الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 126، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش شيخ الإسلام ردود اليهود حول عدم إيمانهم بالمسيح، ويعرض حججهم بأن الله اختار بني إسرائيل. كما يبين كفر اليهود بالمسيح واعتقادهم أنه لم يأت بعد، ويقارن ذلك بكفر النصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم.
يناقش المقطع ادعاءات النصارى حول اتباعهم للسنة التي تسلموها من المسيح، ويرد على ذلك بأنهم غير متبعين لشريعته بل ابتدعوا أمورًا لم يسنها لهم. كما يفند استدلالهم بآيات من التوراة على عقيدة التثليث.
يناقش هذا المقطع ادعاءات النصارى حول التثليث مستدلين بآيات من الكتاب المقدس، ويرد عليها بأن تلك الآيات لا تدل على التثليث. كما يوضح أن استخدام صيغة الجمع في مخاطبة الله لنفسه لا يعني التعدد.
يؤكد النص على أن الرسول عبد لله ورسوله، وليس إلهًا، ويرد على قضية التثليث والقانيم، مشيرًا إلى أن الجواب قد سبق وتكرر في الفصول السابقة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله: فصل. قال الحاكي عنهم: فقلت لهم: إذا كانت هذه النبوات عند اليهود، وهم مقرون معترفون بها أنها حق، وأنها عتيدة أن تكمل عند مجيء المسيح، فأي حجة لهم احتجوا بها على عدم الإيمان به؟ أجابوا قائلين: إن الله اختار بني إسرائيل واصطفاهم على الناس له شعبًا في ذلك الزمان. وحيث كانوا في أرض مصر في عبودية فرعون، أرسل إليهم موسى النبي، جلهم على معرفة الله، ووعدهم أن الله يخلصهم من عبودية فرعون ويخرجهم من مصر، ويريهم أرض الميعاد التي هي أرض بيت المقدس. وطلب موسى من الله وعمل العجائب قدام عيونهم، وضرب أهل مصر العشر ضربات، وهم يرون ذلك جميعه ويعلمون أن الله يصنعه لأجلهم. وأخرجهم من مصر بيد قوية قوية، وشق لهم البحر، وأدخلهم فيه، وصر لهم الماء حائطًا عن يمينهم وحائطًا عن شمالهم، ودقل فرعون جميع جنوده في البحر، وبنو إسرائيل ينظرون ذلك. فلما برز موسى وبنو إسرائيل من البحر، وخلفهم فرعون بجنوده فيه، أمر الله لموسى أن يرد عصاه إلى الماء، فعاد الماء كما كان، وغرق فرعون وجميع جنوده في البحر، وبنو إسرائيل يشهدون ذلك. فلما غاب عنهم موسى إلى الجبل ليناجي ربه، وأخذ لهم التوراة من يد الله، تركوا عبادة الله ونسوا جميع أفعاله، وكفروا به، وعبدوا رأس العجل من بعد ذلك، ثم عبدوا الأصنام مرارًا كثيرة، ليس مرة واحدة، ونبحوا لها الذبائح، ليست حيوانات بل بنيهم مع البنات، حسب ما ذكر فيما قبل ذلك. وجميع أفعالهم مكتوبة في أخبار بني إسرائيل. فلما رأى الله قساوة قلوبهم وغلظ رقابهم وكفرهم به، ورأى أفعالهم النجسة الخبيثة، ضرب عليهم، وجعلهم مرذولين، وطبع على قلوبهم فلا يؤمنون، وجعلهم مهانين في جميع الأمم، وليس لهم ملك ولا بلاد ولا نبي ولا كاهن إلى الأبد، حسب ما تنبأت عليهم الأنبياء على ما ذكرناه قبل، وتشهد به كتبهم التي في أيديهم إلى يومنا هذا. وكذا قال الله لأشعياء: «اذهب إلى هذا الشعب، فقل لهم: تسمعون سمعًا ولا تفهمون، وتنظرون نظرًا ولا تبصرون؛ لأن قلب هذا الشعب قد غلظ، وقد سمعوا بأفهامهم سمعًا، وقيلا، وقد غمضوا أعينهم لئلا يبصروا بها، ويسمعوا بآذانهم ولا يفهمون بقلوبهم، ويرجعون إلي، فارحمهم». وقال أشعياء: قال الله: «هكذا مقتت نفسي سبوتكم، ورؤوس شهوركم صارت عندي مرذولة». وقال: «وفي ذلك اليوم يقول الله: سأبطل السبوت والأعياد كلها، وأعطيكم سنة جديدة مختارة، كالسنة التي أعطيتها لموسى عبدي يوم حوريب، يوم الجمع الكثير، بل سنة جديدة مختارة أمرت بها، وأخرجها من صهيون». فصهيون هي أورشليم، والسنة الجديدة المختارة هي السنة التي تسلمناها نحن معشر النصارى من يد الرسل الحواريين الأطهار الذين خرجوا من أورشليم، وداروا في سبعة أقاليم العالم، وأنذروا بهذه السنة الجديدة. فأي بيان يكون أوضح وأصح من هذا البيان؟ إذ قد أوردناه من قول الله، ولاسيما وأعداؤنا اليهود المخالفون لديننا شهدوا لنا بصحة ذلك جميعه. وأما حجة اليهود في هذه النبوات، يقولون ويعتقدون أنها حق، وأنها قول الله، لكن يقولون: إنها عتيدة. فهذه النبوات مثل ما هي عند اليهود، كذلك هي عندنا معشر النصارى، في اثنين وسبعين لسانًا، فيراهم جميع الأمم قولًا واحدًا، وأنها قول الله. وقالت اليهود: نحن مصدقون بها أن تكمل وتتم عند مجيء المسيح، لكن المسيح لم يأت بعد، وأن الذي جاء ليس هو المسيح. وهذا قولهم. وكفاهم أنهم يكفرون ويفجرون مع الكفر، ويقولون: إن المسيح كان ضالًا مضلًا. وأما المسيح الحق، فإنه يأتي ويقوم النبوات. فإذا جاء اتبعناه، وكنا أنصاره. وهذا رأيهم واعتقادهم في السيد المسيح. فماذا يكون أعظم من هذا الكفر الذي هم عليه؟ والأجل لذلك في هذا الكتاب سماهم المغضوب عليهم؛ لأجل خلافهم لقول الله الذي أرسل نطقه على أفواه الأنبياء. ولما كنا نحن النصارى متمسكين بما أمرتنا به الرسل الأطهار، سمانا في هذا الكتاب المنعم عليهم. وأما قولنا في الله: ثلاثة أقانيم، إله واحد، فهو أن الله نطق به، وأوضحه في التوراة، وفي كتب الأنبياء. ومن ذلك ما جاء في السفر الأول من التوراة، يقول: حيث شاء الله أن يخلق آدم، قال: «لنخلق خلقًا على شبهنا ومثالنا». فمن هو شبه ومثاله سوى كلمته وروح قدسه؟ وحين خالف آدم وعصى ربه، قال الله تعالى: «ها آدم قد صار كواحد منا». يعني هذا: آدم. ها تنبيه كـ«ها آدم». قال: وهذا واضح أن الله قال هذا. قال هذا القول لابنه، أي كلمته وروح قدسه. وقال هذا القول استهزاءً بآدم، أي طلب أن يصير كواحد منا، صار عريانًا مفتضحًا. وقال الله عندما أهلك بسدوم وعمورة، قال في التوراة: «وأمطر عند الرب من السماء على سدوم وعمورة نارًا وكبريتًا». أوضح بهذا ربوبية الأب والابن بذكر ثالث. والجواب أن يقال: أما كفر اليهود كلهم لما أرسل المسيح عليه السلام إليهم، فلم يؤمنوا به، وكفر من كفر منهم قبل ذلك، إما بقتل النبيين، وإما بتكذيبهم، وإما بالشرك، وإما بغير ذلك مما كفروا فيه بما