الصحيح المسند من دلائل النبوة  122

الصحيح المسند من دلائل النبوة 122

الدرس الثاني والعشرون بعد المائة:من( قال البخاري رحمه الله:حدثنا محمد بن يوسف ... لا يلقى أحداً إلا قال قال كفيتكم ما هنا فلا يلقى أحداً إلا رده قال ووفى لنا أخرجه مسلم).

قصة هجرة النبي وأبي بكر وتفاصيلها

يروي البراء بن عازب قصة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر، ونزولهما عند صخرة طويلة، وملاقاتهما سراقة بن مالك. النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بقيا ثابتين بفضل معية الله.

فضل أبي بكر ودلائل نبوّة النبي

يُبرز المقطع فضل أبي بكر وصحبته للنبي، ويُظهر دلائل نبوّة النبي من خلال استجابة دعائه في إبعاد سراقة. فضل أبي بكر لم يكن بالأماني بل بجهوده وتضحياته.

أهمية الرفقة والتعامل مع غير المسلمين

يُشدد على أهمية الرفقة في السفر، ويُناقش التعامل مع الكفار والاستفادة من خيرهم، مع الإشارة إلى فراسة النبي في سراقة ودعائه له.

شرح حديث النبي وأبي بكر وتفاصيله

يشرح المقطع حديث قدسي يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، ويوضح معنى "فروة" التي تبسط للنوم عليها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال البخاري، رحمه الله: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا أحمد بن يزيد بن إبراهيم أبو الحسن الحراني، قال: حدثنا زهير بن معاوية، قال: حدثنا أبو إسحاق، قال: سمعت البراء بن عازب يقول: جاء أبو بكر رضي الله عنه إلى أبي في منزله، فاشترى منه رحلا، فقال لعازب: ابعث ابنك يحمله معي. قال: فحملته معه، وخرج أبي ينتقد ثمنه. فقال له أبي: يا أبا بكر، حدثني كيف صنعتما حين سريت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، أسرينا ليلتنا ومن الغد حتى قام قائم الظهيرة، وخلت الطريق لا يمر فيها أحد، فرفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليه الشمس، فنزلنا عندها، وسويت للنبي صلى الله عليه وسلم مكانًا بيدي ينام عليه، وبسطت عليه فروة، وقلت له: نم يا رسول الله، أنا أنفض لك ما حولك -ومعنى أنفض: أتفقد وأحرس ما قد يضر- قال: فنام، وخرجت أنفض ما حوله. فإذا براع مقبل بغنمه إلى الصخرة، يريد منها مثل الذي أردنا، فقلت: لمن أنت يا غلام؟ قال: لرجل من أهل المدينة أو مكة. قلت: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم. قلت: أفتحلب؟ قال: نعم. قال: فأخذ شاه، فقلت: أنفض الضرع من التراب والشعر والقدى. قال: فرأيت البراء يضرب إحدى يديه على الأخرى ينفض. فحلب في قعب كثبة من لبن، ومعيده وحملتها للنبي صلى الله عليه وسلم يرتوي منها يشرب ويتوضأ. قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فكرهت أن أوقظه، فوافقته حين استيقظ، فصببت من الماء على اللبن حتى برد أسفله، فقلت: اشرب يا رسول الله، فشرب حتى رضيت. ثم قال: ألم يأن للرحيل؟ قلت: بلى. قال: فارتحلنا بعدما مالت الشمس، واتبعنا سراقة بن مالك، فقلت: أتينا يا رسول الله -يعني قد أدركنا رجلًا- وسيكشف أمرنا، فقال: «لا تحزن إن الله معنا». فدعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم فارتطمت به فرسه إلى بطنها -أرى في جلد من الأرض- أو أرى في جلد من الأرض -يعني في أرض قوية- يعني سقط. قال: شك زهير، فقال: إني أراكما قد دعوتما علي، فادعوا لي. وجاء في بعض الروايات أنه ساخت قدما الفرس في التراب. ومعناه أن الأرض كانت رخوة، فإما أن يحمل أن هذا ضن من الراوي أن التصاق بطن الفرس كان بسقوطه بسبب قوة الأرض، وإما أن يكون حصل ذلك لسراقة بن مالك مرتين: مرة في أرض فيها شيء من القوة فسقط فرسه حتى وقع فارتطم بطنها في الأرض، ومرة ساخت قدما الفرس في أرض رخوة. فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، ولا مانع من الأمرين جميعًا. ويؤكد ذلك أنه سارا في طريق الساحل عليه الصلاة والسلام ومعه أبو بكر رضي الله عنه، قال: «فالله لكما أن أرد عنكما الطلب» -يعني حلف بالله وعاهد بالله إن دعا له فإنه سيشوش على من يطلبهما حتى لا يأتي إليهما أحد- قال: فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم فنجا، فكان ذلك سببًا في سلامتهما وابتعاد الناس عن طريقهما، فكلما جاء أحد يقول لهم سراقة بن مالك: لم يمر بهذا الطريق أحد. قال: فجعل لا يلقى أحدًا إلا قال: كفيت ما هنا، فلا يلقى أحدًا إلا رده. قال: ووفى لنا. قال: خرجه مسلم. وهذا الحديث أورده شيخنا -كما نرى- لهذا الشاهد منه، فمن دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام إجابة دعائه. والشاهد ظاهر، إذ استجاب الله عز وجل دعاء نبيه عليه الصلاة والسلام في سراقة بن مالك، حتى لم يستطع الوصول إليهما، سواء أن فرسه سقط أو كذلك ساخت قدما الفرس في التراب -يعني انغرزت فيها- وهذا كذلك مع غيره يؤيد أنه كان عليه الصلاة والسلام في باب إجابة الدعاء على أمر لم يكن عليه الناس أبدًا، بل لا يشك كل منصف -حتى ولو كان كافرًا- أن مثل ذلك لا يكون إلا ممن هو مؤيد من الله. ولهذا كان هذا من دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. وفي الحديث -وفي الحديث- مسائل كثيرة كثيرة، من أهمها نكتفي على ذكر أربع مسائل من هذه المسائل في هذا الحديث. فضيلة أبي بكر رضي الله عنه أرضاه، فقد اختاره الله عز وجل لصحبة نبيه ورفقته بهجرته، وغير ذلك من فضائله رضي الله عنه أرضاه، وهذه من خصائص فضائله. وفيه من المسائل كذلك أن فضل الله وثوابه في الدنيا والآخرة -مع ما يكون من فضل المرء في نفسه- يكون كذلك من سالف وسابق عمله: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾، وغير ذلك من الأدلة الكثيرة في هذا المعنى. فأبو بكر رضي الله عنه ما بلغ هذه المنزلة العلية براحة الجسد، ولا بعدم التضحية، بل ضحى بنفسه وماله وأهله رضي الله عنه أرضاه. وقد كان أبو بكر أكبر سنًا، ومع ذلك انظر ما صنع بالنبي صلى الله عليه وسلم، عامله كما يعامل الولد والدته، وهذا قليل من كثير مما كان عليه رضي الله عنه أرضاه من حب الله ورسوله ودينه، وبدله أكثر رضي الله عنه أرضاه، وأعماله الصالحة أكثر وأكثر. وبه نعرف أن فضل ذوي الفضل لم يكن بأماني، ولكن كان بعمل كثير، وربما ما ظهر لنا قليل بالنسبة لما في الغيب مما علمه الله، فكان لهم ذلكم الفضل المنثور في أدلة الكتاب والسنة، وما جرى على ألسنة سلف الأمة، فرضي الله عنه وعن سائر الصحابة أجمعين. وهكذا كذلك فيه من المسائل أهمية الرفقة