الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 124، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش الشيخ الإسلام رحمه الله نصوصًا منسوبة إلى الإنجيل ويرد على ادعاءات النصارى بألوهية المسيح، موضحًا أن هذه النصوص لا تدل على الألوهية بل يمكن تأويلها بما يتوافق مع تنزيه الله عز وجل.
يتناول المقطع تفسير الآيات القرآنية التي تشير إلى هدى الله ونور الله وروح الله، ويقارنها بتفسيرات النصارى لبعض النصوص الإنجيلية، مشيرًا إلى أن الهداية والنور الإلهي يمثلان محورًا مشتركًا في النصوص الدينية.
يعرض المقطع الردود على ادعاءات بعض علماء أهل الكتاب بشأن ربوبية المسيح مستدلين بنصوص إنجيلية، ويبين أن هذه النصوص تحتاج إلى التحقق من ثبوتها وصحة ترجمتها، وأن اللغة تسمح بتأويل معانيها بما يتوافق مع تنزيه الله.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الشيخ الإسلام رحمه الله: فصل. قال: وقال أشعياء أيضًا: يخرج عصاه من بيت يسهي بتنور منها، ويحل فيه روح القدس، روح الله، روح الحكمة والفهم، روح الحيل والقوة، روح العلم وخوف الله. وفي تلك الأيام يكون أصل يسهي آية للأمم، وبه يؤمنون، وعليه يتوكلون، ويكون لهم التاج والكرام إلى دهر المتهجدين. والجواب: أن هذا الكلام -بعد المطالبة بصحة نقله عن النبي وصحة الترجمة له باللسان العربي- هو حجة على النصارى لا لهم؛ فإنه لا يدل على أن المسيح هو خالق السماوات والأرض، بل يدل على مثل مدلول عليه القرآن من أن المسيح عليه السلام ويد بروح القدس؛ فإنه قال: ويحل فيه روح القدس، وروح الله، وروح الحكمة والفهم، وروح الحيل والقوة، وروح العلم وخوف الله. ولم يقل: تحل فيه حياة الله، فضلًا عن أن يقول: حل فيه الله أو اتحد به، ولكن جعل روح القدس هي روح الله، وهي روح الحكمة والفهم والعلم، وهي روح الحيل والقوة. كما أن عندهم في التوراة أن الذين كانوا يعملون في قبة الزمان حلت فيهم روح الحكمة، روح الفهم، روح العلم؛ فهي ما يحصل به الهدى والنصر. كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾، فقال: هي روح الله. وهذا قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾، وهو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾، وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلَ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾، فما أنزله يسمى: ودي الله، وروح الله، ووحي الله، ونور الله، ونحو ذلك. وقال تعالى: لما ذكر أنبياءه من ذرية إبراهيم، فقال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾، وسماه نور الله في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، فهذا هدى الله ونور الله هو روح الله. كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾. قال: وقال أشعي أيضًا: من أعجب الأعاجيب أن رب الملائكة سيولد من البشر. فيقال: مثل هذا الكلام لا بد أن يكون قبله كلام وبعده كلام، وهو منقول من لغة إلى لغة. ونحن نعلم قطعًا أنه لم يرد أن رب العالمين يولد من البشر، ولو أراد ذلك لم يقل: رب الملائكة فقط؛ فإن الله رب كل شيء، لكن قد يريد أنه يولد من البشر من سيكون سيد الملائكة، تخدمه وتكرمه كما سجدت الملائكة لأبي البشر آدم. والنصارى يسلمون أن اللاهوت ما هو متولد من البشر، وإنما المتولد من البشر هو الناسوت، وليس هو رب العالمين بالاتفاق. فعلم أنه لا حجة لهم في ظاهر اللفظ إن قدر سلامته من التغيير. ونظير هذا ما عندهم في إنجيل متى: أن ابن الإنسان يرسل ملائكته ويجمعون كل الملوك ربا على الأمم، فيلقونهم في أتون النار. قال بعض علماء أهل الكتاب: لم يرد بذلك أن المسيح ورب الأرباب ولأنه خارق الملائكة، بل رب الملائكة أوصى الملائكة بحفظ المسيح بشهادة النبي القائل: «إن الله يوصي ملائكته بك ليحفظوك»، ثم شهادة لوقا أن الله أرسل له ملكًا من السماء ليقويه. قال: وإذا شهد الإنجيل باتفاق الأنبياء والرسل بأن الله يوصي ملائكته بالمسيح فيحفظونه، علم أن الملائكة تطيع للمسيح بالأمر، وهو والملائكة في خدمة رب العالمين. وقال المسيح لتلاميذه: «من قبلني فقد قبل من أرسلني». قال المسيح: «من أنكرني قدام الناس أنكرته قدام ملائكة الله». وقال للذي ضرب عبد رئيس الكهنة: «أغمز سيفك، ولا تظن أن لا أستطيع أن أدعو الله الأب فيقدم لي أكثر من اثني عشر جوقًا من الملائكة». هذا الفصلان -كما رأينا فيما- هذه الشبه التي -كما قال رحمه الله- تحتاج إلى تحقق أولًا من ثبوتها، وثانيًا من صحة ترجمتها، خصوصًا مع ما نرى من ضعف التركيب اللغوي المشعر بحصول الترجمة اللفظية التي قد تكون غيرت شيئًا من المعنى. فعلى تقدير صحتها تنزلًا، فقد أجاب الشيخ رحمه الله تعالى بأجوبة واضحة جلية ظاهرة يجب الرجوع إليها والمصير إلى معناها؛ لما تدل عليه عمومات الأدلة الشرعية مما في أيدي النصارى، فضلًا عن غيرهم، مما يقتضي تنزيه الرب جل وعلا عن معنى الند والمشارك الذي نفاه عنه كل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. خصوصًا وأن اللفظ يمكن أن يحمل على غيره من المعنى الصحيح المستقيم، كما مثل رحمه الله في الآيات والأدلة التي ذكرها. بل اللغة تدل على معنى ذلك؛ فلفظ الرب -على سبيل المثال- لا يطلق ويراد به الله عز وجل، فيقال: هذا رب الناقة، وهذا رب البيت، وهذا رب الشجرة، وهذا رب الأرض، وليس المراد بالإله ولا الخالق، ولكن المراد السيد في هذا المكان. فكذلك «رب الملائكة» -لو قدر أنه صحيح فتنزلًا- يقال: ويجاب بأن هذا مثل ما يقال: سيد الأرض، وسيد البيت، وسيد الناقة؛ فهو سيد الملائكة؛ لأنها ستخدمه وستطيعه طاعة لله سبحانه وتعالى. وأتى بالأمثلة والنظائر مما هو في أيدي النصارى، فضلًا عما يدل له اللغة وعموم الأدلة الشرعية التي تقتضي الرجوع إلى مثل هذا المعنى، ولا بد. ولا يمكن أن يقال: لا بدليل شرعي ولا عقلي ولا عرفي ولا لغوي أن هذا يدل بلزوم الدلالة ليس لنا معنى إلا هو: أن عيسى عليه الصلاة والسلام إله؛ فهذا باطل، والله تعالى أعلم.