الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 108

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 108

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 108، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

نقد قولهم بأن بعض صفات الله جوهرية

يناقش شيخ الإسلام ابن تيمية رأي بعض الناس في أن بعض صفات الله جوهرية، ويبين فساد هذا الرأي من وجوه متعددة. كما ينتقد الفلاسفة اليونان في تفريقهم بين الصفات الذاتية والعرضية.

انتقاد الفلاسفة اليونانيين وآرائهم في الصفات

يناقش آراء الفلاسفة اليونانيين في تصنيف الصفات إلى ذاتية وعرضية، ويبين فساد أصولهم في هذا التصنيف. كما يشير إلى تأثير هذه الأفكار على الكلام في صفات الله تعالى.

الرد على النصارى في اعتبار الصفات جواهر وبيان عدم موافقتهم لمقولات الفلاسفة

يناقش اعتقاد النصارى بأن الصفات جواهر، ويبين بطلانه من خلال توضيح الفرق بين الجوهر والعرض. كما يشرح كيف أن قول النصارى في إثبات الصفات لا يوافق مقولات الفلاسفة، ويبين أن كلا الطرفين قد أخطأ في فهم الصفات.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله: فصل، وأما قولهم: هذه صفات جوهرية تجري مجرى أسماء، فإن أرادوا بقولهم جوهرية أن كل صفة جوهر، فهذا كلام ظاهر الفساد، فإن الصفة القائمة بغيرها لا تكون جوهرا قائمة بنفسها. ومن ظن أن حرارة النار القائمة بها جوهر قائم بنفسه كالنار، فهو إما مصاب في عقله، وإما مسفسط معاند. والأول يستحق علاج المجانين، والثاني يستحق العقوبة التي تردعه عن العناد. ثم إن جاز أن تكون الصفة جوهرا، كانت القدرة أيضا جوهرا. فإن أرادوا بقولهم جوهرية أنها صفات ذاتية، وغيرها صفات فعلية كالقالق والرازق، فمعلوم أن صفاته الذاتية منها القدرة وغيرها، فلم تنحصر في هذه. وأيضا فالكلام، وإن كان قائما بذاته، فقيل هو متعلق بمشيئته وقدرته، وهو قول السلف والأكثرين. وقيل ليس كذلك. والمتكلم قيل هو من فعل الكلام، ولو كان منفصلا عنه. وقيل هو من قام به الكلام، وإن لم يكن بمشيئته وقدرته. وقيل المتكلم من قام به الكلام بمشيئته وقدرته، وهذا قول السلف والأكثرين. فبطل قولهم على كل تقدير. وإن أرادوا بالجوهرية أنها ذاتية مقومة، وباقي الصفات عرضية على فهم أهل المنطق اليونان، الذين يفرقون في الصفات اللازمة للموصوف بين هذا وهذا، كان هذا فاسدا من وجوه. منها أن تفريق هؤلاء في الصفات اللازمة للموصوف بين صفة وصفة، وجعل بعضها ذاتيا وقوما داخلا في الماهية، وبعضها عرضيا لاحقا خالجا عن الماهية، كلام باطل عند جماهير نظار الأمم من أهل الملل وغيرهم. كما قد بسط الكلام عليه في الرد على هؤلاء المتفلسفة، وبين أن ما يدعونه من تركيب الأنواع من الأجناس والفصول، إنما هو تركيب في الأذهان، لا حقيقة له في الأعيان. وأن ما يقوم بالأذهان يختلف باختلاف تصور الأذهان، فتارة يتصور الشيء مجملا، وتارة يتصوره مفصلا. وما سموه تمام الماهية والداخل في الماهية والخارج عنها اللازم لها، يعود عند التحقيق إلى ما يدل عليه اللفظ بالمطابقة والتضمن والالتزام. ومدلول اللفظ هو بحسب ما يعنيه المتكلم