أنزل الله، فهذا حق. وهذا نظير كفر النصارى كلهم الذين بلغتهم دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، وأقام الله عليهم الحجة به، فلم يؤمنوا به، وكفر من كفر منهم قبل ذلك بما أنزل الله، إما بتكذيب بعض ما أنزله، وإما بتبديله بغيره، وإما بجعل ما لم ينزله الله منزلا منه، وإما بغير ذلك مما فيه كفر بما أنزل الله عز وجل. وكذلك ما ذكر من أن الله أقام سنة جديدة، وعهدًا جديدًا، وهو ما بعث به المسيح عليه السلام من الشريعة التي بعث بها، وفيها تحليل بعض ما حرم الله في التوراة، كما قال في القرآن عن المسيح: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾. فهذا أيضًا حق. قال: فصل. وأما قولكم: «السنة الجديدة المختارة هي السنة التي تسلمناها من يد الرسل الأطهار، على ما تسلموها هم من المسيح عليه السلام»، فيقال: لو كنتم على تلك السنة، لم تغيروها، لم ينفعكم المقام عليها؛ إذ كذبتم الرسول النبي الأمي الذي بعث إليكم إلى سائر الخلق، بسنة أخرى أكمل من السنة التي كانت قبله. كما لم ينفع اليهود، ولو تمسكوا بسنة التوراة، ولم يتبعوا سنة المسيح الذي أرسل إليهم. بل من كذب برسول واحد، فهو كافر؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾. وإن كانت السنة التي جاء بها المسيح عليه السلام حقًا، وكل من كان متبعًا له فهو مؤمن مسلم، من أولياء الله، من أهل الجنة، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّنَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ﴾. فآمنت طائفة من بني إسرائيل، وكفرت الطائفة، فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم، فأصبحوا ظاهرين. فمن تبع المسيح كان مؤمنًا، ومن كفر به كان كافرًا. فقال تعالى: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. ثم إلي مرجعكم، فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون. فأما الذين كفروا، فأعذبهم عذابًا شديدًا في الدنيا والآخرة، وما لهم من ناصرين. وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فيوفيهم أجورهم، والله لا يحب الظالمين. لكن غيرتموها وبدلتموها قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، وأصررتم كفارًا بتبديل شريعة المسيح، وتكذيب شريعة محمد صلى الله عليه وسلم؛ كما كفرت اليهود بتبديل شريعة التوراة، وتكذيب شريعة الإنجيل، ثم كفروا بتكذيب شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، على سائر نسل الله أجمعين. فإن المسيح لم يسن لكم التثليث والقول بالأقانيم، ولا القول بأنه رب العالمين، ولا سن لكم استحلال الخنزير وغيره من المحرمات، ولا ترك الختان والصلاة إلى المشرق، ولا اتخاذ أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، ولا الشرك واتخاذ التماثيل والصليب، ودعاء الموتى والغائبين من الأنبياء والصالحين وغيرهم، وسؤالهم الحوائج، ولا الرهبانية، وغير ذلك من المنكرات التي أحدثتموها، ولم يسنها لكم