الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 185، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يروي أنس بن مالك قصة أسيد بن حضير وعباد بن بشر وهما يمشيان مع نور يضيء بين أيديهما، مما يدل على كرامتهما وصدق نبوته صلى الله عليه وسلم. هذا الحديث يعد دليلاً على نبوته.
يفسر قول الحاكم 'ولم يخرجاه' ويستنبط فوائد من الحديث مثل كرامة الصحابيين وفضلهم وجواز القيام بعد العشاء للطاعة. الحديث يشير إلى أهمية الألفاظ الزائدة عن الصحيحين.
يتناول أهمية التعاون على الطاعات وكرامة الأولياء وفضل مساعدة الأهل بعضهم البعض. يشدد على توازن الزوجين في القيام بحقوق الأسرة والطاعة.
يؤكد على ضرورة قيام الأعمال الصالحة في البيت المسلم على التعاون والتكامل بين أفراد الأسرة لتعزيز قوته وخيريته. بهذا تتحقق البركة والخير في البيت.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من دلائل النبوة": قال البخاري رحمه الله: حدثنا محمد بن المثنى العنزي، أبو موسى الملقب بالزمن، أحد رجال الصحيحين ومن أثقات الحفاظ المشهورين، قال: حدثنا معاذ بن هشام الدستوائي، من رجال الصحيحين كذلك، صدوق لكنه ربما يهم، قال: حدثني أبي، هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، أحد الحفاظ الأثبات من رجال الصحيحين المشهورين، بل لقب بأمير المؤمنين في الحديث، قال: عن قتادة، ابن دعام السدوسي الحافظ، من رجال الصحيحين، وإن كان ممن يكثر التدليس، لكن انتقى أهل الصحيح من حديثه ما ليس كذلك، قال: حدثنا أنس بن مالك، الصحابي الجليل، أحد المكثرين. دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بدعوة كانت آية وعلامة ودليل من دلائل نبوته، صدق رسالته عليه الصلاة والسلام، تحققت فيه رضي الله عنه وأرضاه. فقد دعا له نبينا صلى الله عليه وسلم بطول عمره وكثرة ماله وولده، حتى قال عن نفسه رضي الله عنه وأرضاه: إن الله رزقه مالًا كثيرًا حتى إن كرمه ليثمر في السنة مرتين، يعني ثمار ما رزقه الله من أشجار تثمر مرتين في السنة، وإن كان الناس تثمر عندهم مرة واحدة. ورزقه الله من الولد ممن أدركهم من صلبه كما ذكر مئة وستة من الولد، وعُمّر حتى بلغ مئة وسبع سنوات، يعني عاش سبع سنوات بعد المئة سنة. فانظروا إلى هذا، فهي آية ودليل من دلائل صدق نبوته ورسالة عليه الصلاة والسلام، إذ تحقق ما دعا له رضي الله عنه وأرضاه. قال: إن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم -سيأتي ذكر الرجلين وإن شاء الله- وأشار في التعليق شيخنا، قال: هما أسيد بن حضير وعباد بن بشر، قال: خرجا من عند النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة، ومعهما مثل المصباحين يضيئان بين أيديهما، وسيأتي أن ذلك كان في عصي صغيرة، كل واحد معه عصى صغيرة، قال: فلما افترقا، صار مع كل واحد منهما واحد حتى أتى أهله. قال شيخنا رحمه الله: قال الحاكم رحمه الله: حدثني علي بن حمشاد العدل، قال: حدثني هشام بن علي وإسحاق بن الحسن، قال: حدثنا عفان بن مسلم وصفار، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس، قال: كان أسيد بن حضير وعباد بن بشر عند النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة ضلماء حندس، يعني شديدة الظلمة، قال: فلما انصرفا، أضاءت عصا أحدهما، فمشى في ضوئها، فلما افترقا، أضاءت عصا الآخر. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. والحديث أخرجه كذلك أحمد بن حبان بهذا اللفظ. فنرى هاهنا هذا الموضع من مواضع ما استدل به شيخنا مما فيه كرامة بعض أتباع النبي صلى الله عليه وسلم، والتي هي تعد دليلًا من دلائل نبوته. فكرامات الأولياء دليل من دلائل صدق رسالة الأنبياء كما تقدم معنا وتكرر. والشاهد منه هاهنا ما وقع لأسيد بن حضير وعباد بن بشر، وهما من خيار الصحابة من الأنصار وأوائلهم، شهدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم المشاهد. فقد كان أسيد بن حضير أحد النقباء، وكان عباد بن بشر كذلك، له ما