ويقصده ويتصوره. وهذا يختلف باختلاف إرادات الناس، لا يرجع ذلك إلى حقيقة عقلية، ولا صفة ذاتية للموجودات. ولهذا لما كان كلامهم باطلا، لم يمكنهم ذكر فرق صحيح بين الذاتي والعرضي اللازم، إذا كان كلاهما لازما للموصوف. بل ذكروا ثلاثة فروق، والثلاثة باطلة. واعترف حذاقهم بطلانها. كقولهم: إن الذاتي يثبت للموصوف بلا وسط، والعرضي اللازم إنما يثبت بوسط. ثم حذاقهم يفسرون الوسط بالدليل، كما فسره النسفي. ومنهم من يفسر الوسط بصفة قائمة للموصوف، كما يفسره الرازي وغيره. وهؤلاء لم يفهموا مراد أولئك، فزاد غلطهم. وأولئك أرادوا بالوسط الدليل، كما يريدون بالحد الأوسط ما يقرن باللام في قولك: لأنه. وصار العرضي اللازم عندهم ما يعلم ثبوته للموصوف بدليل. وهذا لا يرجع إلى حقيقة ثابتة في نفس الأمر، بل هذا أمر يتعلق بالعالم بالصفات. فمنهم من يكون تام التصور، فيعلم لزوم الصفة للموصوف بلا دليل. ومنهم من لا يكون تام التصور، فلا يعلم ذلك إلا بدليل. ثم كل من كان مستلزما لشيء، فإنه يمكن الاستدلال به عليه، إذا كان الدليل هو الذي يلزم من تحققه تحقق المدلول، فيكون الوسط كل ما كان مستلزما للعرض، فيكون العرض لازم لازم. وهم معترفون بأن من العرضيات ما يلزم بلا وسط. وقد مثلوا ذلك بالزوجية والفردية في العدد، كالعلم بأن الأربع زوج، والثلاث فرد. وإن كان ظاهرا، لكن العلم بأن خمسمائة وثلاثة وأربعين نصف ألف ستمائة وثمانين، قد يفتقر إلى دليل. وقد يفتقر إلى تأمل وفكر. وهم يقولون ما يقول ابن سينا أفضل متأخرهم، وغيره، من أن العرض المنقسم إلى الكيف والكم وغير ذلك، هو ذاتي لموصوفاته. واللون المنقسم إلى السوداء والبياض، هو ذاتي للمتلون. والسوداء والسوادية والبياضية، سبتان ذاتيتان. بخلاف الزوجية والفردية. قالوا: لأن كون هذا أسود وأبيض، وعرضا قائما بغيره، لا يفتقر إلى استدلال ونظر. بخلاف كون هذا العدد زوجا أو فردا، فإن هذا قد يفتقر إلى نظر واستدلال، فإنه ينقسم إلى قسمين متساويين أو لا ينقسم. ومعلوم أن هذا فرق يعود إلى علم العالم بهذه الصفات، هل هو جلي أو خفي؟ وهل يفتقر إلى نظر واستدلال أو لا يفتقر؟ ليس هو فرقا يعود إلى الصفات في نفسها، ولا إلى موصوفها. فعلم أنه ليس بين ما جعلوه ذاتيا مقوما داخلا في الماهية، وما جعلوه عرضيا لازما خارجا عن الماهية، فرق يعود إلى نفس الماهية التي هي الذات الموصوف الموجودة في الخارج، ولا إلى صفاتها. بل جميع صفاتها اللازمة لها سواء في ذلك. وليست الماهية مركبة من هذا دون هذا، ولا فيها شيء يتقدم على الماهية في الوجود الخارج، كما يقولون: إن الذات يتقدم على الماهية في الوجود والذهن. ولا الصفات جواهر موجودة في الخارج، لها أجزاء كأجزاء الأجسام المركبة. وإنما هي صفات قائمة بالموصوف، يمتنع تقدم شيء منها على الموصوف. ولكن إذا قيل في الإنسان: هو جسم حساس تام متحرك بالإرادة ناطق، فهنا قد تصور الذين هذه الأمور، ويعبر عنها. وكل واحد منها جزء من الجملة التي في ذهنه ولسانه. والجملة التي في ذهنه ولسانه مركبة من هذه الأجزاء. لأن الإنسان الموجود في الخارج مركب من هذه الأجزاء، وأنها متقدمة عليه. أو أنها