الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 80، الدرس الثمانون:من(وقوله صلى الله عليه وسلم لا تزال جهنم يلقى فيها ...ويقابله تكليمه لأهل الجنة تكليم محبة ورضوان وإحسان ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ ابن بريك حديث النبي الذي يثبت صفة القدم لله تعالى، ويؤكد على منهج أهل السنة في إثبات الصفات من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. يبين أن الروايات المختلفة تثبت المعنى على حقيقته.
يتناول الرد على التأويلات الخاطئة لنصوص الصفات الإلهية مثل إثبات الرجل والقدم لله، ويشير إلى ردود شيخ الإسلام على هذه التأويلات، ويؤكد على الإيمان بما جاء في النصوص دون تأويل أو تحريف.
يناقش إثبات صفة الكلام والنداء والتكليم لله استنادًا إلى حديثين نبويين، ويبين مذهب أهل السنة والجماعة في هذه الصفات ويرد على الأشاعرة الذين ينفون عن كلام الله الحرف والصوت.
يشرح معنى قول الله تعالى وكيف يكون له صوت يليق بجلاله، ويؤكد أن كلام الله ليس كأصوات المخلوقين، ويبرز أن الله سبحانه ليس كمثله شيء في كل شيء، بما في ذلك صفاته.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قال وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول: هل من مزيد، حتى يضع رب العزة فيها رجله»، وفي رواية: «عليها قدمه»، فينزوي بعضها إلى بعض، فتقول: قط، متفق عليه. أورد رحمه الله هذا الحديث كذلك ليستدل به رحمه الله تعالى على إثبات ما أثبت نبينا صلى الله عليه وسلم لربنا عز وجل، فيثبت له إثبات وجود من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. ومن ذلك ما في هذه الروايات في هذا الحديث من إثبات القدم والرجل لله عز وجل على ما يليق بجلاله وعظمته. وهذا الحديث قد جاءت فيه روايات كما أشار، فالرواية الأولى: «حتى يضع رب العزة فيها رجله»، هي رواية حديث أبي هريرة في الصحيحين، والرواية الأخرى التي فيها قال: وفي رواية: «عليها قدمه»، يشير إلى رواية حديث أنس في صحيح مسلم. وفي هذا أن الرجل والقدم على ما يعهد من معانيه في اللغة، ليس يجوز أن يحرف عن معناه، كما لا يجوز أن يكيف أو يمثل بما تبطيه عقول المخلوقين، فيشبه الخالق بشيء من خلقه، بل يثبت إثبات وجود، ويمر كما جاء من غير تحريف ولا تعطيل، أي: لا للفظه ولا لمعناه، ومن غير تكييف ولا تمثيل، أي: لمعناه بأن يشبه أو يمثل بشيء من الأشباه والنظائر والأمثال التي هي من أشباه وأمثال ونظائر المخلوقين، لأنه سبحانه ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. وهكذا ذكر الرجل والقدم مع قوله سبحانه: «حتى يضع رب العزة فيها»، أن المقام مقام عزة، فناسب قوله: «رب العزة». وفي رواية لابن خزيمة: «فيضع الجبار فيها قدمه»، وهذا يدل أولا على إثبات المعنى على حقيقته من غير تحريف ولا تعطيل، وهكذا كذلك على أنه ليس يشبه شيء من خلقه، فينفي عن نفسه سبحانه وتعالى التمثيل والتشبيه. وهكذا كذلك يثبت الشيء على ظاهره من غير تحريف ولا تعطيل، وهكذا كذلك ينبغي أن نتأمل هذه التأويلات الباطلة التي تأولها أهل التعطيل لهذا الحديث، فأحيانا يقولون: المراد برجله أو قدمه أقدام الجبارين، ويريدون بالجبارين: أي من الكفار الذين يستحقون النار، وهذه شناعة وتعطيل لا يقتضيه ولا يرتضيه سياق ولا سباق ولا نص، لا من شرع ولا من لغة، فإنه تكلف غاية في التكلف. وهكذا قولهم أحيانا أنه قدم جبار معين، وهكذا قولهم أن المراد به قدم مالك خازن النار، أو كذلك قولهم أنه خلق من خلق الله يسميه ربنا جل وعلا قدم، وغير ذلك من التحريفات الكثيرة التي حرفوا بها هذا النص، وكل ذلك من الباطل التي ترده أولا الأدلة، وثانيا كذلك العمومات وإجماع الأمة، وغير ذلك من المعاني الكثيرة. وقد رد شيخ الإسلام رحمه الله تعالى هذه الأقوال في كتابه العظيم «الرد على كتاب التأسيس للرازي» في كتابه «النقض نقض التأسيس»، وهكذا أشار إلى ذلك كذلك في مواضع أخرى من كتبه. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله: «لا تزال جهنم إلى آخره»، في هذا الحديث إثبات الرجل والقدم لله عز وجل، وهذه الصفة تجرى مجرى بقية الصفات، فتثبت لله على الوجه اللائق بعظمته سبحانه. والحكمة في وضع رجله سبحانه في النار أنه قد وعد أن يملأها، كما في قوله تعالى: ﴿لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾، ولما كان مقتضى رحمته وعدله أن لا يعذب أحدا بغير ذنب، وكانت النار في غاية العمق والسعة، حقق وعده تعالى فوضع فيها قدمه، فحينئذ يتلاقى طرفاها، ولا يبقى فيها فضل عن أهلها، ونحن نؤمن به كما جاء، لأن المقام مقام إخبار، فالله عز وجل أخبر، وهو الصادق أصدق حديثا وأصدق قيلا سبحانه وتعالى، على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام أن ذلك يقع ويكون، فنؤمن به كما أخبر به نبينا عليه الصلاة والسلام الصادق المصدوق. قال: وأما الجنة فإنه يبقى فيها فضل عن أهلها، مع كثرة ما أعطاهم وأوسع لهم، فينشئ الله لها خلقا آخرين، كما ثبت بذلك الحديث، ويشير كما أشار المعلق إلى حديث أنس في الصحيحين، وفيه: «ولا تزال الجنة تفضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة». قال رحمه الله تعالى: وقوله: «يقول تعالى: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار»، متفق عليه. وقوله: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، وليس بينه وبينه ترجمان»، وهكذا أورد شيخ الإسلام رحمه الله تعالى هذين الحديثين لإثبات صفة النداء والكلام لله عز وجل. كما أثبت معنى ذلك بأدلة الكتاب فيما تقدم في أدلة القرآن، كذلك ها هنا بمعضي أدلة السنة، وإلا فالأدلة كثيرة، والحديث الأول الذي أشار إليه هو حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه أرضاه، والحديث الثاني الذي أشار إليه هو حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه أرضاه، وفي رواية زاد قال: «ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه». قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله: «يقول تعالى: يا آدم إلى آخره»، في هذين الحديثين إثبات القول والنداء والتكليم لله عز وجل، وقد مرت معنى أدلته والكلام على مباحثه ومسائله فيما تقدم من مبحث القرآن. قال: وقد سبق أن بينا مذهب أهل السنة والجماعة في ذلك، وأنهم يؤمنون بأن هذه صفات أفعال له سبحانه، تابعة لمشيئته وحكمته، فهو قال ويقول، ونادى وينادي، وكلم ويكلم، وكل ذلك على ما يليق بجلاله وعظمته، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. قال: وأن قوله ونداءه وتكليمه إنما يكون بحروف وأصوات يسمعها من يناديه ويكلمه، وفي هذا رد على الأشاعرة في قولهم إن كلامه قديم وأنه بلا حرف ولا صوت، بل هو كلام لله عز وجل بحرف وصوت على ما يليق بجلاله وعظمته. قال: وقد دل الحديث الثاني على أنه سبحانه سيكلم جميع عباده بلا واسطة، وهذا تكليم عام لأنه تكليم محاسبة، فهو يشمل المؤمن والكافر والبر والفاجر، والأصح أن نقول أنه تكليم تقرير. وأما المحاسبة فهو يستلزم التعذيب، كما قالت عائشة: «من حُوسِب عُذب»، فيما ترويه عن النبي عليه الصلاة والسلام، قال: ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿ولا يكلمهم الله﴾، لأن المنفي هنا هو التكليم بما يسر المكلم، وهو تكليم خاص. ويقابله تكليمه سبحانه لأهل الجنة تكليم محبة ورضوان وإحسان، وقد تقدم معنى أن الكلام يكون في عرصات يوم القيامة، ويكون كذلك في الجنة مع أهل الجنة، كما يكون لأهل النار مع أهل النار. وأما ما ورد من عدم التكليم، ففسر بتفسيرين: عدم التكليم بعد الوقت الذي لا يكلمون فيها: «اخسأوا فيها ولا تكلمون»، وهكذا كذلك ففسر بأنه عدم تكليم على وجه الرضا، وإنما تكليم على وجه السخط، وكل المعنيين له أدلة تدل عليه، ولا منافاة بين إثبات هذين المعنيين كل بحسبه. وهكذا كذلك قوله رحمه الله تعالى: وهو تكليم خاص، مر معنا أن من التكليم ما يكون إكرام، ومن التكليم ما يكون سخط وغضب، فهذا مراده بالخاص، ومنه العام الذي يكون لعموم الناس، ومنه هذا الحديث: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه». وهذا الكلام الذي دلت الأدلة على إثباته لله عز وجل، كلام يليق بجلال الله وعظمته، وهو بحرف وصوت يليق بجلال الله وعظمته، لأن هذه الأدلة تدل على ذلك. فقوله: «يا آدم»، يقول تعالى: «يا آدم»، هذا نداء، ونداء بهذه الأحرف: الياء والألف والألف والدال والميم، وهو سبحانه وتعالى أخبر كما أخبر بذلك نبي عليه الصلاة والسلام أنه يقول ذلك لآدم يوم القيامة، فنحن نؤمن به، وهذا الكلام على ما يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى. وقوله: «فينادي بصوت»، ظاهر بأنه له صوت، أي: كلام الرب جل وعلا، لكن ليس كأصوات المخلوقين، لأنه سبحانه ليس كمثله شيء، ولكن صوت يليق بجلاله وعظمته، كما تقدم الكلام عليه. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.