الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 48، الدرس الثامن والأربعون : (وقوله ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ... هل كان يحسن هذا التعبير ببسط اليدين ألا شاهت وجوه المتأولين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل إثبات صفة اليدين لله عز وجل بناءً على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ويشدد على أن هذه الصفة لا يمكن تفسيرها بالقدرة أو النعمة بل هي صفة حقيقية تليق بجلال الله وعظمته.
يناقش هذا الفصل تفسير معنى اليدين لله عز وجل في القرآن والسنة، ويستدل على إثبات اليدين لله على حقيقتهما بما يليق بجلال الله عظمته، مع رفض تفسير اليدين بالقدرة أو النعمة دون إثبات اليدين الحقيقيتين لله.
يؤكد هذا الفصل إثبات صفة اليدين والأصابع لله تعالى استنادا إلى الأحاديث النبوية الصحيحة، ويبين أن إثبات هذه الصفات يكون على حقيقتها دون تأويل أو تحريف لمعانيها.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. ونعنون بما قالوا: بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله «ما منعك إلى آخره» تضمنت هاتان الآيتان إثبات اليدين صفة حقيقية له سبحانه، على ما يليق به. فهو في الآية الأولى يوبخ إبليس على امتناعه عن السجود لآدم الذي خلقه بيديه. ففي إثبات اليدين لله عز وجل، وأن الله عز وجل من إكرامه لآدم أن خلقه بيديه، قال: ولا يمكن حمل اليدين هنا على القدرة، فإن الأشياء جميعا، حتى إبليس خلقها الله بقدرته، فلا يبقى لآدم خصوصية يتميز بها. وكل من عرف العربية، بل حتى من لم يعرف اللسان العربي، لو ترجم له هذا المعنى، لم يجد بدًا إلا أن يستسلم أن في ذكر لفظ اليدين في هذا الموضع خصوصية لآدم. فإن فسرت بالقدرة، لم تكن خصوصية. فعلم بأن المقصود بها على ما يليق بجلال الله وعظمته. قال رحمه الله تعالى: وفي حديث عبد الله بن عمر: «إن الله عز وجل خلق ثلاثة أشياء بيده: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده». قال: فتخصيص هذه الثلاثة بالذكر، مع مشاركتها لبقية المخلوقات في وقوعها بالقدرة، دال على اختصاصها بأمر زائد. وهذا يدل على أن المقصود ليس هو القدرة، بل المقصود إثبات أنها تميزت عن سائر المخلوقات بأنها خلقت بيده الله عز وجل. إثبات صفة اليدين لله عز وجل ثابتة من أدلة كثيرة، ليس في هذين الدليلين فحسب. فكونها وردت في أدلة كثيرة يدل على تأكيد إثبات صفة اليدين لله عز وجل. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: إن لفظ اليد ورد في كلام الله ورسوله والصحابة والتابعين في أكثر من مئة موضع. فهذا يدل على أنها بهذه الأوجه الكثيرة المختلفة ثبتت هذه الصفة لله عز وجل. فمن زعم أنها غير مرادة، وأن ظاهرها غير مراد، فهو في الحقيقة مبطل غاية الإبطال، إذ خالف هذه الأدلة الكثيرة التي على تنوعها واختلاف مواردها جاءت لإثبات شيء واحد، وهو معنى من معاني التواتر الذي لا يمكن رده. وقد مر معنا وتقدم أن المتواتر منه ما هو لفظي، ومنه ما هو معنوي، ومنه ما هو شبه