه أن الأشياء قد كتب أمرها قبل وقوعها، وهذا دليل من الكتاب على أمر الكتابة، وهي مرتبة من مراتب القدر. وسيأتي إن شاء الله الكلام على بقية هذه المباحث في مواضعها كما ذكرنا مفصلا، نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.