الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 20

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 20

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 20، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التحذير من المبتدعين وإخراج أهل الكتاب

حديث النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من مصاحبة المبتدعين ويأمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب لحماية التوحيد. الحكمة من ذلك حماية التوحيد وإبقاء جزيرة العرب على أصل الإسلام.

أصل عبادة الأصنام والتوحيد الخالص

يتناول أصل عبادة الأصنام وكيف بدأت، ويبين أن التوحيد هو أساس رسالة الأنبياء، ويحذر من الشرك وعبادة غير الله. التوحيد الخالص كان دعوة الأنبياء للناس.

شرك اليهود والنصارى وتأثير الفلسفة اليونانية

يشرح شرك اليهود والنصارى وتغييرهم لدين الله وتأثير الفلسفة اليونانية على دين النصارى، ودعوة الإسلام إلى الاتباع لا الابتداع. التغييرات التي أدخلت على دين المسيح ليست من دين الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: أطرى عن إسماعيل أبي قالت عن طيس عن جريس مثل حديث أبي معاوية قال، وتمهد محمد أن يقول: أطرحي حديث طيس عن النبي صلى الله عليه وسلم. المبتدعة رووا سورة المسجد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تساكن المبتدعين ولا تجالسهم، فمن ساكنهم أو جاء معهم فهو مثلهم. حديث الباب صححه الألباني رحمه الله بطرق الشواهد، هذا الإرواء دون جملة: فأمر لهم بنفس العقل، فإنها ليس لها الشواهد. وأما مثل المساكنة فهي التي جاءت لها الشواهد كثيرة، فحفها بها، وإن كان الحديث مرسلا لكن له شواهد من حديث ثمرة وغيره. وسقوم بريد من حديث لما، حديثي تم ثم تتحكون أراه لكم شواهد من المبتدعة من حديث أريد من حديث فلما أريد من حديث بحب المخلوق أن جعفرا قال: حدثنا موسى العز الرحمن الكليني قال: حدثنا زيد من الزغاب قال: أخبرنا سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر عن عمر المخطار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إلا إن عشتوا إن شاء الله لأخذ في جنة اليهود والنصارى من جزيرة العرب». قال: حدثنا الحسن من علي الخلاب قال: حدثنا أبو عاصم عبد الرزاق قال: أخبرنا أبو الزبير قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر عبد الله يقول: أخبرني عمر المخطار أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يأخذ جنة اليهود والنصارى من جزيرة العرب، فلا يبقى فيها إلا مصب». قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صغير، ورجال الحديث صحيح. مثله كما أشار، وقد جاء عن عدد من الصحابة معناه. والحكمة من ذلك والله تعالى أعلم كما ذكر بعضها العلماء: إبقاء جزيرة العرب على أصل التوحيد حتى لا يبقى فيها دينان حماية لحمى التوحيد وإبقاء لأصل الإسلام في جزيرة العرب. ولهذا والله تعالى أعلم لم يأت حكم الجزية في أول الإسلام؛ لأن أول الإسلام كان أهل الكتاب في جزيرة العرب، حتى جاء حكم الجزية بعد إخراج من أخرج من اليهود من حول المدينة، جاء حكم الجزية، فصار حكم الجزية لنصارى نجران وهكذا كذلك لأهل البحرين. وأما مسمى جزيرة العرب، فالظاهر والله أعلم أن الأدلة تدل أن جزيرة العرب أخص من مسمى جزيرة العرب