جواهر، فإن هذا كله مما يعلم بصريح العقل أنه باطل. لكن هؤلاء المتفلسفة اليونان، ومن اتبعهم، كثيرا ما يشتبه عليهم ما تصورونه في الأذهان، بما يوجد في الأعيان. كما أثبت من أثبت من قدامائهم، مثل فيثاغورس وأتباعه، أعدادا مجردة موجودة في الخارج. وقد رد ذلك عليهم سائر العقلاء، كما رده من بعده منهم. وقالوا: إن العدد المجرد والمقدار المجرد، إنما يوجد في الذهن لا في الخارج. وإنما يوجد في الخارج المعدودات والمقدرات، مثل الأجسام المتفرقة التي تعد كالكواكب، أو المتصلة التي تقدر كالأفلاك. وذلك هو المتصف بالكم المتصل والكم المنفصل الموجود في الخارج. وأثبت أصحاب أفلاطون الكليات العقلية في الخارج، التي يسمونها المثل الأفلاطونية. وزعموا أنها قديمة أزلية. وأثبتوا بعدا موجودا مجردا جوهرا هو القلاء. وجوهرا قائما بنفسه هو الدهر. وجوهرا مجردا قائما بنفسه هو المادة والهيولي الأزلية. وهذه كلها إنما تتصور في الأذهان لا في الأعيان. بل وما أثبتوه من العقول المجردة العشرة، هي أيضا عند التحقيق ترجع إلى ما يجرده الذهن ويقدره فيه، لا إلى موجود في الخارج. وأصل قولهم: المجردات والمفارقات، هو مأخوذ من مفارقة النفس الناطقة للبدن بالموت. وهذا حق، فإن الذي عليه الأنبياء وأتباعهم، وجمهور العقلاء، أن الروح تفارق البدن، وتبقى بعد فراق البدن. ومن قال من متكلمة أهل الملل: إنه لا يبقى بعد البدن روح تفارقه، وأن الروح جزء من البدن، أو عرض من أعراض البدن، فقوله مع أنه خطأ في العقل الصريح، هو أيضا مخالف لكتب الله المنزل لرسله، ولمن اتبعهم من جميع أهل الملل. وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع. والمقصود هنا التنبيه على أن تفريق هؤلاء اليونانيين في الصفات اللازمة للموصوف، بين الصفات الذاتية والعرضية اللازمة، وجعلهم اللازمة منها ما هو لازم للما هي، ومنها ما هو لازم لوجودها، هو مبني على أصلين فاسدين لهم، خالفهم فيها جمهور عقلاء الأمم من نظار أهل الملل وغيرهم. أحد الأصلين هو ما تقدم من جعلهم الصفات اللازمة للموصوف، هي في الخارج منقسم إلى ذاتي جزء من الماهية داخل فيها، وإلى عرضي خارج عنها لازم لها. والثاني زعمهم أن كل موجود ممكن، ولو في الخارج، ما هي هي ذاته وحقيقته، غير الموجود المعلوم المعين الثابت في الخارج. وهذا أيضا مما اشتبه عليهم فيه ما في الذهن بما في الخارج، فإنه إذا أريد بالما هي ما يتصور في الذهن، وهو المقول في جواب ما هو. وبالوجود ما هو ثابت متحقق في الخارج، فمعلوم أن هذا غير هذا. كما يقولون: إن نتصور المثلث قبل أن نعلم وجوده في الخارج، فعلم أن ما هي المثلث غير المثلث الموجود في الخارج. فإنه يقال لهم: إن أردتم ما يتصور في الذهن من المثلث غير الموجود في الخارج، فهذا حق. لكن ليس في هذا ما يدل على أنه في الخارج عن الذهن شيئين، أحدهما ما هي المثلث التي حقيقته وذاته، والثاني المثلث الموجود الذي هو زاوية الحائط. وإن أردتم أن في الخارج شيئين، فهذا غلط. وهذا الموضع مما اشتبه على كثير من النظار، حتى صار بعضهم، وبعض أكابرهم، حائرا متوقفا. وبعضهم يختلف قوله ويتناقض. وسبب ذلك عدم تمييزهم بين ما يتصور في الأذهان، وبين ما يوجد في الأعيان. ثم هذا الموضوع نقلوه إلى الكلام في صفات الله اللازمة له، كحياته وعلمه وقدرته، هل هي ذاتية أو عرضية؟ فإن قيل: ذاتية، لازم أن تكون له أجزاء متقدمة عليه، تركب منها. وإن كانت عرضية لازمة، لازم أن يكون قابلا وفاعلا. فإن كونه فاعلا غير كونه قابلا، فلازم أن يكون فيه جهتان، وهذا من التركيب الذي زعموه منتفيا. وذلك يستلزم التركيب، وهو التركيب من الذاتيات. وقد بين فساد هذا من وجوه متعددة. منها أن التركيب المعقول هو تركيب الحيوان والنبات والمعادن من أبعاضه وأخلاطه. وتركيب المبنيات والملبوسات والأطعمة والأشربة من أبعاضها وأخلاطها. وأما تركيب الأجسام من الجواهر المنفردة، أو من المادة والصورة، فهذا مما تنازع فيه جمهور العقلاء. وكذلك تركيب الشيء من الموجود والماهية، سواء كان واجبا أو ممكنا، هو مما تنازع فيه جمهور العقلاء. وكذلك تركبه من الصفات الذاتية المشتركة والمميزة، التي يسمونها الجنس والفصل. وأما قصاف الذات بصفات تقوم بها، فهذا هو الذي يعرفه عامة العقلاء. ولكن لا يسمون هذا تركيبا. فمن سماه تركيبا، لم يكن نزاعه اللفظ قادحا فيما علم بالأدلة السمعية والعقلية. ثم هم يقولون: المركب يفتقر إلى أجزائه، وأجزائه غيره. وواجب الوجود لا يفتقر إلى غيره. وهذه كلها ألفاظ مجملة. فإن لفظ الافتقار هنا لم يعنوا به افتقار المفعول لا فاعله، ولا المعلول إلى علته الفاعلية. فإن جزء الشيء لا يكون فاعله، ولا علته الموجب له. بل يريدون به التلازم والاشتراط. فإن وجود المجموع مستلزم لوجود أجزائه، وهو مشروط بذلك. ومنها أن لفظ الجزء ليس مرادهم جزءا مباينا للجملة. فإن جزء الجملة ليس مباينا لها. ومنها لفظ الغير، فإن يراد بالغيرين ما يجوز مباينة أحدهما لصاحبه، أو مفارقته له بزمان أو مكان أو وجود. ويراد بهما ما يجوز العلم بأحدهما دون الآخر. وبعض المجموع وصفة الموصوف لا يجب أن تفارقه وتباينه. بل قد يجوز أن تباينه، ويجوز أن لا تباينه. فصفات الرب عز وجل اللازمة له، لا يجوز أن تفارقه وتباينه. وحينئذ فمن الناس من لا يسميها غيرا له. ومن سماها غيرا له، فذاته مستلزم لها. ليست الصفات فاعلة للذات، ولا علة موجبة لها. ولفظ واجب الوجود يراد به الموجود بنفسه الذي لا فاعل له، ولا علة فاعلة له. وذات الرب عز وجل وصفاته واجبة الوجود بهذا الاعتبار. ويراد به مع ذلك المستغني عن محل يقوم به. والذات بهذا المعنى واجبة دون الصفات. ويراد به ما لا تعلق له بغيره. وهذا لا حقيقة له، فإن الرب تعالى له تعلق بمخلوقاته، لا سيما عند هؤلاء الفلاسفة الدهرية، الذين يقولون: إنه موجب بذاته للأفلاك، مستلزم لها. فيجعلونه ملزوما لمفعولاته. فكيف ينكرون أن تكون ذاته ملزوم لصفاته؟ وهؤلاء المتفلسفة اليونانيون، الذين يسمون المشائين، أتباع أرسطو صاحب التعاليم المنطق الطبيعي والرياضي والإلهي. يقولون: إن موضوع العلم الطبيعي متعلق بالمادة في الذهن والخارج، من الجسم وأحكامه. والثاني الرياضي، وهو متعلق بالمادة في الخارج لا في الذهن، فإنه لا يوجد عددا ولا مقدارا في الخارج إلا في جسم في الخارج، أو عرض معدود أو مقدر منفصل. بخلاف الذهن، فإنه يجرد أعدادا ومقادير مجردة عن المعدودات والمقدرات. والثالث الذي يسمونه علم ما بعد الطبيعة، باعتبار السلوك العلمي. وهو علم ما قبلها باعتبار الوجود العيني. ويسمونه أيضا العلم الإلهي. وموضوعه عندهم المجرد عن المادة في الذهن والخارج. وهو الموجود من حيث هو موجود، وانقسامه إلى جوهر وعرض. وانقسام الجوهر إلى جسم وغير جسم. وانقسام الجسم إلى المادة والصورة. والعقول والنفوس. والعلة الأولى يسميها أرسطو وأتباعه جوهرا، ولا يسميها واجب الوجود. وأما متأخروهم، كابن سينا وأتباعه، يسمونها واجب الوجود، ولا يسمونها جوهرا. والكلام على هؤلاء مبسوط في موضع آخر، إذ المقصود هنا أن هذه الأمور التي يقولون: هي موضوع العلم الإلهي، وهي المجرد عندهم عن المادة في الذهن والخارج، هي عند التحقيق وجودها في الأذهان لا في الأعيان. فإن الوجود العام الكلي لا يوجد عاما كليا إلا في الأذهان لا في الأعيان. كما أن الإنسان العام الكلي، والحيوان العام الكلي، لا يوجد عاما كليا إلا في الأذهان لا في الأعيان. وقد بسط الكلام على هؤلاء في غير هذا الموضع، وبين أن اليهود والنصارى، بعد النسخ والتبديل، أقرب إلى الحق في الأمور الإلهية منهم. وهذه الأمور مبسوطة في موضع آخر. ولكن نبهنا عليها لتعلقها هنا بقول هؤلاء النصارى: إن صفات الرب الثلاثة جوهرية دون غيرها. وأنهم إن عنوا بذلك ما يعنيه هؤلاء بالذاتية. وقولهم باطل مبني على أصل باطل. فإن تفريق هؤلاء اليونان في الصفات اللازمة، بين الذاتي والعرضي اللازم للموجود، والعرضي اللازم للماهية، والعرضي اللازم للموصوف، فرق باطل. وقد ذكروا ثلاث فروق كلها باطلة، كما تقدم. الأول الوسط، والفرق الثاني تقدم الذاتي ذهنا ووجودا بخلاف اللازم العرضي. والثالث توقف الحقيقة على الذات. وقد تبين بطلان هذا في غير هذا الموضع. والنصارى ليس مرادهم بالجوهرية ما يريده هؤلاء بالذاتية. فلهذا لم نبسط الكلام عليه. بل يقولون: إن الثلاثة جواهر. وهؤلاء المنطقيون يفرقون بين اللازم للماهية واللازم لوجودها، بناء على أن في الخارج شيئين: الوجود وماهية أخرى غير الوجود. والكلام على هذا كله مبسوط في موضع آخر. ومنها أنه لو قدر أن صفات الموصوفات اللازمة لها تنقسم إلى ذاتي مقوم، وعرضي لازم. وأن صفات الرب سبحانه كذلك، لم يكن تخصيص العلم بأنه ذاتي أولى من القدرة. فليس ذكر القائم بنفسه الحي العالم بأولى من ذكر القائم بنفسه الحي القادر. والنصارى لما كانت الأقانيم عندهم ثلاثة، وزعموا أن الشرع المنزل دل على ذلك. وكانوا في ذلك مخالفين لشرع المنزل إليهم، كما قد بسط في موضعه. صار طائفة منهم يقولون: موجود حي عالم. وطائفة يقولون: موجود عالم قادر. فيجعلون القادر مكان الحي. ويجعلون روح القدس هو القدرة. وهذا القول وإن كان أحسن في المعنى، لكن تفسير روح القدس بالقدرة في غاية البعد، الذي يظهر فساده لكل أحد. ولابد لهم من إثبات أقنوم الكلمة، الذي يقولون: تارة هي العلم، وتارة هي الحكمة. ويسمونها تارة النطق. كما سموها في كتابهم هذا. لأن الذي اتحد بالمسيح عندهم هو أقنوم الكلمة. وصاروا تارة يضمون إليها الحياة، وتارة