المسيح، ولا ما أنتم عليه هي السنة التي تسلمتموها من رسل المسيح. بل عامة ما أنتم عليه من السنة أمور محدثة مبتدعة بعد الحواريين؛ كصومكم خمسين يومًا زمن الربيع، واتخاذكم عيدًا يوم الخميس والجمعة والسبت. فإن هذا لم يسنه المسيح، ولا أحد من الحواريين. وكذلك عيد الميلاد والغطاس، وغير ذلك من أعيادكم، بل عيد الصليب، إنما دعته يهيلانة الحرانية القسطنطينية، أم قسطنطين، فأنتم تقولون: إن هي التي أظهرت الصليب، وصنعت لوقت ظهوره عيدًا. وذلك بعد المسيح والحواريين بمدة طويلة، زمن الملك قسطنطين، بعد المسيح بأكثر من ثلاثمائة سنة. وفي ذلك الزمان أحدثتم الأمانة لنصوص الأنبياء في غير موضع، وأظهرتم من استحلال الخنزير، وعقوبة من لم يأكله، وابتدعتم في ذلك الزمان تعظيم الصليب، وغير ذلك من بدعكم. وكذلك كتب القوانين التي عندكم، جعلتموها سنة وشريعة، فيها شيء من عن الأنبياء والحواريين، وكثير مما فيها تدعونه من بعدكم، لا ينقلونه على عن المسيح، ولا عن الحواريين. فكيف تدعون أنكم على السنة والشريعة التي كان عليها المسيح عليه السلام؟ وهذا مما يعلم بالضرورة والتواتر أنه كذب. قال: فصل. قالوا: أما قولنا في الله: ثلاثة أقانيم، إله واحد، فهو أن الله نطق به، وأوضحه في التوراة، وفي كتب الأنبياء. ومن ذلك ما جاء في السفر الأول من التوراة، يقول: حيث شاء الله أن يخلق آدم، قال الله: «لنخلق خلقًا على شبهنا ومثالنا». فمن هو شبه ومثاله سوى كلمته وروحه؟ وحين قال: فآدم عصى ربه، قال الله تعالى: «ها آدم قد صار كواحد منا». وهو قول واضح أن الله قال هذا القول لابنه، أي كلمته وروح قدسه. والجواب أن نستدلالهم بهذا على قول في المسيح هو في غاية الفساد والضلال؛ فإن لفظ التوراة: «نصنع آدم كصورتنا وشبهنا». وبعضهم يترجمه: «نخلق بشرًا على صورتنا وشبهنا». والمعنى واحد. وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق آدم على صورته». وفي رواية: «على صورة الرحمن». فقولهم: هو من شبه ومثاله، من هو شبه ومثاله سوى كلمته وروحه؟ من أبطل الباطل، من وجوه: أحدها: أن الله ليس كمثله شيء، وليس لفظ النص على مثالنا. الثاني: أنه لا اختصاص للمسيح بما ذكر، على تقدير حق وباطل؛ فإنه بأي تفسير خسر قوله: «سنخلق بشرًا على صورتنا شبهنا»، لم يخص ذلك بالمسيح. الثالث: أنه من أرادوا بالكلمة التي هي شبه ومثال صفته التي هي العلم القائم به، والحياة القائمة به، بثلا. فالصفة لا تكون مثلًا للموصوف؛ إذا الموصوف هو الذات القائمة بنفسها، والصفة قائمة بها. والقائم بغيره لا يكون مثل القائم بنفسه. وإن أرادوا به شيئًا غير الصفات، مثل بدن المسيح وروحه، فذلك مخلوق له، والمخلوق لا يكون مثل الخالق. وكذلك روح القدس، سواء أريد به ملك، أو هدي، أو تأييد، ليس مثلًا لله عز وجل. الرابع: أنه قال: «نخلق خلقًا»، أو قال: «نخلق آدم»، أو «نخلق بشرًا على صورتنا وشبهنا». وعلى ما قالوه: «نخلق خلقًا على شبهنا ومثالنا». وبكل حال، فهذا