بالموقع الجغرافي اليوم. ولهذا أقر عمر يهود اليمن ومجوس هجر، وهؤلاء من أهل جزيرة العرب بحسب الموقع الجغرافي، لكن هذا يدل أن مفهوم الجزيرة يشمل ما سوى هذين الموضعين، يعني اليمن والبحرين. والمراد ما حول الحجاز. لكن إبعاد أهل الكتاب من اليهود والنصارى عن جزيرة العرب مطلقا أفضل لا شك. ترجمة ن stylu مكوة، وشك فشك. اشتركوا في القناة، اشتركوا في القناة، اشتركوا في القناة، اشتركوا في القناة، اشتركوا في القناة. فإن المسلمين لا يجوز لهم بعد محمد صلى الله عليه وسلم أن يغيروا شيئا من شريعته، فلا يحللون ما حرم ولا يحرمون ما أحل، ولا يوجد ما أسقط ولا يسقط ما أوجد. بل الحلال عندهم ما أحلله الله ورسوله، والحرام ما حرم الله ورسوله، والجائز ما شرعه الله ورسوله. لخلاف المشركين الذين ابتدعوا بعد المسيح بدعا لم يشرعها المسيح عليه السلام ولا نطق بها شيء من الأناجيل ولا كتب الأنبياء ولا كتب الأنبياء المتقدمة. وزعموا أن ما شرعه أكابرهم من الجائز فإن المسيح يمضيه لهم. وهذا موضع تنازع في الملة الثلاث: المسلمون واليهود والمشركون، كما تنازعوا في المسيح عليه السلام. وإن ذلك فاليهود لا يجوزون أن ينسخ الله سبحانه وتعالى شيئا شرعه. والمشركون يجوزون لأكابرهم أن ينسخوا شرع الله بآرائهم. وأما المسلمون فعندهم أن الله له الخلق والأمر، لا شرع إلا ما شرع الله على ألسنة رسله، وله أن ينسخ ما شاء كما نسخ المسيح ما كان شرعه للأنبياء قبله. فالمشركون يضعون لهم عقائدهم وشرائعهم أكابرهم بعد المسيح كما وضع لهم الثلاثمائة وثمانية عشر الذين كانوا في زمن الإسكندر الأمانة التي اتفقوا عليها، وعولوا من خالفها من الأريوسية وغيرهم. وفيها أمور لم ينزل الله بها كتابا، بل تخالف ما أنزل الله من الكتب مع مخالفتها للعقل الصريح. فقالوا فيها: نؤمن بإله واحد آب ضابط الكل صالح السماوات والأرض وكل ما يرى وما لا يرى، وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الأب قبل كل الدهور، نور من نور إله الحق من إله الحق مولود غير مخلوق مساوي الأب في الجوهر الذي به كان كل شيء، الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من روح القدس ومن مريم العذراء وتأنس وطلب على العادي بيلاسه البنطي وتألم ومات وقام في اليوم الثالث كما في الكتب، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الأب. فأيضا فسيأتي لمجده ليدين الأحياء والأموات الذي لا فناء لملكه، وبروح القدس الرب المحيي المنبثق من الأب مع الأب والابن مسجود له وبمجد ممتد الأنبياء، وبكنيسة واحدة جامعة مقدسة، كنيسة واحدة جامعة مقدسة رسولية، واعترف بمعمودية واحدة بمغفرة الخطايا، ونترجى قيامة الموتى وحياة الدهر الآتي آمين. ووضعوا له من القوانين والناموس ما لم يوجد في كتب الأنبياء ولا تدل عليه، بل يوجد بعض في كتب الأنبياء، وزاد أكابرهم أشياء من عندهم لا توجد في كتب الأنبياء، تغير كثيرا مما شرعه الأنبياء. فما نصبه المشركون من القوانين والنواميس التي هي شرائع دينهم، وبعضه عن الحواريين، وكثير منهم من ابتداع أكابرهم مع مخالفته لشرع الأنبياء. فدينهم من جنس دين اليهود، قد خلطوا الحق بالباطل. وكان المسيح عليه السلام بعث بدين الله الذي بعث به الأنبياء قبله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن عبادة كل ما سواه. وأحل لهم بعض ما