معنوي. فهذا المعنى يؤكد أنه نوع من أنواع التواتر. وقد رد ابن القيم رحمه الله تحريفات وتأويلات أهل الباطل الباطلة من أكثر من عشرين وجها في «مختصر الصواعد». وقوله: «وفي حديث عبد الله بن عمر» يشير إلى أنه قد صح بيان وذكر أن الله عز وجل خص بعض الأشياء بخلقه بأن خلقها بيده. وقوله: «وفي حديث عبد الله بن عمر» الصحيح أنه لم يثبت من حديث عبد الله بن عمر، وإنما جاء من حديث عبد الله بن عمر موقوفا، رواه الحاكم والبيهقي وغيرهما. قال عليه الصلاة والسلام: «خلق الله أربعة أشياء بيده: العرش والقلم وآدم وجنة عدن، ثم قال للسائر الخلق: كن فيكون». وهكذا صح موقوفا عن عبد الله بن عباس. وأما مرفوعا، فقد جاء من حديث عبد الله بن الحارث بن نوفل، مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يصح، لأن عبد الله بن الحارث بن نوفل حنكه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يدركه وهو كبير، وإنما أدرك من النبي عليه الصلاة والسلام التحنيك، فهو لم يسمع منه شيئا، فروايته مرسلة. فالحديث بهذا اللفظ الذي أشار إليه المؤلف أولا ليس من حديث عبد الله بن عمر. ثانيا: أنه من حديث عبد الله بن الحارث بن نوفل، والحديث ضعيف. ولكنه صح موقوفا بألفاظ، ومنها اللفظ الذي سمعناه من حديث عبد الله بن عمر موقوفا عليه، وجاء كذلك عن عكرمة مرسلا، ولا يصح، ففيه ضعيف، رواه عبد الله بن أحمد في «السنة». وجاء عن خالد بن معدان مرسلا، ولم يصح، ففيه جهالة. وجاء عن حكيم بن جابر مرسلا. وهكذا جاء عند عبد بن حميد وابن المنذر، و«الشريعة» للآجري عن كعب الأحبار، وعن محمد بن كعب. فهذا يدل على أن هذا المعنى له أصل، أي تواتر أو كثرة الرواية في هذا المعنى بالمرفوع والمرسل، وهكذا كذلك الموقوف يشد بعضه بعضا، فيثبت أصل الحديث الذي ورد فيه ضعف كما سمعنا. قال رحمه الله تعالى: فتخصيص هذه الثلاثة بالذكر، مع مشاركتها لبقية المخلوقات في وقوعها بالقدرة، دال على اختصاصها بأمر زائد. يعني كما تقدم: دل على أن الله عز وجل خلق بعض المخلوقات بيده تكرمة لها. وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في قصة محاجة آدم وموسى: أن الله عز وجل كتب التوراة - أي لموسى - بيده. وهذا يدل على زيادة اختصاص. قال: وأيضا فلفظ اليدين بالتثنية لم يعرف استعماله إلا في اليد الحقيقية، ولم يرد قط بمعنى القدرة أو النعمة، فإنه لا يسوء أن يقال: خلقه الله بقدرتين أو بنعمتين، لأنه قال: «بيدي» بالتثنية. فإن كان المراد القدرة، فإذا معناه بقدرتين أو بنعمتين. وهل هذا المعنى صحيح؟ فهذا مما تستوحشه اللغة والسياق وتركيب الكلام، فضلا عن ما سبقت الإشارة إليه من تواتر الأدلة على إثبات هذا اللفظ على حقيقته، على ما يليق بجلال الله عظمته. فيكون المعنى الذي لا مفر منه ولا بد منه هو إثبات اليدين لله عز وجل على ما يليق بجلال الله عظمته. قال رحمه الله تعالى: على أنه لا يجوز إطلاق اليدين بمعنى النعمة والقدرة أو غيرهما إلا في حق من اتصف باليدين الحق على الحقيقة. ولذلك لا يقال للريح يد، ولا للماء يد. وكما مر