وكلمة الله وروحه عندهم غير مخلوق. فامتنع أن يكون المراد بذلك كلمته وروحه. وإن قالوا: أراد بذلك الناسوت المسيحي، فلا فرق بين ذلك الناسوت وسائر النواسيت. مع أن المراد بذلك النص آدم أبو البشر باتفاق الأمم. الخامس: أنه لو قدر أنه يريد بذلك أن كلام الله يشبه ذاته من بعض الوجوه، مثل كونه قديمًا يطابق بقدمه، لم يكن في ذلك ما يدل على الأقانيم الثلاثة. وكذلك اللفظ المعروف، وهو قوله: «سنخلق بشرًا على صورتنا شبهنا». فهذا لا يدل على التثليث بوجه من الوجوه. وشبه الشيء بالشيء يكون لمشابهته له من بعض الوجوه، وذلك لا يقضي التماثل الذي يوجب أن يشترك فيما يجب ويجوز ويمتنع. السادس: أن قوله: «سنخلق خلقًا على شبهنا»، لا يتناول صفته، مثل كلامه وحياته، قائمة به؛ فإن ذلك ليس بمخلوق. وحينئذ، فهذا لا يتناول اللاهوت الذي يزعمون أنه تذرع بالناسوت؛ فإن اللاهوت ليس بمخلوق. وأما الناسوت، فهو كسائر نواسيت الناس، فقصر له بأن يكون شبيهًا لله دون سائر النواسيت. فقوله: «فمن هو الشبه المخلوق سوى كلمته وروحه؟» باطل على كل تقدير. وأما قوله: «ها آدم قد صار كواحد منا». وقولهم: إن هذا قول واضح أن الله قال هذا القول لابنه وروح قدسه. فإن أرادوا أن يجعل الذي صار كواحد منا لابنه، كان هذا من أبطل الكلام؛ فإن هذا الإبن، إن كان المراد به الكلمة التي هي صفة الله، صفة لله، فتلك لم يخلق لها أمر يصير كواحد منهم. وتلك لا تسمى آدم، ولا سماها الله إبنًا. ويريد به ناسوت المسيح، فذلك مخلوق مبتدع، يمتنع أن يكون كالقديم الأزلي. وأيضًا، فإن الله قال هذا عن آدم، وآدم ليس هو المسيح، ولا يجوز أن يقال: آدم، ويراد به المسيح؛ كما لا يجوز أن يقال: عصى آدم، ويراد به المسيح. وأيضًا، فإنه قال: «ها آدم قد صار كواحد منا». هذه إشارة إلى أمر قد كان في الزمن الماضي، ليس هو إشارة إلى ما سيكون بعد ذلك بألوف من السنين. وإن أرادوا أن الله قال: «منه» الذي هو كلمته وروحه، وهذا هو مرادهم لقوله: «منه»، لقال: هذا القول يستهزئ بآدم، أي: أنه طلب أن يصير كواحد منا، صار كـ«هكذا» عريانًا مفتضحًا. ويكون شبهتهم قوله: «منا»؛ لأنه عبر بصيغة الجمع. وكذلك إن أرادوا هذا بقوله: «نخلق بشرًا على صورتنا وشبهنا»، فاحتجوا على التفليث بصيغة الجمع. وهذا مما احتج به نصارى نجران على النبي صلى الله عليه وسلم، فاحتجوا بقوله تعالى: ﴿إِن نَّحْنُ﴾. قالوا: هذا يدل على أنهم ثلاثة. وكان هذا من المتشابه الذي اتبعوه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وتركوا المحكم المبين الذي لا يحتمل إلا واحدًا. فإن الله في جميع كتب الإلهية قد بيّن أنه إله واحد، وأنه لا شريك له ولا مثل له. وقوله: ﴿إِن نَّحْنُ﴾، لفظ يقع في جميع اللغات على من كان له شركاء وأمثال، وعلى الواحد المطاع العظيم الذي له أعوان يطيعونه، وإن لم يكونوا شركاء ولا نظراء. والله تعالى خلق كل ما سواه، فيمتنع أن يكون له شريك أو مثل. والملائكة وسائر العالمين جنوده