الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 70، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
جاء اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم بزانٍ وزانية، فاستفتوه في عقوبتهما، فكشفوا عن تحريفهم للتوراة وتركهم لحد الرجم، فأمر النبي برجم الزانيين وأُنزلت آيات تتعلق بذلك. ناقش المقطع قصة رجم النبي صلى الله عليه وسلم لزانيين يهوديين بناءً على طلبهم، حيث استدعوا التوراة وأمر برجم الزانيين بعد أن اعترف اليهود بحكم التوراة.
يذكر المؤلف أمثلة على تبديل اليهود لأحكام التوراة، مثل قضية الرجم وتفريقهم في الدية والقتل حسب شرف القبيلة، ويستدل بذلك على تحريفهم للتوراة. هذا يدل على نفاق اليهود وتحريفهم للكتاب المقدس لديهم.
يُبين أن الحديث ضعيف بسبب اضطراب رواية سماك عن عكرمة، لكنه يُؤكد أن معناه ثابت بشواهده في كتب السير والتاريخ. يُشير إلى وجود مراسيل كثيرة تُحسن الحديث وتدعم معناه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. رضي الله عنهما أنه قال: إن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا له أن امرأة منهم ورجلًا زنيَا. قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟» قالوا: نفضحهم ويجلدون. فقال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم. فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها. فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك. فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم. فقالوا: صدق يا محمد، صلى الله عليه وسلم. فأمر بهم النبي فرجم. وأخرج البخاري عن عبد الله بن عمر أنه قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق حتى جاء يهود، فقال: «ما تجدون في التوراة على من زنى؟» قالوا: نسود وجوههما ويطاف بهما. قال: «فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين». قال: فجاءوا بها، فقرأوها حتى إذا مر بآية الرجم، وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم، وقرأ ما بين يديها وما وراءها. فقال عبد الله بن سلام ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مره فليرفع يده». فرفعها، فإذا تحتها آية الرجم. قالوا: صدق، فيها آية الرجم، ولكننا نتكاتمها بيننا. وإن أحبارنا أحدثوا التحميم والتشبيه. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمهما، فرجما. وأخرج مسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قال: مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي محمم مجلود، فدعاهم، فقال: «هكذا تجدون حد الزان في كتابكم؟» قالوا: نعم. فدعا رجلا من علمائهم، فقال: «أجدك الله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزان في كتابكم؟» قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك. نجد الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فقلنا: إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحج. وقلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا ماتوا». فأمر به فرجم. فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ إلى ﴿الظَّالِمُونَ﴾ إلى ﴿الْفَاسِقُونَ﴾. قال: هي في الكفار كلها. قالوا: في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: رجم النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من أسلم ورجلا من اليهود. وأما السنن، ففي سنن أبي داود عن زيد بن أسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: أتى نفر من اليهود فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القف، فأتاهم في بيت المدارس، فقالوا: يا أبا القاسم، إن رجلا منا زنى بامرأة، فاحكم بينهم. فوضعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسادة، فجلس عليها، ثم قال: «ائتوني بالتوراة». فأوتي بها، فنزع الوسادة من تحته، ووضع التوراة عليها، وقال: «آمنت بك ومن أنزلَك». ثم قال: «ائتوني بأعلمكم». فأتي بشيخ، ثم ذكر قصة الرجم. وأخرج أيضًا أبو داود وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: زنى رجل من يهود بامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي، فإنه نبي بعث بالتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها، واحتججنا بها عند الله، وقلنا: نبي من أنبيائك. قالوا: فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم، ما ترى في رجل وامرأة منهم زنى؟ فلم يكلمهم كلمة حتى أتى بيت مدراسهم، فقام على الباب، وقال: «أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن؟» قالوا: نحممه ونجبيه ونجلده. والتجبيه أن يحمل الزانيان على حمار، ويقابل أقفيتهما، ويطاف بهما. قالوا: سكت شاب منهم، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم ساكتا أنشده، فقال: اللهم إذ نشدتنا، فإنا نجد في التوراة الرجم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فما أول ما ارتكستم أمر الله؟» قال: زنى ذو قرابة ملك من ملوكنا، فأخر عنه الرجم، ثم زنى رجل في أسرة من الناس، فأراد رجمه، فحال قومه دونه، وقالوا: لا يرجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه. فاصطلحوا هذه العقوبة بينهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإني أحكم بما في التوراة». فأمر بهما فرجم. قال الزهري: فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾. فكان النبي صلى الله عليه وسلم منهم. وأيضًا قد تحاكموا إليه في القود الذي كان بين قريضة وبين بني النظير، وكان النظير أشرف من قريضة. فكان إذا قتل بعض إحدى القبيلتين قتيلًا من الأخرى فيقتلونه، ولم يضعفوا الدية. وإذا قتل من القبيلة الشريفة قتلوا به وأضعفوا الدية. قال أبو داود سليمان بن الأشعث في سننه: حدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن علي بن صالح، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ... وكان القبيلتين والنظير، وكان النظير أشرف من القبيلة. فكان إذا قتل رجل من قريضة أو قتل رجل من القبيلة رجلًا من النظير قتل به. وإذا قتل رجل من النظير رجلًا من القبيلة ودي مئات وسق من تمر. فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجل من النظير رجلًا من قريضة، فقالوا: ادفعوه إلينا نقتله. فقالوا: بيننا وبينكم محمد. فأتوه، فنزلت: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾. والقصط: النفس بالنفس. ثم نزلت: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾. قال أبو داود: قريضة والنظير من ولد هارون. وبسط هذا له موضع آخر. وعلى كل قول، فقد أخبر الله عز وجل أن في التوراة الموجودة بعد المسيح عليه السلام حكم الله، وأن أهل الكتاب اليهود تركوا حكم الله الذي في التوراة مع كفرهم بالمسيح. وهذا ذنب من الله لهم على ما تركوه من حكمه الذي جاء به الكتاب الأول، ولم ينسخ الرسول الثاني. وهذا من التبديل الثاني الذي ذموا عليه. ودل ذلك على أن في التوراة الموجودة بعد مبعث المسيح حكما أنزله الله أمروا أن يحكموا به. وهكذا يمكن أن يقال في الإنجيل. ومعلوم أن الحكم الذي أمروا أن يحكموا به من أحكام التوراة، ولم ينسخ الإنجيل ولا القرآن، فكذلك ما أمروا أن يحكموا به من أحكام الإنجيل ومما لم ينسخ القرآن. وذلك أن الدين الجامع أن يعبد الله وحده، ويؤمر بما أمر الله به، ويحكم بما أنزل الله في أي كتاب أنزله، ولم ينسخ، فإنه يحكم به. أورد المؤلف رحمه الله هذين المثالين يستدل بهما رحمه الله على أن التوراة فيها أحكام مبدلة مغيرة. وقد ثبت ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإن التغيير والتبديل حصل من بعض علماء السوء الذين وافقوا بعض الملوك وغيرهم بغرض من الأغراض. ومثل بهذين المثالين: المثال الأول قضية الرجم، فبمجموع الروايات يتبين التغيير والتبديل الذي فعله اليهود، حتى أن ذلك محي من بعض التوراة التي في أيديهم، وبقيت في بعض التوراة التي في أيديهم. ويفهم ذلك من مجموع الروايات التي أصلها في الصحيحين، وبعضها في السنن، وهي بين الصحيح والحسن. وأشار المعلق إلى تصحيح الشيخ الألباني رحمه الله لتلك الرواية التي في السنن. والقضية الثانية قضية التفريق في الدية والقتل على حسب شرف القبيلة عند اليهود. والحديث وإن جاء من طريق سماك عن عكرمة، ورواية سماك عن عكرمة مضطربة، لكن للحديث شواهد ومعناه ثابت بكتب السير والتاريخ، وفيه مراسيل كثيرة يحسن بها. والمقصود هو بيان هذا المعنى الثاني من التغيير والتبديل. فإذا وجد مثل هذا في التوراة، وكذلك وجد مثله في الإنجيل، وسأتي إن شاء الله شيء من ذلك فيما سيأتي. طيب، والله أعلم.