كان من الفضل، وقد بلي في دين الله عز وجل البلاء الحسن، وهو ممن شارك في قتل كعب بن الأشرف رضي الله عنهم جميعًا وأرضاهم. فكانت هذه الآية التي تدل على كرامة الله عز وجل لهم، وهو يدل على كذلك صدق الدين الذي أخذوا به، فيكون بذلك دليلًا من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم. وقوله هنا: "ولم يخرجاه"، مع أننا كما نرى الحديث في البخاري، من أفراد البخاري. وبعض أهل العلم جعل مثل هذا من أوهام الحاكم. ولكن عند التحقيق وإمعان النظر والتأمل فيما أخرج أهل الصحيح أصل الحديث، ثم يخرجه الحاكم فيقول: "ولم يخرجاه"، يوجد كما قال بعض أهل العلم ما يكون مخرجًا للحاكم، إذ يريد كثيرًا تفرد هؤلاء الرواة خارج الصحيح ببعض الألفاظ ليست في الصحيح. فعند ذلك من تصدى للحاكم كما ذكر في كتب المصطلح من هذا الباب يصفى منه الكثير مما كان من هذا الوجه. فبعضه أصل الحديث في الصحيحين، ووقع له الوهم فأخرجه، والكثير منه يكون هناك ما هو زائد عما في الصحيحين، إما لفائدة في متنه وزيادة، وإما لفائدة وزيادة في سنده. وكما نرى هنا هو من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس، وهذا الإسناد إسناد من إسناد الإمام مسلم، هو الذي يخرج هذا كثيرًا، وليس هو في مسلم. بل الحديث كما مر معنا من أفراد البخاري، مع ما فيه من زيادة في تسمية الرجلين، وكذلك بعض ما ذكر من ألفاظ. فدل ذلك أنه أراد أنه بهذا اللفظ وهذا السند ليس في الصحيحين، وإن كان أصل الحديث في الصحيحين. ولهذا ذكر الحافظ ابن حجر في "تغليق التعليق" حين ذكر هذا الحديث، قال: وقوله "ولم يخرجاه" يعني بهذه الألفاظ الزائدة التي زائدة عما ذكره البخاري رحمه الله. وقد تناول هذا الحديث مجموعة من الفوائد والمسائل، من أهمها ما أشار إليه الشيخ رحمه الله، إذ فيه كرامة لهذين الصحابيين الجليلين، وفيه كذلك دليل من دلائل صدق نبوته ورسالته عليه الصلاة والسلام، لأن كرامات الأولياء دلائل من دلائل صدق رسالة الأنبياء. وفيه من المسائل فضل هذين الصحابيين الجليلين، وقد ورد فيما يدل على فضلهما أحاديث كثيرة، هذا منها. وفيه من المسائل كذلك ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من أمر اختصاص بعض أصحابه بما يكون به القيام بمصالح المسلمين. وكذلك فيه اختصاص بعض الناس بما يكون من العلم، ولا شك أن الجلوس معه عليه الصلاة والسلام كله فيه من العلم ما ينتفع به من يجلس معه عليه الصلاة والسلام. والنبي صلى الله عليه وسلم كان له مجلس مع عموم المسلمين، وله كذلك مجالس يخص بها بعض أصحابه مما يكون به القيام بمصالح المسلمين. وما أكثر الأحاديث في هذا الباب من اجتماع النبي صلى الله عليه وسلم بعدد من الصحابة، فيكون معهم فيما يكون كأحاديث اجتماعه بأبي بكر وعمر، وهذا كثير، وكذلك معهم عثمان ومعهم أحيانًا علي وغير ذلك من الأحاديث، وهذا من هذا الباب. ففيه كذلك هذا المعنى الذي قد يستفيده من يحتاج أن يكون له بطانة حسنة تعينه على الخير وترشده إليه. وفيه من المسائل كذلك جواز القيام بعد صلاة العشاء للعلم وغيره مما فيه طاعة لله عز وجل. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النوم قبلها والحديث بعدها، هذا يحمل إذا لم يكن هناك حاجة لذلك. فالأصل أن يبكر المسلم بالنوم بعد صلاة العشاء. وأما إذا اقتضت الحاجة إلى ذلك كأن يكون هناك من العلم أو من الطاعة ما يستدعي القيام به في ذلك الوقت، فهذا لا ينافي مثل هذا الحديث، ويدل عليه فعل النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة. ومع ذلك فيحرص على عدم التطويل الذي لا يكون مضارته على حساب صلاة الفجر، وما ينبغي أن يحرص عليه المسلم من إعمار آخر الليل، خصوصًا حملة العلم. فالأمر في هذا كما يقال طرفان ووسط، يراعى في ذلك ما يكون به القيام بالطاعة ما أمكن، ولو كان نفلًا، ما أمكن التفريط في الواجب. فمن الخطأ مثلًا أن يجتهد الإنسان بطلب العلم ويسهر فيه، ثم في النهاية يتخلف عن صلاة الفجر، فهذا لا شك أنه خطأ كبير. فليس