معنا أن المضاف تغير معناه بحسب المضاف إليه. وأشار ابن القيم رحمه الله في «مختصر الصواعق» إلى هذا المعنى الذي أشار إليه الشارح: وأن إضافة اليدين أو إضافة اليد لمن ليس له يد، ولو كان أريد به النعمة هذا خطأ ولحن. وإنما يضاف - ولو أريد به القدرة والنعمة - لمن له يد حقيقة، فيكون فيه إثبات النعمة أو القدرة وإثبات اليد كذلك. وعلى هذا لحنوا قول المتنبي في شعره: «وكم لظلام الليل من يد تحدثك أو تحدث أن المانوية تكذبك». فقالوا: هذا من لحنه. والمتنبي من الشعراء المولدين، أي الذين لا يستدل بشعرهم، وإن كان بشعرهم شيء من القوة والبلاغة والفصاحة، لكنه من شعراء المولدين الذين لا يستدل بشعرهم. ومما استدل به أهل العربية على أن شعر المتنبي فيه لحن هذا الموضع من شعره، إذ أنه نسب اليد للليل أو لظلمة الليل، وليس هذا له أصل في لغة العرب. فلا يقال: اليد بمعنى النعمة إلا لما له يد حقيقة. قال: وأما احتجاج المعطلة بأن اليد قد أفردت في بعض الآيات، وقبل ذلك أشار بعض أهل العلم إلى أن هذا التنبيه الذي نبه به ابن القيم رحمه الله لا يعاربه كونه ورد في بعض الأدلة ذكر لفظ اليدين دون من كان له يد - يعني لمن ليس له يد - كحديث «بين يدي الساعة» وهكذا كذلك «كما بين يديها» ونحو ذلك. فقد أجابوا عن ذلك بما أجاب به الدارمي رحمه الله تعالى في رده: بأن هذا بإضافة لفظة «بين» فيدل على المكان لا على اليد الحقيقية، وإنما يدل على المكان. ولذلك فهو مقيد بلفظة «بين». قال: وأما احتجاج المعطلة بأن اليد قد أفردت في بعض الآيات، وجاءت بلفظ الجمع في بعضها، فلا دليل فيه. فإنما يصنع بالإثنين قد ينسب إلى الواحد، تقول: رأيت بعيني، وسمعت بأذني، والمراد عيناي أو نعم عيناي وأذناي. قال: وكذلك الجمع يأتي بمعنى المثنى أحيانا - يعني أقل الجمع اثنين - أو يقال: إنه للتعظيم. قال: كقوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ والمراد قلباكما. فيكون المراد قلوبكما - أي على أن الاثنين أقل الجمع - على أن الاثنين أقل الجمع. قال: وكيف يتأتى حمل اليد على القدرة والنعمة مع ما ورد من إثبات الكف والأصابع واليمين والشمال والقبض والبسط وغير ذلك مما لا يكون إلا لليد الحقيقية؟ وقوله: إثبات الكف والأصابع إلى آخره، وردت الأدلة بإثبات هذا الذي أشار إليه رحمه الله. وكنت قد ذكرت لبعض الإخوة في شرح قديم: وبسط القول في هذه الأدلة هو أختصر، وذلك لأن المقام لا يتسع للإطالة. فقوله: ما ورد من إثبات الكف، على سبيل المثال: ما ورد في حديث أبي هريرة مرفوعا: «ما تصدق أحد بصدقة من طيب - ولا يقبل إلا طيب - إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل». والحديث في الصحيحين. ففي إثبات الكف لله عز وجل. وهكذا الأصابع جاء في حديث ابن مسعود: فقصة الحبر كما في الصحيحين. وحديث ابن عمر مرفوعا: «يأخذ الله سماواته وأرضه بيده، فيقول: أنا الله، ويقبض أصابعه ويبسطها، ويقول: أنا الرحمن». والحديث في صحيح مسلم. وهكذا كذلك اليمين، فقد جاء في حديث أبي هريرة: «يمين الله ملأى لا يغيظها نفقة، سحاء