حرم الله في التوراة، فنسخ بعض شرع التوراة. وكان الروم اليونان وغيرهم مشركين يعبدون الهياكل العلوية والأصنام الأرضية. فبعث المسيح عليه السلام رسله يدعونهم إلى دين الله تعالى، فذهب بعضهم في حياته في الأرض، وبعضهم بعد رفعه إلى السماء، فدعوهم إلى دين الله تعالى. فدخل من دخل في دين الله، وأقاموا على ذلك مدة، ثم زين الشيطان لمن زين له أن يغير دين المسيح، فابتدعوا دينا مركبا من دين الله ورسله ودين المسيح عليه السلام ومن دين المشركين. وكان المشركون يعبدون الأصنام المجسدة التي لها ظل. وهذا كان دين الروم اليونان، وهو دين الفلاسفة أهل مقدونيا وأثينا. وأثينا كان رفع أمثالهم من الفلاسفة المشائين وغيرهم. وكان رفع قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة، وهو وزير الإسكندر بن فيلبس اليوناني المقدوني الذي تؤرخ له التواريخ الرومية. ومن ظن أن أرسطو كان وزير ذا القرنين المذكور في القرآن فقد غلط غلطا تبين أنه ليس بعارف بأديان هؤلاء القوم ولا بأزمانهم. فلما ظهر دين المسيح عليه السلام بعد أرسطو بنحو ثلاثمائة سنة في بلاد الروم واليونان، كانوا على التوحيد إلى أن ظهرت فيهم البدع. فصوروا الصور المرئية في الحيطان، وجعلوا هذه الصورة عوضا عن تلك الصور. وكان أولئك يسجدون للشمس والقمر والكواكب، فصار هؤلاء يسجدون إليها إلى جهة الشرق التي تظهر منها الشمس والقمر والكواكب. وجعلوا السجود إليها بدلا عن السجود لها. ولهذا جاء خاتم الرسل صلوات الله عليه وسلامه الذي ختم الله به الرسالة وأظهر به من كمال التوحيد ما لم يظهر من قبله. فأمر صلى الله عليه وسلم أن لا يتعر أحد بصلاته طلوع الشمس ولا غروبها؛ لأن المشركين يسجدون لها تلك الساعة. فإذا صلى الموحدون لله عز وجل في تلك الساعة، صار في ذلك نوع مشابهة لهم، فيتقى الذريعة إلى السجود لها. وكان من أعظم أسباب عبادة الأصنام تصوير الصور وتعظيم القبور. في صحيح مسلم وغيره عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟» فأمرني أن لا أدع قبرا مشرفا إلا سويته، ولا تمثالا إلا طمسته. وبالصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال في مرض موته: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما فعلوا». وبالصحيحين أنه قال قبل موته بخمس ليال: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، وإني أنهاكم عن ذلك». ولما ذكروا الكنيسة بأرض الحبشة وذكروا من حسنها وتصاوير فيها، قال: «إن أولئك كانوا إذا مات فيهم رجل صالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة». ونهى أن يستقبل الرجل القبر في الصلاة حتى لا يتشبه بالمشركين الذين يسجدون للقبور. وبالصحيح أنه قال: «لا تجلسوا على القبور، لا تصل إليها». إلى أمثال ذلك مما فيه تجريد التوحيد لله رب العالمين الذي أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله. فأين هذا ممن يصور صور المخلوقين في الكنائس ويعظمها ويستشفع بمن صورت على صورته؟ وهل كان أصل عبادة الأصنام في بني آدم من عهد نوح عليه السلام إلا هذا؟ والصلاة إلى الشمس والقمر والكواكب والسجود إليها ذريعة إلى السجود لها. ولم يأمر أحد من الأنبياء باتخاذ الصور والاستشفاع بأصحابها ولا بالسجود إلى الشمس والقمر والكواكب. وإن كان يذكر عن بعض الأنبياء تصوير صورة لمصلحة، فإن هذا من الأمور التي قد تتنوع فيها الشرائع. بخلاف السجود لها والاستشفاع بأصحابها، فإن هذا لم يشرعه نبي من الأنبياء ولا أمر قط أحد من الأنبياء أن يدعى غير الله عز وجل لا عند قبره ولا في مغيبه. ولا يشفع به في مغيبه بعد موته. بخلاف الاستشفاع بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته ويوم القيامة، وبالتوسل به بدعائه والإيمان به، فهذا من شرع الأنبياء عليهم السلام. ولهذا قال تعالى: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾. وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾. وقال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾. وقال تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾. وقال تعالى: ﴿تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إن أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص﴾. إلى آخر الآيات. وذلك أن المشركين من جميع الأمم لم يكن أحد منهم يقول: إن للمخلوقات خالقين منفصلين متماثلين في الصفات. فإن هذا لم يقله طائفة معروفة من بني آدم، ولكن الثنوية من المجوس ونحوهم يقولون: إن العالم صادر عن أصلين: النور والظلمة. والنور عندهم هو إله الخير المحمود، والظلمة هي الإله الشرير المذموم. وبعضهم يقول: إن الظلمة هي الشيطان. وهذا ليجعلوا ما في العالم من الشر صادرا عن الظلمة. ومنهم من قال: إن الظلمة قديمة أزلية مع أنها مذمومة عندهم، ليست مماثلة للنور. فقال لهم أهل التوحيد: أنتم بزعمكم كرهتم أن تضيفوا إلى الرب سبحانه وتعالى خلق ما في العالم من الشر، وجعلتموه خالقا لأصل الشر. وهؤلاء مع إثباتهم اثنين وتسمية الناس لهم بالثنوية، وهم لا يقولون: إن الشرير مماثل للخير. وكذلك الدهرية دهرية الفلاسفة وغيرهم، منهم من ينكر الصانع للعالم كالقول الذي أظهره فرعون لعنه الله. ومنهم من يقر بعلة يتحرك الفلك لتشبه بها كأرسطو وأتباعه. ومنهم من يقول بالموجب بالذات كابن سينا والسهروردي المقتول بحلب، أمثالهم من متفلسفة الملل. وأما مشرك العرب وأمثالهم، فكانوا مقرين بالصانع وبأنه خلق السماوات والأرض. فكانت عقيدة مشرك العرب خيرا من عقيدة هؤلاء الفلاسفة الدهرية؛ إذ كانوا مقرين بأن هذه السماوات مخلوقة لله حادثة بعد أن لم تكن. وهذا مذهب جماهير أهل الأرض ومن أهل الملل الثلاث: المسلمون واليهود والنصارى، ومن المجوس والمشركين. وهؤلاء الدهرية من الفلاسفة وغيرهم يزعمون أن السماوات أزلية قديمة لم تزل. وكان مشرك العرب يقرون بأن الله قادر يفعل بمشيئته، ويجيب دعاء الداعي إذا دعاه. وهؤلاء المتفلسفة الدهرية عندهم أن الله لا يفعل شيئا بمشيئته، ولا يجيب دعاء الداعي، بل ولا يعلم الجزئيات، ولا يعرف هذا الداعي من هذا الداعي. ولا يعرف إبراهيم والموسى من محمد وغيرهم بأعيانهم من رسله. بل منهم من ينكر علمه مطلقا كأرسطو وأتباعه. ومنهم من يقول: إنما يعلم الكليات كابن سينا وأمثاله. ومعلوم أن كل موجود في الخارج فهو جزء معين. فإن لم يعلم إلا الكليات لم يعلم شيئا من الموجودات المعينة، لا الأفلاك ولا الأملاك ولا غير ذلك من الموجودات بأعيانها. والدعاء عندهم هو تصرف النفس القوية في هيولي العالم كما ذكر ذلك ابن سينا وأمثاله. وزعموا أن اللوح المحفوظ هو النفس الفلكية، وأن حوادث الأرض كلها إنما تحدث عن حركة الفلك. كما قد بسط الرد عليهم في غير هذا