في السفر، وحاجة المسافر إلى الرفيق، فإذا كان هذا في حق النبي صلى الله عليه وسلم وهو المؤيد من عند الله، فمن دون النبي عليه الصلاة والسلام من باب أولى، فيحرص المسلم قدر المستطاع على الرفيق في السفر، فهو عون له من نواح كثيرة. ولهذا صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «المسافر وحده شيطان، والاثنان شيطانان، والثلاثة ركب». وهل في زماننا هذا سفر الإنسان مع الرفقة العامة يخرجه من هذا المعنى -يعني كونه يسافر في الطائرة وفي الطائرة أناس كثير، أو في الباص أو في غير ذلك- هل يخرجه من الحرج مع مثل هذه الأحاديث؟ قال بعض أهل العلم: بذلك، خصوصًا إذا كانوا من المسلمين. وبعض أهل العلم قالوا: لا يحصل به المقصود تمامًا؛ لأن الإنسان إذا خلا بنفسه تجرأ عليه الشيطان وعلى نفسه بما لا يكون إذا كان مع غيره ممن يعرفه، وغير ذلك من المفاسد التي قد تقع على الإنسان إذا كان وحده، فيحرص الإنسان قدر المستطاع على الرفيق في السفر، وفيه مصالح دينية بل ودنيوية. وهكذا كذلك جاء في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لسراقة بن مالك، فوفى سراقة بعهده. وفي هذا المعنى أمران اثنان: فراسة النبي صلى الله عليه وسلم في صدق سراقة، وهكذا ينبغي للمؤمن أن يأخذ بالقرائن ويعمل بها في معاملته، حتى مع الكفار، فقد تأمن وتحتاج إلى الاستئمان على الكافر. فصح للنبي عليه الصلاة والسلام في رحلة الهجرة استعان برجل كافر مشرك خريج يعرف الطريق، استعان به في طريق الهجرة، واستأمنه، مع أن أهل مكة وضعوا المال الكثير لمن يأتي به عليه الصلاة والسلام حيا أو ميتًا، ومع ذلك استأمن النبي صلى الله عليه وسلم هذا المشرك. وهكذا هذه مرة أخرى في نفس الرحلة: أمن النبي صلى الله عليه وسلم سراقة بن مالك، ودعا له، فوفى سراقة بن مالك للنبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا قد يحتاج المسلم إلى التعامل مع الكافر، ولكن عليه أن ينظر بمن هو أهل من أمثال هؤلاء. كما أنه كذلك فيه أنه لا يعدم الكفار من أناس فيهم خير، وهذا الخير نسبي، وهؤلاء أرجى وأقرب إلى الإسلام. ولهذا أسلم سراقة بن مالك رضي الله عنه، وقيل: إن من أسباب إسلامه هذه الحادثة كانت سببًا في دخول الإيمان إلى قلبه، رضي الله عنه أرضاه. وهذا معنى آخر وهو قضية أن الإنسان يراعي معنى الخير الذي قد يجده في الكفار، فيكون مدعاه لجذبهم إلى دين الله عز وجل. يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم أكبر من أبي بكر بسنتين ونيف، ومات وعمره ثلاث وستون، وبعد أبو بكر بسنتين ونيف وعمره ثلاث وستون. أنا أقصد كبير ليس من جهة السن، معلوم أن أبا بكر أصغر من النبي صلى الله عليه وسلم، لكن من جهة القوة. وكذلك ما يظهر فقد جاء في أحاديث كثيرة أنه كان يرى أبو بكر شيخًا كبيرًا -يعني بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم كان يرى شيخًا كبيرًا- يعني أثر الشيخوخة في أبي بكر أكثر من النبي صلى الله عليه وسلم، ولعله يمر معنا قريبًا بعض الأحاديث التي تدل على هذا المعنى. يقول: ما معنى قوله «وبسط عليه فروة»؟ يعني الفروة هي الجبة التي تكون محشوة بالشعر -شعر الغنم- وهذه تبسط لينام النائم عليها، فتكون له كالفراش.