يضمون إليها القدرة. والأب تارة يقولون: هو الوجود. وتارة يقولون: القائم بنفسه. وتارة يقولون: الذات. وتسمى القائم بنفسه بالسريانية الكيان. وتارة يقولون: الجود. وكل هذا من الحيرة والضلال. لأنهم لا يجدون ثلاث معاني هي المستحقة لأن تكون جوهرية دون غيرها من الصفات. سواء فسرة الجوهرية بأنها جواهر، أو بأنها ذاتية مقومة، أو بغير ذلك. ومنها قولهم: تجري مجرى أسماء. فإن أرادوا بذلك أسماء أعلام أو جامدة، وسائرها صفات. فاسم الحي والعالم اسم مشتق يدل على معنى العلم والحياة، كما يدل القدير على القدرة. وإن أرادوا أنه يسمى بها، فلله تعالى أسماء كثيرة، فإنه سبحانه له الأسماء الحسنى. ومن أسمائه القدير. والقدرة تستلزم من قدرته على المخلوقات ما لا يدل عليه العلم. وخلقه للمخلوقات يدل على قدرته أبلغ من دلالته على علمه. واختصاصه بالقدرة أظهر من اختصاصه بالعلم. حتى إن طائفة من النظار، كأبي الحسن الأشعري وغيره، يقول: أخص وصفه القدرة على الاختراع، فلا يوصف بذلك غيره. والجهم بن صفوان قبله يقول: ليس في الوجود قادر غيره، ولا لغيره قدرة. والأشعري وإن أثبت للمخلوق قدرة، لكن يثبت قدرة لا تؤثر في المقدور. ولم يقل أحد من العقلاء: إن أخص وصفه الحياة والعلم، ولا إن غيره ليس بحي ولا عالم. فكان جعل القدير اسما، وغيره صفة، إن كان الفرق حقا، أو لا، من العكس. فكيف إن كان الفرق باطلا؟ فإن أسماءه تعالى التي يعرفها الناس، هي أسماء، وهي صفات في الصلاح. أهل العربية تدل على معاني هي صفاته القائمة به. فالحي يدل على الحياة، والعليم يدل على العلم، والقدير يدل على القدرة. هذا مذهب سلف الأمة وجماهير الأمم. ومن الناس فرقة شاذة تزعم أن هذه الأسماء لا تدل على معاني، كأسماء الأعلام. وقد تنازع الناس فيما يسمى به سبحانه، ويسمى به غيره، كالحي والعليم والقدير. فالجمهور على أنه حقيقة فيهما. وقال الطائفة كأبي العباس الناشي: إنها حقيقة في الرب عز وجل، مجاز في المخلوق. وقال الطائفة عكس هؤلاء، من الجهمية والملاحدة والمتفلسفة: إنها مجاز في الرب عز وجل، حقيقة في المخلوق. والأولون هي عندهم متواطئة. وقد يسمونها مشككة أو مشككة لما فيها من التفاضل. وبعضهم يقول: هي مشتركة اشتراكا لفظيا. بسم الله الرحمن الرحيم، هذا الفصل جعله رحمه الله تعالى لرد شبهة النصارى فيما يزعمون أن الصفات جواهر. ومر معنا أن الجوهر هو عين الأعيان، أو العين في الوجود. والصفات هي الأعراض. فعندنا في الوجود شيء يسمى جوهرا في اصطلاح هؤلاء، وآخر يسمى عرضا. فالجوهر العين، والعرض الصفة. فالشمس مثلا عين، فهي جوهر. وحرارة الشمس صفة، فهي عرض. والثلج مثلا عين، فهو جوهر. والبرودة صفة، فهي عرض. ويعلم العقلاء أن الأعراض لا تقوم إلا بالجواهر، وأن الجواهر لها أعراض، وأن الأعراض لا يمكن أن تسمى جواهر. ولهذا قال رحمه الله في أول رده: أن زعم هؤلاء أن هذه الصفات التي هي أعراض بأنها جواهر، هذا لا يقوله إلا أحد رجلين: إما رجل مجنون يحتاج إلى علاج المجانين، إذ أنه يزعم أن الصفات التي أعراض تقوم بنفسها، وأنها جواهر، فهذا باطل. وإما رجل مسفسط معاند. ومعنى المسفسط: أي دخل في السفسطة