الموضع. والمقصود هنا أن المشركين لم يكونوا يثبتون مع الله إلها آخر مساويا له في الصفات والأفعال. بل ولا كانوا يقولون: إن الكواكب والشمس والقمر فلقت العالم، ولا أن الأصنام تخلق شيئا من العالم. قال تعالى عن الخليل: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون﴾. إلى آخر الآيات. فأخبر تعالى عن الخليل أنه عدو لكل ما يعبدونه إلا لرب العالمين. وأخبر أنهم يقولون يوم القيامة: ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين﴾. كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إن لي براءة مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين﴾. وقال: ﴿وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين﴾. ولم يقل: من المعطلين. فإن قومه كانوا يشركون ولم يكونوا معطلين كفرعون اللعين. فلم يكونوا جاحدين للصانع، بل عدلوا به وجعلوا له أندادا في العبادة والمحبة والدعاء. وهذا كما قال تعالى: ﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾. وقال تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾. وقال تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر﴾. وقال تعالى: ﴿فلا تدعوا مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين﴾. وقال: ﴿لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا﴾. وقال تعالى فيما حكاه عن قوم نوح: ﴿وقيل لهم أينما كنتم تعبدون من دون الله ينصرونكم أو ينتصرون﴾. إلى آخر الآيات. قال ابن عباس وغيره من علماء السلف: إن هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم عبدوها. وهكذا عندما صار على المسيح عليه السلام في كتاب سر بطرس الذي يسمى بشمعون وسمعان والصفا وبطرس والأربع لمسمى واحد عندهم عنه كتاب عن المسيح فيه أسرار العلوم. وهذا فيه عندهم عن المسيح. فالذي تفعله النصارى أصل عبادة الأوثان. وهكذا قال عالمهم الكبير الذي يسمونه فم الذهب، وهو من أكبر علمائهم، لما ذكر تولد الذنوب الكبار عن الصغار. قال: هكذا هجمت عبادة الأصنام فيما سلف، لما أكرم الناس أشخاصا يعظم بعضهم بعضا فوق المقدار الذي ينبغي، الأحياء منهم والأموات. وقد قال تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا﴾. قال طائفة من علماء السلف: كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء كالعزير والمسيح وغيرهما. فبين الله تبارك وتعالى أن هؤلاء عباده، كما أنتم عباده، يرجون رحمته كما ترجون رحمته، ويخافون عذابه كما تخافون عذابه، ويتقربون إليه كما تتقربون إليه. قال تعالى: ﴿ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون﴾. إلى آخر الآيات. فبين تعالى أن من يتخذ الملائكة والنبيين أربابا فهو كافر. ما اعتقاده أنهم مخلوقون، فإنه لم يقل أحد قط: إن جميع الملائكة والنبيين مشاركون لله سبحانه في خلق العالم. وقد قال تعالى: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾. قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: تسألهم: من خلق السماوات والأرض؟ يقولون: الله، وهم يعبدون غيره. وقد قال تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾. في غير موضع. فأخبر تعالى عن المشركين أنهم كانوا يقرون بأن خالق العالم واحد، مع اتخاذهم آلهة يعبدونهم من دونه سبحانه، يتخذونهم وسيلة إليه، ويتقربون بهم إليه. أورد المؤلف رحمه الله هذا الفصل ليدلل به رحمه الله على ما سبق من أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعث بدين التوحيد ودين الله الحق للناس عامة. وتدرج وذكر استطرادا مجموعة من المسائل في هذا الفصل. أولا: تأكيد ما سبق أن النبي عليه الصلاة والسلام بعث للناس عامة. ثم ذكر رحمه الله تعالى في ضمن ذلك وأشار إلى أن دين الإسلام يدعو إلى الاتباع للابتداع، بخلاف دين اليهود والنصارى. وليس المراد بدين اليهود والنصارى أي ما بعث به موسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، ولكن المراد ما كان عليه أهل هذا الدين بعد هذين النبيين الكريمين عليهم الصلاة والسلام، يعني أنهم غيروا وبدلوا. ولهذا قال بقوله: وهذا موضع تنازع تنازع فيه الملل الثلاث، يعني فيما يتعلق بقوله: قال، بخلاف النصارى الذين ابتدعوا بعد المسيح بدعا لم يشرعها المسيح ولا نطق بها شيء من الأناجيل ولا كتب الأنبياء المتقدمة. ثم قال: وهذا موضع تنازع فيه الملل الثلاث. فمراده بتنازع الملل الثلاث ليس أصل الدين، وإنما خلاف أتباع هذا الدين، يعني المسلمون واليهود والنصارى. وإلا فالأنبياء جميعا على دين واحد وعلى ملة واحدة. ولكن مراده أن الأتباع غيروا وبدلوا. ولكن أهل الإسلام بقوا على الفطرة، ولم يغيروا ويبدلوا فيهم أحد حتى تضيع معالم الدين، بل بقي الإسلام صافيا محفوظا، لخلاف اليهود والنصارى استحدثوا أشياء وكتبا جعلوها بمثابة كتاب الله الذي أنزله على أنبيائه ورسله. ويريد رحمه الله أن ما يدعيه هذا الرجل المعترض بشبهه هو من جنس التغيير والتبديل الذي فعلوه في دين النصارى، ومثله في دين اليهود، وليس هذا عنهم بغريب. فمثل بعد ذلك بأمثلة من هذه الأمثلة خلافهم في أصل المسيح عليه الصلاة والسلام. ثم خلافهم في مسألة النسخ: هل يجوز النسخ في دين الله أو لا يجوز؟ وهم طرفان، وأهل الإسلام وسط. فأهل الإسلام بقوا على ما جاء في كتاب الله وما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. واليهود والنصارى على طرفين نقيض خاطئ، ليس هو دين موسى ولا عيسى. فاليهود ينكرون النسخ، والنصارى يجوزون النسخ، ولو على غير لسان الرسول، يعني يجوز لأتباع الرسول أن ينسخ هذا. وهذا باطل، وهذا باطل. والصواب أنه لا يكون نسخ إلا بما أنزل من عند الله، ولا يوحى إلى أحد بعد الرسول إلا لرسول آخر إن صح وجود رسول. فكان دين أهل الإسلام هو الدين الحق في هذا الباب. وهكذا مثل بعد ذلك لذاك الكتاب الذي وضعه بعض أكابر النصارى بعد المسيح، وفيه كما قال: ثلاثمائة وثمانية عشر، يعني مسألة جعل القانون عند هؤلاء الذين يقال لهم الأريسيون أو الأريسية، وهم الذين يطلق عليهم المعنى الآخر المشهور اليوم الأرثوذكس، يعني غلاة النصارى. وفي مقابلهم من النصارى فرق أخرى، وهم الكاثوليك. وكلهم نصارى، لكن هؤلاء عندهم من أكابر النصارى من قنن لهم قانونا وكتابا يسيرون عليه، على خلاف أولئك الآخرين. وكلها ليست من عند الله، كتبها أولئك القوم. فصار مثل الدين الذي يتعبدون بألفاظه ومعانيه كما يتعبدون بكلام الله وكلام رسوله. وفيه من الشرك ما أشار إليه رحمه الله. وهذا في بعض ما هو عندهم، ويجعلونه من الإنجيل، يعني كتب من يأتي بعد الأنبياء. فمن عبارة النصارى الذي يجعلونه من الإنجيل أو مثل الإنجيل ما أشار إليه رحمه الله في هذا الكتاب. وفيه: وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الأب قبل الدهور، إلى آخر كلامه عنهم من أنه إله حق مولود غير مخلوق. وكله تناقضات. ثم أشار رحمه الله تعالى بعد ذلك إلى أشياء أخرى من تحريفاتهم، وأن هؤلاء وقع عندهم الشرك، ودخل عليهم بسبب ما كان عليه أصل هؤلاء، فإن أصل هؤلاء هم من الدهرية أو من الفلاسفة، كذلك عبدة الأصنام والأفلاك. فاختلط عليهم كما قال رحمه الله حين قال: عليهم الزمان، وقاموا على ذلك مدة، أي على دين المسيح. زين لهم الشيطان بعد ذلك ما زين، حتى غيروا دين المسيح، فابتدعوا دينا مركبا من دين الله ورسله ودين المسيح، ومن دين المشركين. غيروا وبدلوا. وكان من معاني ذاك التغيير والتبديل القول بالتكليف، القول بالتكليف؛ لأن الرب جل وعلا: اله والمسيح والمسيح الابن ومريم الأم. وهكذا كذلك عبادة الصور وعبادة الشمس والقمر. فإن عبادة الصور لم تكن في دين المسيح، وإنما أصلها من عبادة أهل اليونان، فهم الذين يعبدون الأوثان والصور. وهذا ترى إلى معنى ذلك فيما هو من دين الفلاسفة أهل مقدونية، وهي بلدة معروفة. وهكذا أثينا، وهي عاصمة اليونان اليوم. ثم ذكر بعض هؤلاء الفلاسفة، قال: كأرسطو، أمثال من الفلاسفة المشائين. وسموا بالمشائين؛ لأنهم كانوا يحرصون على العلم في كل وقتهم، وأخص ما يحرصون عليه حال مشيهم. فسموا بالمشائين؛ لأنهم كانوا يتعلمون وهم يمشون. قيل: بشدة حرصهم على العلم. وقيل: لأنهم يرون أن في ذلك فائدة طبية، ويستحبون التعلم مع المشي. فسموا بالفلاسفة المشائين؛ لكونهم يستحبون التعلم مع المشي. وقيل: المشائين الذين ينفون المشيئة. وكل المعنيين نقل معناه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع من كتبه. وما أشار إليه رحمه الله من تاريخ فلاسفة اليونان، أراد به رحمه الله أن يشير كيف دخل معنى الوثنية عند النصارى من دين هؤلاء، وهم أصل الروم، أي اليونان. وأشار كيف وجه التشابه بين دين النصارى ودين هؤلاء الفلاسفة. فمن هذا التشابه تصوير التصاوير. وذكر بعض الأحاديث الدالة على أن النصارى أحدثوا ذلك. وهذا من التغيير والتبديل. فكما كان أهل اليونان يعبدون الصور المجسمة التي لها ظل، فصار النصارى بعدهم يعبدون الصور المرسومة على الحيطان والجدر وعلى الخرق ونحوها: صورة المسيح وأمه ونحوها من الصور الأخرى التي هي صورة الحواريين أو نحوها من كبار أهل النصارى. كما أشار إلى ذلك رحمه الله في ثنايا ما ذكر. وهكذا من وجه المشابهة: سجودهم للشمس والقمر، وإن لم يسجدوا إليها، لكنهم سجدوا إلى جهتها. ولهذا تجد دين النصارى أو صلاة النصارى إلى جهة الشمس، فكل كنائسهم مبنية إلى جهة الشروق، وهم يسجدون إلى جهة الشمس. وليس هذا في دين المسيح. وهذا من التغيير والتبديل. ولكن كان دين المسيح أنهم يسجدون إلى بيت المقدس، يلتمسون بيت المقدس، وهو الذي صلى إليه النبي عليه الصلاة والسلام، وهو الذي كان يصلي إليه اليهود. فالنصارى حصل عندهم من التغيير والتبديل بتأثرهم بمشركي زمانهم ما جعلهم يعبدون الأفلاك كما عبد أولئك الأفلاك. فاليهود يلتمسون بيت المقدس، والنبي عليه الصلاة والسلام في أول الإسلام أمر أن يتوجه إلى بيت المقدس. أما النصارى فغيروا وبدلوا، غيروا وبدلوا دين المسيح في هذه الخصلة، فصاروا يسجدون إلى جهة الشمس. ولا يعني أن اليهود سلموا من التغيير والتبديل، بل