من الصواب أن تضيع الفريضة لأجل نافلة، بل ينبغي أن لا يكون هذا على حساب هذا. يحرص على الفرائض أعظم من النوافل. وقد قال ربنا جل وعلا بالحديث القدسي: "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه". وفيه من المسائل كذلك ما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم من تعاونهم في القيام بالخير. وكما نرى هاهنا أسيد بن حضير وعباد بن بشر ذكر في أحاديث وتلازم بعضهما لبعض، فكذلك المسلم ينبغي أن يستعين على الأعمال الصالحة بإخوانه، فذلك أعون له وأقوى. وبعض الأعمال قد تحتاج إلى عدد أكثر، وكل ما كان أنفع فعل ذلك. والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، إذا لم تكن الولاية الولاية في التعاون على الطاعة والعلم والخير وما كان بمعناه، فأين تتحقق معاني الموالاة؟ وهكذا كذلك في هذا الحديث ذكر معنى كرامة الأولياء التي يؤمن بها أهل السنة والجماعة، بما دلت عليه الأدلّة الشرعية، وتحقق وجودها في الواقع. وهذا الإيمان إيمانًا وسطًا دون إفراط ولا تفريط، فضلًا في هذا الباب طرفان. وقد تقدم هذا في دروس سابقة. فإن من الناس من أنكره، كما سلك بعض العقلانية من المعتزلة وغيرهم، ومن تبعهم على هذا المنهج الضال. ومنهم من بالغ في هذا حتى اختلطت عليه الأمور، كالمتصوفة ومن سلك مسلكهم، وتعدى ضلالهم من الباطنية وغيرهم. ودين الله عز وجل وسط بين الغالي والجافي. وأخيرًا فيه كذلك من المسائل جواز التأخر عن الأهل إذا كان بما لا يضرهم وبما فيه طاعة لله عز وجل. فقد كان الصحابة رضي الله عنهم وهم أحرص الناس على القيام بحقوق أهليهم يغيبون عنهم، وربما يكلفونهم من الأعمال فوق أعمالهم، ما هو عونًا لما يقومون به في نصرة هذا الدين. ومن تأمل مثل هذا ونظر إلى حال النساء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، نساء الصحابة، وهذا فيه موعظة للنساء، ينبغي أن يكون درسًا عظيمًا في وقوف المرأة مع زوجها في نصرة الدين. ومن ذلك أنها تعينه على طلب العلم، وأنها كذلك تعينه في القيام بما يجب مع أبنائه، وكذلك ربما تعينه فيما هو شيء زائد عن هذا. فأسماء رضي الله عنها كانت تعين الزبير حتى في إطعام فرسه وفي تجهيزه وغير ذلك مما هو أعظم من أعمال البيت، بل ربما خرجت إلى المزرعة وعملت بما يكون به القيام بما تحتاجه في البيت. ولا يعني ذلك أن يكون هذا كله على المرأة، ولا يكون الزوج متحملًا شيئًا من المسؤولية. لكن هو كذلك ينبغي عليه أن يقوم بما يستطيع أن يقوم به من إعانة أهله. وقد قال عليه الصلاة والسلام: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي". ومن تأمل سيرته عليه الصلاة والسلام وسيرة أهله، علم ما كان عليه عليه الصلاة والسلام من حسن عشرته، وكذلك رفقه بأهل بيته. وهذا الذي ينبغي أن يحرص عليه المسلم، ولكن إذا وجد ما يقتضي تقديم بعض الأعمال التي يتعدى نفعها، فلا ينبغي أن تتسخط المرأة المسلمة، فضلًا عما ينبغي أن تقوم به من التعاون على الخير والتناصر فيه. والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. ويبتلى من يسلك هذا المسلك بما قد يصرفه الشيطان من الخير تارة بتفريط الزوج في حق أهله، وتارة بتسخط الأهل إذا رأوا الزوج مقبلًا على العلم، والعكس كذلك إذا وفق الله المسلم أهل بيته لطلب العلم، وكان ذلك على حساب بعض التقصير في حقوقه، فلا يكون ذلك سببًا لتسخطه. بل يصبر ويعينهم على الخير، مع ما ينبغي أن تحرص عليه المرأة من القيام بحق زوجها وبيتها وأبنائها قدر المستطاع، وهو أهم وأولى. ولا يعني أنها تطلب العلم أن تفرط في مثل هذه الحقوق، لكن أن يحصل التعاون بين الزوجين والتراحم والتناصر، هذا هو المطلوب. مع حرص كل واحد منهما على أن لا يقع منه نقص ولا تقصير في حق الآخر، وبهذا لا تكن هذه الأعمال الصالحة عائقًا ولا كذلك سبب مشكلة وخلاف في البيت المسلم، بل على العكس تكون سببًا لقوته وخيريته، وكذلك إعماره بأنواع الخير والطاعة. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.