في الفلسفة. فأهل الفلسفة أحيانا يذكرون أشياء كما ذكر رحمه الله، لا وجود لها في الواقع، ولكن وجودها في الذهن. مثل قولهم بالخط المستقيم الذي ليس له بداية ولا نهاية. هذا الخط المستقيم الذي ليس له بداية ولا نهاية، ليس له وجود في الواقع، وإنما وجوده في الذهن فقط. الذهن يوجد خطا مستقيما لا بداية له ولا نهاية. أما في الواقع، كل خط سيرسمه المخلوق له بداية وله نهاية. ونحو ذلك من أشياء كثيرة لها وجود في الذهن، لكن ليس لها وجود في الواقع. فخلط هؤلاء بين ما يوجد في الذهن وبين إثبات وجوده في الواقع، مع أن هذا الذي يوجد في الذهن في الحقيقة لا يستلزم أن يكون صحيحا. الذهن يتصور أشياء في الحقيقة قد تكون الذهن نفسه يثبت خطأها، لكن الذهن يتصور الشيء على اعتبار التقدير والتخيل. ولا يلزم من وجود هذا التقدير والتخيل ثبوته في الواقع. فالذهن قد يتصور وجود إنسان له عشرة أيدي وعشرة أرجل وعشرة أعين وعشرة آذان إلى آخره. ولكن هل هذا له وجود في الواقع؟ الجواب: لا. وإنما هو خيال من الخيال الذي ليس له نهاية. وما أكثر ما يمكن أن يتصور ذلك الذهن وأمثاله، ولا يستلزم تصور الشيء وجود مثله. فكذلك الأذهان قد تتصور وجود صفات من دون موصف، ووجود أعراض من دون جواهر، وأنها تقوم بنفسها. هذا في الذهن، مع أنه حتى هذا الذي في الذهن لو عرض عليه عرضا صحيحا وجوديا أو عقليا، أثبت الواقع والعقل أنه غير صحيح. فأراد أن يشير رحمه الله تعالى إلى أن هذا الذي يقوله النصارى في الحقيقة هو شيء خارج عن العقل، وهو كذلك قبل ذلك خارج عن الشرع. ثم استطرد رحمه الله في ذكر بعض مقولات الفلاسفة وأهل الكلام في مسألة الصفات، وكونها تقوم بنفسها. وبيّن أن هذا ليس بصحيح. أنه حتى قول الفلاسفة، فالفلاسفة لا يقولون بذلك، يعني على حسب ما يقوله النصارى. فالفلاسفة يقولون بأشياء هي صحيح قد تكون موجودة في الذهن، وليست موجودة في الواقع، لكن مع ذلك ما أحد منهم قال بقول النصارى: أن الصفات تكون جواهر، أي أن الأعراض تكون أعيانا، ما أحد قال بهذا. ولو قدر أن بعض كلامهم يفهم منه هذا، فهو من ذاك الخطأ الذي خطئ به هؤلاء الفلاسفة، كأفلاطون ومن على طريقته، القائل بالمثل أو الكليات العقلية، وهي التي يزعمون أنها أمور أزلية قديمة ثابتة، ووجودها وجود مجرد. وذكروا من ذلك الخلاء والدهر، وأصل المادة. أصل المادة يريدون أصل وجود هذه المخلوقات. وهذا كله كما بيّن العلماء أنه مما يوجد في الأذهان، ولا وجود له في الواقع. بل علماء المنطق أثبتوا أن الصور الأفلاطونية لا وجود لها في الواقع. ولهم في هذا مباحث وكتابات وردود على المدرسة الأفلاطونية، سواء القديمة أو الحديثة. ويقدرون الحديثة بما كان قبل الميلاد بخمسمائة عام، أو مائتين وخمسة وعشرين عاما إلى ما بعده من بعد الميلاد. فكل هؤلاء لهم مقولات في الحقيقة منافية للحس والعقل، فضلا عن الشرع. واستطرد بعد ذلك كذلك بذكر عدد من مقولات الفلاسفة. وكل هذا ليشير رحمه الله إلى أن ما ذكره النصارى ليس هو حتى يوافق مقولات الفلاسفة على كثرتها وبعدها، هو لا يوافقها. فقول الفلاسفة بإثبات الصفات الذاتية، ليس هو إثبات صفات لا تقوم بجواهر