الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 76، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش شيخ الإسلام ابن تيمية مسألة تحريف الكتب السماوية السابقة مثل التوراة والإنجيل، ويشير إلى وجود اختلافات بين النسخ الموجودة عند اليهود والنصارى والسامرة. يبين أن بعض أهل الكتاب غيروا بعض ألفاظها بينما بقيت نسخ أخرى لم تتغير.
يتناول المقطع تناقض النسخ المختلفة من الكتب السماوية المحرفة، ويشير إلى أن الاختلاف بينها أمر واقع وأن تغيير بعض النسخ ممكن خاصة إذا كانت بيد قلة من العلماء. يبين أن ادعاء عدم تغييرها دعوى باطلة.
يناقش المؤلف ادعاءات حول وجود الكتب السماوية السابقة باثنين وسبعين لسانا بنفس اللفظ ويبين استحالة التحقق من ذلك. يشير إلى أن القرآن محفوظ في قلوب المسلمين ولا يعتمد نقله على المصاحف فقط.
المقطع يشير إلى تناقض في ادعاءاتهم حول زمن عيسى ويبين أنهم يقرون بوجود أربع نسخ أصلية من الإنجيل تتمثل في الأناجيل الأربعة المشهورة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه "بواب الصحيح من ديوان الدين المسيح": فصل، وأما من قال إنه غير بعض ألفاظها بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء يقولون إنه كان في التوراة والإنجيل وغيرهما ألفاظ صريحة بأمور، منها اسم محمد صلى الله عليه وسلم. وأنه عمد بعض أهل الكتاب فغيروا بعض الألفاظ في النسخ التي كانت عندهم. لا يقولون إن هؤلاء غيروا كل نسخة، نسخة كانت على وجه الأرض، لكن غيروا بعض ألفاظ النسخ. وكتب الناس من تلك النسخ المغيرة نسخا كثيرة انتشرت، فصار أكثر ما يوجد عند كثير من أهل الكتاب هو من تلك النسخ المغيرة. وفي العالم نسخ أخرى لم تغير، فذكر كثير من الناس أنه رآها وقرأها. وفي تلك النسخ ما ليس في النسخ الأخرى. ومما يدل على ذلك أنك في هذا الزمان إذا أخذت نسخ التوراة الموجودة عند اليهود والنصارى والسامرة، وجدت بينهم اختلافا في مواضع متعددة. وكذلك نسخ الإنجيل، وكذلك نسخ الزبور، مختلفة اختلافا متمايزا، بحيث لا يعلم العاقل أن جميع نسخ التوراة الموجودة متفق على لفظ واحد، ولا يعلم أن جميع نسخ الإنجيل متفق على لفظ واحد، ولا يعلم أن جميع نسخ الزبور متفق على لفظ واحد، فضلا عن سائر النبوات. ومعلوم أنه لا يمكن أهل الكتاب إقامة حجة على أن جميع النسخ بجميع اللغات في زوايا الأرض متفق على لفظ واحد في جميع ما هو موجود من جميع النبوات. والحجة التي احتجوا بها على تعذر تغييرها كلها دلت على تعذر العلم بتساويها كلها. فإذا قالوا: فمن هو الذي تكلم باثنين وسبعين لسانا؟ ومن هو الذي حكم على الدنيا كلها، ملوكها وقساوستها وعلمائها، حتى حكم على جميع من بأقطار الأرض وجمعها من أربع زوايا الأرض، حتى يغيرها؟ قيل لهم: ومن الذي يعلم اثنين وسبعين لغة؟ ومن هو الذي حكم على الدنيا، ملوكها وقساوستها وعلمائها، حتى حكم على جميع من بأقطار الأرض وجمعها من أربع زوايا الأرض، وأحضر كل نسخة موجودة في جميع الأرض، وقابل كل نسخة موجودة في جميع الأرض بجميع النسخ، فوجد جميع ألفاظ جميع النسخ التي باثنين وسبعين لسانا من جميع أقطار الأرض لفظا متفقا لم يختلف ألفاظها؟ فإن دعوى العلم بهذا ممتنع أعظم من امتناع دعوى تغييرها. فإنه إن أمكن أحدا أن يجمع جميع النسخ، كانت قدرته على تغيير بعض ألفاظها كلها أيسر عليه من مقابلة كل ما في نسخة بجميع ما في سائر النسخ. فإن إذا أحضرنا كتابا من الكتب عشر نسخ، كان تغيير بعض ألفاظ العشرة أيسر علينا من مقابلة كل واحد من العشرة بالتسعة الباقية، إذ المقابلة يحتاج فيها إلى معرفة جميع ألفاظ كل نسخة ومساواتها للأخرى. وأما التغيير، فيكفي فيه أن يغير من كل نسخة ما يغيره من الأخرى. فإن كان تغيير جميع النسخ ممتنعا في العادة، فالعلم باتفاقها أشد امتناعا. وإن كان العلم باتفاقها ممكنا، فإن كان تغيير بعض ألفاظها أيسر وأيسر. وأما قولهم: إن قيل إنه غير بعضها وترك بعضها، فهذا لا يمكن أن يكون؛ لأنها كلها قول واحد ولفظ واحد في جميع الألسن. فيقال: أما إن كان قول هذا، فظاهر لا ينازع فيه عاقل، وهو واقع. فإن قد رأينا التوراة التي عند السامرة تخالف توراة اليهود والنصارى، حتى في العشر الكلمات. فذكر السامرة فيها من أمر استقبال الطور ما لا يوجد في نسخ اليهود والنصارى. وكذلك بين نسخ اليهود والنصارى اختلاف معروف. ونسخ الإنجيل مختلفة، ونسخ الزبور مختلفة اختلافا أكثر من ذلك. وبكل حال، فلا يقدر عاقل أن يقول: يمتنع تغيير بعض النسخ. ولكن إذا قالوا: لم يغير شيء منها؛ لأن جميعها قول واحد ولفظ واحد في جميع الألسن، كانت هذه الدعوة باطلة من وجهين: أحدهما أن دعوى العلم بتساوي جميع النسخ أبلغ من دعوى إمكان تغييرها. فإن كان التغيير ممتنعا على جميعها، كان علم الواحد بما في جميعها، وأنها متماثلة الألفاظ مع اختلاف الألسن، أولى بالامتناع. الثاني أن هذا دعوى خلاف الواقع. فإن الاختلاف في نسخ التوراة والإنجيل والزبور موجود، قد رأيناه نحن بأعيننا، ورآه غيرنا. ورأيت عندهم نسخا بالزبور يخالف بعضها بعضا اختلافا كثيرا. ورأينا بعض ألفاظ التوراة التي ينقلها هذه الطائفة، وهي مكتوبة عندهم، يدعون أنها هي التوراة الصحيحة المنقولة عندهم بالتواتر، تخالف بعض ألفاظ توراة الطائفة الأخرى. وكذلك الإنجيل. وبالجملة، قولهم هذا لا يمكن أن يكون؛ لأنه كلها قول واحد ولفظ واحد في جميع الألسن، تضمن شيئين: تضمن دعوى كاذبة، وحجة باطلة. فإن قولهم هذا لا يمكن، مكابرة ظاهرة. فإن إمكان تغيير بعض النسخ مما لا ينازع عاقل في إمكانه. لكن قد يقول القائل: إذا غير بعض النسخ وأظهر ذلك، شاع ذلك، فرأى سائر أهل النسخ تلك النسخ المغايرة لنسخهم، فأنكروه. فإن الهمم والدواعي متوفرة على إنكار ذلك. كما يوجد اليوم مثل ذلك، لو أراد رجل أن يغير كتابا مشهورا عند الناس به نسخ متعددة، فإذا غيره، وصلت تلك النسخ إلى من يعرف ما في تلك النسخ، أنكروا ذلك. فيقال: هذا يمكن إذا كانت تلك النسخ المغيرة وصلت إلى طائفة يمتنع عليهم مواطأتهم على الكذب. فإنه كما يمتنع في الأخبار المتواترة التواطؤ على الكذب، فيمتنع التواطؤ على كتمان ما يتعذر كتمانه في العادة. ومعلوم أنه لا يمتنع على الجماعة القليلة التواطؤ على تغيير بعض النسخ. والنسخ إنما هي موجودة عند علماء أهل الكتاب، وليس عامتهم يحفظ ألفاظها كما يحفظ عوام المسلمين ألفاظ القرآن. فإذا قصد طائفة منهم تغيير نسخة أو نسخ أو نصف عندهم، أمكن ذلك. ثم إذا تواطأت الطائفة الأخرى على أن لا يذكر ذلك، أمكن ذلك. ولكن إذا كانت الطوائف ممن لا يمكن تواطؤها على الكذب أو الكتمان، امتنع ذلك فيهم. وقد رأينا عند أهل الكتاب كتبا يدعون أنها عندهم من النبي صلى الله عليه وسلم لخط علي بن أبي طالب فيها أمور تتعلق بأغراضهم. وقد التبس أمرها على كثير من المسلمين، وعظموا ما فيها، وأعطوا أهل الكتاب ما كتب لهم فيها، معتقدين أنهم ممتثلون ما فيها. فلما وصلت إلى من وصلت إليه من علماء المسلمين، بينوا كذبها بطرق معلومة بالتواتر، مثل ذكرهم فيها شهادة كعب بن مالك الحبر على النبي صلى الله عليه وسلم، يعنون كعب الأحبار. وكعب الأحبار إنما أسلم على عهد عمر بن الخطاب، لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، واسمه كعب بن ماتع. ولكن في الأنصار كعب بن مالك