عندهم تغيير وتبديل، لكن في هذه القضية سلموا أو سلم الكثير منهم. وهكذا أشار رحمه الله بعد ذلك إلى معنى الشرك الذي وقع في الأمم السابقة من نوح إلى عيسى عليهم الصلاة والسلام، يعني أمم هؤلاء الأنبياء، وكيف كان ذلك بالغلو في الصالحين وتصوير التصاوير. وهذا عينه ونفسه هو الذي وقع عند النصارى. ثم أشار رحمه الله إشارة خفيفة إلى أن التصوير تحريمه تحريم وسائل، وأنه إن روي عن بعض الأنبياء جوازه فيكون هذا جوابه: أنه ليس من محرم لذاته، وإنما محرم لغيره، سدا لذريعة الشرك والافتتان بالصور. بأي نوع من الافتتان: المحبة الشركية الكبرى أو محبة الشركية صغرى. وهو يشير إلى بعض ما روي من الآثار، لكنها لم تصح. وأقرب ما تكون من الأخبار الإسرائيلية: بأن هناك بعض الصور التي احتفظ بها الأنبياء نبي بعد نبي حتى وصلت إلى يد هرقل عظيم الروم. فأراها بعض الصحابة، أي: هذه الصور. وهذا يحتاج إلى إسناد صحيح. ولو قدر ثبوتها إلى هرقل وثبوتها، فلا يعني ذلك أن هذا صدق، فلا يستبعد أنه كذب على هرقل، قد يكون هو صادقا، وقد يكون كاذبا. وإذا صدق فلا يلزم أن يكون من أعطاه إياها كان صادقا. وما أكثر الكذب عندما نفتتن بالشرك والصور مما يقع فيه الشرك. واليوم في المسلمين من يكذب من جنس هذا الكذب، فيقال: هذا شعر النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا ثوب الحسين، وهذه حصى قبر علي أو قبر الحسين. مثل ما هو عند الرافضة وعند الباطنية ونحوهم، مع أنه إذا حقق الحق وجد أن هذا ليس بشيء، وليس بصحيح. لكن مراده رحمه الله أن يشير أن هذا مما قد يكون قد اختلف فيه التشريع، وكان مما رخص به ثم نهي عنه. أما أصل الشرك وعبادة الأوثان وعبادة تلك الصور والتوجه إلى الشمس وتحليل الحرام وتحريم الحلال، فهذا كله مما ليس من دين الله. وهذا قوله حين استدل بقوله: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسولنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾. يعني: دين الأنبياء واحد في توحيد الله سبحانه وتعالى. وقد أنزل على اليهود وعلى النصارى الإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام ومتابعته في دعوته إلى التوحيد وعبادة الله سبحانه. كما أنزل في القرآن، أنزل كذلك في التوراة وفي الإنجيل. فوجب عليهم الإيمان بذلك، لكن لما سلك أولئك مسلك التغيير والتبديل، فأخذوا ما قال به أتباع دينهم مما هو من الدين المحرف المغير المبدل على حساب ما صح عندهم من نص الكتاب: التوراة أو الإنجيل. من أمر الإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام ومتابعته، استلزم ذلك عندهم وقوع الكفر. وهذا هو ما قال الله عز وجل: ﴿اتخذوا أحبارهم ورغبانهم أربابا من دون الله﴾، فهم يحللون ويحرمون بما شاءوا، فيتابعونهم على التحليل والتحريم. وهذا الذي أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام عدي بن حاتم، فإنه ظن أن العبادة السجود، ولكن العبادة هي المتابعة على خلاف ما جاء في دين الله سبحانه وتعالى من التحليل والتحريم والطاعة والتشريع. وأشار كذلك بعد ذلك إلى مسألة الخير والشر واعتقاد الثنوية من المجوس. ويريد بذلك كيف دخل هذا المعنى على بعض أهل ملل الدين، فإن هذا المعنى دخل على النصارى من أمثال هؤلاء المجوس. ونحوه ما نقل عن الدهرية كأرسطو ونحوهم. وذلك كما أشار إليه رحمه الله بعد ذلك.