الليل والنهار». والحديث في الصحيحين. وجاء في حديث ابن عمر كذلك معناه في الصحيحين. وحديث عبد الله بن عمر: «المقسطون على منابر من نور». الحديث. ثم قال: «كلتا يديه يمين». والحديث في صحيح مسلم. وهكذا كذلك حديث أبي هريرة: «كلتا يديه يمين مباركة». رواه أحمد والترمذي والحاكم وابن أبي عاصم، وصححه غير واحد من أهل العلم، وذكره العلامة الألباني مصححا في «السنة» لابن أبي عاصم. وهكذا كذلك ذكر الشمال، هذا على ما جاء في صحيح مسلم في حديث ابن عمر، وهو من رواية عمر بن حمزة. والصحيح أنها لفظة شاذة، كما قال البيهقي: إن فرد عمر بها خالف عبيد الله بن مقسم ونافع. ويراجع تنبيه الحافظ ابن حجر في «الفتح»، فقد نبه في البخاري في حديث: «سبعة آلاف وأربعمائة واثني عشر أو ثلاثة عشر» إلى شذوذ أو إلى من حكم بشذوذ هذه اللفظة في حديث: «يطوي السماوات ويأخذهن بيمينه، ثم يطوي الأراضين بشماله». فأكثر الرواة ذكروها - كما ذكر البيهقي - عبيد الله بن مقسم ونافع بلفظ «الأخرى»، ولم يذكروا «بشماله». وهو مخالف للأحاديث التي تقدمت: «كلتا يديه يمين» أو كذلك حديث عبد الله بن عمر. ولأهل العلم في هذا توجيهان: فمن أهل العلم من وجهه بالترجيح - كما سمعت - أن رواية ذكر الشمال رواية شاذة، فيبقى ذاك على ظاهره، و«كلتا يديه رب يمين مباركة». أو ذهب بعض أهل العلم إلى أن ذكر الشمال لا يعارض ذكر اليمين، فيكون ذكر اليمين من البركة - من اليمن - «كلتا يديه رب يمين» أي من البركة. وسواء كان هذا أو هذا، الأمر واسع، خصوصا مع من يصحح أو يقبل هذه الرواية. والصحيح ما سمعت. وهكذا كذلك لفظ اليد مفردة، جاء في حديث ابن عمر في صحيح مسلم. وفي حديث أبي موسى في صحيح مسلم: «يبسط يده بالليل». إلى آخره. فكل هذا فيه إثبات ما أشار المؤلف من الكف والأصابع واليمين أو الشمال - على هذه الرواية التي حسنها بعضها للعلم منهم الإمام مسلم - أو القبض أو البسط. وكل هذه مع تنوع مواردها وتضافر أدلتها تؤكد إثبات اليد على حقيقتها، بما لا مجال للشك فيه. وأن معنى اليد ليس هو النعمة ولا القدرة أبدا. قال رحمه الله تعالى: وفي الآية الثانية: يحكي الله سبحانه مقالة اليهود - قبحهم الله - في ربهم، ووصفهم إياه - حاشا - بأن يده مغلولة. وفيه أن اليهود أثبتوا اليد لله، ولكنهم زعموا أنها مغلولة - أي وصفوها بالبخل - فصار المعطلة أطبح من اليهود، إذ أنهم نفوا عن الله عز وجل اليد. قال: أي ممسك عن الإنفاق. ثم أثبت لنفسه سبحانه عكس ما قالوا - يعني أن الله عز وجل في الآية أثبت لنفسه عكس ما قال اليهود فيه - قال: وهو أن يديه مبسوطتان بالعطاء، ينفق كيف يشاء. كما جاء في الحديث: «إن يمين الله ملأى سحاء الليل والنهار، لا تغيضها نفقة». وقد تقدمت الإشارة إلى هذا الحديث - حديث أبي هريرة - في الصحيحين. قال: ترى لو لم يكن لله يدان على الحقيقة، هل كان يحسن هذا التعبير ببسط اليدين؟ ألا شاهت وجوه المتأولين. فبهذا تعلم أن تنوع موارد إثبات اليدين لله عز وجل تثبت لله عز وجل يدين حقيقيتين على ما يليق بجلال الله وعظمته. والله تعالى أعلم.