تعالى. قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. وكان الله عزيزًا حكيمًا. فإذا كان الواحد من الملوك يقول: «إنا»، و«نحن»، ولا يريدون أنهم شكوا ملوكًا، فمالك الملك رب العالمين، ورب كل شيء ومليكه، وأحق بأن يقول: «إنا»، و«نحن»، مع أنه ليس له شريك ولا مثيل، بل له الجنود السماوات والأرض. وأيضًا، فمن المعلوم أن آدم لم يطلب أن يصير مثل الله، ولا مثل صفاته كعلمه وحياته. وأيضًا، فليس في ظاهر اللفظ أن الله خاطب صفاته بتلك. وأيضًا، فالصفة القائمة بالموصوف لا تخاطب، ولا تخاطب، وإنما يخاطب الموصوف. ولم يكن قد خلق آدم ناسوت المسيح، ولا غيره من البشر، حتى يخاطبه. فعلم أن دعواهم أن الله خاطب صفته التي سموها إبنًا وروح قدس، كلام باطل. بل قد يخاطب ملائكته آدم عليه السلام: أراد ما أطمعه الشيطان من الخلد والملك؛ كما قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ﴾. كما رأينا هذه الفصول التي أجاب فيها على بعض تلك الشبهة التي ذكرت في أول هذه القراءة، وهي شبه في الحقيقة قد سبق الإجابة على معناها، لكنه رحمه الله تعالى أورد ذلك؛ لأنهم يستدلون به، وهو يفصل في الرد على الشبه؛ لأجل ألا يبقى أدنى متمسك لما يستمسكون به ويلبسون به. وخلاصة هذه الفصول ثلاثة مباحث: أولًا: كفر اليهود. وهذا لا يخالف فيه المسلمون، هم يقررون بذلك، بل يستدلون به على النصارى أن جنس كفر النصارى كجنس كفر اليهود. فاليهود كفرهم كان بأشياء فعلوها قبل مبعث عيسى، استوجبت كفرهم، وزيادة بما كان بجحودهم بنبوة عيسى عليه الصلاة والسلام. وهكذا يقال بالنصارى؛ كما ذكر شيخ الإسلام. وليس هذا دليلًا على تصحيح دين النصارى المحرف، القائلين بالتثليث، بل هذا دليل على بيان بطلان دين النصارى القائم على قضية التثليث، وغيرها من تحريف دين الله. الثاني: هو ما يتعلق بخلق آدم عليه الصلاة والسلام، وأنه خلقه على صورته. فما ذكروه ليس فيه دليل، لا من قريب ولا من بعيد، أن المراد بذلك عيسى، وأنه إله عليه الصلاة والسلام. بل هو آدم، ولو أريد به عيسى، فجنسه كجنس آدم، خلقه الله على صورته، يعني على شبهه، لا على مثله. وقد علمنا الفرق من اللغة والعرف والعقل والشرع بين لفظ الشبه والمثل. فإن لفظ الشبه في دلالة على ثبوت أصل الصفة، لا نظير ومماثل ومكافئ للصفة. فالعلم للمخلوق بحسبه، والعلم لله سبحانه وتعالى بحسبه. وكذلك يقال في سائر الصفات. المخلوق وهي كذلك بالنسبة لصفات الخالق جل وعلا. ولو قدر أن عيسى يدخل في هذا، فهو يدخل كغير من أبناء آدم، مخلوق يفتقر إلى خالقه سبحانه وتعالى. ولكن هو عبد لله ورسول من رسول الله، ورسول الله لهم منزل عالية عند الله سبحانه وتعالى، وفي أنفسهم بما اجتباهم واصطفاهم سبحانه وتعالى. لكن ليس ذلك يدل على أنه إله. وهكذا القضية الثالثة: قضية التثليث والقانيم. قد سبق الكلام عليها، وأجاب هنا بما فيه الكفاية، تأكيدًا لما سبق ذكره رحمه الله تعالى فيما سبق أن ذكره في الفصول السابقة.