أو أعيان. وإنما مرادهم بإثبات الصفات الذاتية إثبات صفات ملازمة للذات، ويريدون بالصفات العرضية اللازمة وغير اللازمة، أي المنفكة وغير المنفكة. وهذا كله لا يوافق قول النصارى، حتى يزعم مثلا أن قولهم هذا سبق إليه كذا وكذا من الفلاسفة، هذا ليس بصحيح. وقوله عن أصحاب رسطو بالمشائين، مر معنا من قبل أن المراد بالمشائين الذين لهم كلام في المشيئة، أو الذين يطلبون العلم وهم يمشون، فكلا الأمرين قال به أهل العلم، يعني لماذا سموا بالمشائين. وقوله: إن اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل أقرب إلى الحق في الأمور الإلهية منهم. يريد أن اليهود والنصارى على ضلالهم، وما حصل عندهم من تبديل ومن تحريف، فهم في الأمور الإلهية أقرب من هؤلاء الفلاسفة. ولا يعني ذلك أن ما عقيدت النصارى بالتثليث صحيحة لا، إنما يقصد بالجملة. وقوله: ولكن نبهنا عليها لتعلقها هنا بقول هؤلاء النصارى: إن صفات الرب الثلاثة جوهرية إلى آخره. يريد أن هذه الاستطرادات هي لبيان أن هؤلاء في الحقيقة غلطوا من جهة المعقول، وغلطوا من جهة المنقول. ولهذا قال بعده: فإن تفريق هؤلاء اليونان في الصفات اللازمة بين الذاتي والعرضي، ومر معنا أن العرضي المراد به ما هو صفة اللازم للوجود، والعرضي اللازم للمهية، والعرضي اللازم للموصوف، فرق باطل. يعني بين قول هؤلاء الفلاسفة وبين قول النصارى. ثم بيّن رحمه الله تعالى أن النصارى ليس مرادهم بالجوهرية ما يريده الفلاسفة بالذاتية، لأن النصارى يريدون بالجوهرية هو قيام الصفة بنفسها، وهذا شيء مخالف للعقل والحس، فضلا عن الشرع. وأما قول الفلاسفة فهو على أحد أمرين: إما ما يوجد في الخيال والذهن، ويتصور وجود مثله في الواقع. وعلمنا أن هذا ليس ب كلام واقعي. وأن العقلاء يعلمون ويعرفون أن مثل هذا إنما هو تصورات في الأذهان. وإما أن يكون مرادهم بالصفات الذاتية الصفات الملازمة للذات، التي تنبعت منها سائر الصفات. وكلا الأمرين أو القولين من قولي الفلاسفة ليس به دليل للنصارى في مسألة الأقانيم التي سبق الإشارة إليها. ثم استطرد ذكر بعض كلام أهل الكلام ممن ينتسبون إلى الإسلام. ليبين رحمه الله تعالى أن مثل هذه المسائل التي ضل فيها من ضل في مسائل الصفات، وانفكاك الصفة عن الموصوف أو عدم انفكاكها، ونحو ذلك، العبرة في ذلك هو ما وافق الشرع، وقره العقل، لا قول القائلين به في الوجود. فما أكثر القائلين بالباطل في الوجود، وليس كل قول يقال يكون حجة لمبطل أن يستدل به ويتقوى به. فالدنيا مليئة بالأقوال الباطلة الخارجة عن العقل والحس، فضلا عن الشرع. وأشار إلى شيء من ذلك بالنقولات التي ذكرها رحمه الله تعالى. فالكلام بالجملة يدور حول هذا المعنى. والله تعالى أعلم. وأما ما ذكره عن أبي العباس الناشئ ومن قبله، يريد مقولات أهل الكلام في مسألة الصفات، وهل أسماء الله تدل على صفات أم لا؟ فقول أهل السنة والجماعة أن كل اسم يدل على صفة. وأما الذي يقول: أن الأسماء كالأعلام لا تدل على صفات، مثل صالح رجل اسمه صالح لا يستلزم الصلاح، فهذا قول أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، الذين زعموا أن أسماء الله جامدة.