الشاعر، الذي أنزل الله توبته في سورة براءة. وظن هؤلاء الجهال أن هذا هو ذاك. ومثل ذكرهم شهادة سعد النعمان، الذي تنزل لموته عرش الرحمن، ذكروا شهادته عام خيبر. وقد اتفق أهل العلم أنه مات عقب غزوة الخندق، قبل غزوة خيبر بمدة. وأمثال ذلك. وأما حجتهم الداحضة، فقولهم: إن جميع كتب النبوات التي في العالم، من التوراة والإنجيل والزبور والنبوات، موجودة باثنين وسبعين لسانا، بلفظ واحد وقول واحد. فهل يقول عاقل من العقلاء أنه علم ذلك، وأنه علم أن كل نسخة من النبوات الأربع والعشرين، بأحد الألسنة الاثنين وسبعين، موافقة لكل نسخة في سائر الألسنة؟ ولو ادعى مدع أن كل نسخة من التوراة في العالم باللسان العربي، أو كل نسخة من الإنجيل في العالم باللسان العربي، أو كل نسخة في العالم من الزبور باللسان العربي، موافقة لجميع النسخ العربية الموجودة في زوايا العالم، لكان قد ادعى ما لا يعلمه، ولا يمكنه علمه. فمن أين له ذلك؟ وهل رأى كل نسخة عربية بهذه الكتب، أو أخبره من يعلم صدقه أن جميع النسخ العربية الموجودة في العالم موافقة لهذه النسخة؟ وكذلك إذا ادعى ذلك في اللسان اليوناني، والسرياني، والرومي، والعبراني، والهندي. فإن كان في العالم بكل كتاب من هذه الكتب بكل لسان من هذه الألسنة الاثنين وسبعين، فدعوى اتفاق نسخ كل لسان من جنس دعوى اتفاق النسخ العربية. فكيف إذا ادعى اتفاق النسخ بجميع الألسنة؟ وهب أن يمكن أن يقال ذلك في نسخ لسان نقلها أهله والناطقون به، فكيف يمكن دعوى في لسان كثر الناطقون به وانتشر أهله؟ وليس هذا كدعوى اتفاق مصاحف المسلمين بالقرآن؛ فإن القرآن لا يتوقف نقله على المصاحف، بل القرآن محفوظ في قلوب ألوف مؤلفة من المسلمين، لا يحصي عددهم إلا الله عز وجل. فلو عدم كل مصحف في العالم، لم يقدح ذلك في نقل لفظ من ألفاظ القرآن. بخلاف الكتب المتقدمة، فإنه قل أن نجد من أهل الكتاب أحدا يحفظ كتابا من هذه الكتب. فقل أن يوجد من اليهود من يحفظ التوراة. وأما النصارى، فلا يوجد فيهم من يحفظ التوراة والإنجيل والزبور والنبوات كلها، فضلا عن أن يحفظها باثنين وسبعين لسانا. وإن وجد ذلك، فهو قليل لا يمتنع عليهم التواطؤ على الكذب والغش. فتبين أن ما ذكروه من انتشار كتبهم بالألسنة المختلفة هو من أقوى الأمور في عدم العلم بتماثل ما فيها من الألفاظ. وأن القرآن إذا كان منقولا بلغة واحدة، وذلك اللسان يحفظه خلق كثير من المسلمين، وكان ذلك مما يبين أن القرآن لا يمكن أحدا أن يغير شيئا من ألفاظه. وإن أمكن تغيير بعض ألفاظ التوراة والإنجيل عند كثير من أهل الكتاب، والمسلمون لا يدعون أنه غير جميع ألفاظ جميع النسخ بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، كما ظنه بهم هؤلاء الجهال. بل إنما ادعوا ما يسوغه العقل، بل ويظهر دليل صدقه. ولكن هؤلاء الجهال ادعوا العلم بأن جميع النسخ بجميع الألسنة، بجميع الكتب، بلفظ واحد. فادعوا ما لا يمكن أحدا علمه، وادعوا ما يعلم بطلانه. ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ كلام المؤلف رحمه الله ظاهر، وقد سبق الكلام على معنى ذلك. وإنما هنا كالتأكيد لهاتين القضيتين: الأولى أنه غير بعض ألفاظها بعد مبعث النبي عليه الصلاة والسلام، والثاني ادعاء التغيير في كل نسخة، وهذا ما لا يقوله المسلمون. وكذلك يشهد الواقع والحس والعقل على عدم لزومه. وما سبق من كلام المؤلف رحمه الله في دعوى وجود اثنتين وسبعين لغة بهذه الكتب، خصوصا للإنجيل، أن هذه الدعوة تحتاج إلى برهان. وأعظم من ذلك أن هذا فيما يدعونه من زمن عيسى، فهذا ليس بصحيح. بل هم يقرون أن أصل الإنجيل أربع نسخ، على الأربع الأناجيل المشهورة.