الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 138، الدرس الثامن والثلاثون بعد المائة:من( قال الإمام أحمد رحمه الله:حدثنا روح عن هشام عن همام ... إلا رفع الله لك لك بها درجة أو قال وحط-شك مهدي-عنك بها خطيئة). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ الحديث الذي رواه أبو أمامة الباهلي عن فضل الصوم والسجود، ويبين سند الحديث وشرح رجاله. الحديث يشير إلى أهمية الصوم وعدم وجود مثل له، وأهمية السجود لله لرفع الدرجات.
يبرز المقطع دلالات الحديث على فضل الصحابة وفضل أبي أمامة وتحقيق معنى العبودية للنبي صلى الله عليه وسلم. يشير إلى أهمية الرضا بقضاء الله وعدم الحزن على ما فات من الأعمال الصالحة.
يجب على المسلم أن يعتني بأبنائه وأهل بيته ويعينهم على الخير، وأن يستنير بنصائح أهل العلم. يجب وضع الحقوق في مواضعها وعدم التفريط في حقوق أهل البيت بسبب الانشغال بالعبادة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه "الصحيح المسند من دلائل النبوة": قال رحمه الله تعالى: قال الإمام أحمد، رحمه الله: حدثنا روح، قال: شيخنا هو ابن عبادة، وهو روح بن عبادة، أحد الحفاظ، ابن العلاء القيسي، الثقات، صاحب التصنيفات، أخرجا له في الصحيحين، ويكثر الإمام مسلم، رحمه الله، من الرواية عنه. قال: عن هشام، قال: شيخنا هو ابن حسان، وهشام هو الغردوسي، كذلك أحد الحفاظ الثقات، أخرجا له في الصحيحين، وهو من أثبت الناس في ابن سيرين، ويروي عن الحسن، وعطاء، ويرسل، فروايته عن الحسن وعطاء فيها ضعف؛ لكثرة ما يرسل عنهما. قال: عن همام، قال: شيخنا: وهمام الظاهر أنه زائد في السند من النساخ أو من أصحاب المطبعة، فإن هشامًا يروي عن واصل -يعني هشام بن حسان- كما في تهذيب الكمال، والله أعلم. كذلك لم يذكر في ترجمة واصل مولى أبي عيينة ممن يروي عنه أحد يقال له همام، فلهذا كان إدراج همام هنا خطأ. قال: رحمه الله: عن واصل مولى أبي عيينة، واسم أبي عيينة عزرة بن المهلب، وواصل أحد العباد، وهو صدوق، روى له الإمام مسلم، ولم يخرج له البخاري في صحيحه، ولكن روى له في الأدب المفرد. قال: عن محمد بن أبي عقوب، وهو محمد بن عبد الله بن أبي عقوب، وقد ينسب إلى جده فيقال: محمد بن أبي عقوب، وهو كذلك أحد الثقات ممن أخرج له في الصحيحين، وكان صاحب علم فاضل، حتى قيل فيه: إنه سيد بني تميم، فهو من بني تميم. قال: عن رجاء بن حيوة، ورجاء بن حيوة هو الكندي الشامي، أحد الثقات الفقهاء العلماء، أخرج له الإمام مسلم، رحمه الله، والبخاري تعليقًا. قال: عن أبي أمامة، وهو الصحابي الجليل صدي بن عجلان، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاثين، فذكر عن نفسه أنه كان في حجة الوداع ابن ثلاثين، وعمر -رضي الله عنه وأرضاه- فتوفي سنة ستة وثمانين، حتى قال بعضهم: إنه بلغ فوق المئة، مات بحمص -رضي الله عنه وأرضاه-. قال: أنشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة، فأتيته، فقلت: يا رسول الله، أدع الله لي بالشهادة، فقال: "اللهم سلمهم وغنمهم"، قال: فسلمنا وغنمنا. قال: ثم أنشأ غزوة ثالثًا، فأتيته، فقلت: يا رسول الله، إني أتيتك مرتين قبل مرتي هذه، فسألتك أن تدعو الله لي بالشهادة، فدعوت الله عز وجل أن يسلمنا ويغنمنا، فسلمنا وغنمنا، يا رسول الله، فادع الله لي بالشهادة، فقال: "اللهم سلمهم وغنمهم"، قال: فسلمنا وغنمنا. ثم أتيته، فقلت: يا رسول الله، مرني بعمل، قال: "عليك بالصوم؛ فإنه لا مثل له"، قال: فما رؤي أبو أمامة، ولم رأيته، ولا خادمه إلا صيامًا، قال: فكان إذا رؤي في دارهم دخان بالنهار، قيل: اعتراهم ضيف، نزل بهم نازل. قال: فلبث بذلك ما شاء الله، ثم أتيته، فقلت: يا رسول الله، أمرتنا بالصيام، فأرجو أن يكون قد بارك الله لنا فيه، يا رسول الله، فمرني بعمل آخر، قال: "اعلم أنك لن تسجد لله سجدة إلا رفع الله لك بها درجة، وحط عنك بها خطيئة"، قال: حديث صحيح. قال: ورواه الإمام أحمد، رحمه الله، فقال: حدثنا بهز بن أسد، وحدثنا مهدي بن ميمون، وهو الأزدي، مولى من الموالي، رفعه الله بالعلم، أحد الثقات ممن أخرج له في الصحيحين. قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي عقوب الضبي، وهو التميمي -كما تقدم- سيد بني تميم، قال: عن رجاء بن حيوة -تقدم- قال: عن أبي أمامة، وهو الباهلي، صدي بن عجلان -رضي الله عنه وأرضاه-. قال: أنشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوًا، فأتيته، فقلت: يا رسول الله، أدع الله لي بالشهادة، فقال: "اللهم سلمهم وغنمهم"، قال: فغزونا، فسلمنا وغنمنا. قال: ثم أنشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوًا ثانيًا، فأتيته، فقلت: يا رسول الله، أدع الله لي بالشهادة، قال: "اللهم سلمهم وغنمهم"، قال: فغزونا، فسلمنا وغنمنا. قال: ثم أنشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوًا ثالثًا، فأتيته، فقلت: يا رسول الله، قد أتيتك تترى مرتين، أسألك أن تدعو الله لي بالشهادة، فقلت: اللهم سلمهم وغنمهم، يا رسول الله، فادع الله لي بالشهادة، فقال: "اللهم سلمهم وغنمهم"، قال: فغزونا، فسلمنا وغنمنا. ثم أتيت بعد ذلك، فقلت: يا رسول الله، مرني بعمل آخذه عنك ينفعني الله به، قال: "عليك بالصوم؛ فإنه لا مثل له"، قال: فكان أبو أمامة، وامرأته، وخادمه لا يلفون إلا صيامًا -يعني لا يرون ولا يدركون-. قال: فإذا رأوا نارًا أو دخانًا بالنهار في منزلهم، عرفوا أنه اعتراهم ضيف، قال: ثم أتيت بعد ذلك، فقلت: يا رسول الله، إنك قد أمرتني بأمر، وأرجو أن يكون الله عز وجل قد نفعني به، فمرني بأمر آخر ينفعني الله به، قال: "اعلم أنك لا تسجد لله سجدة إلا رفع الله لك بها درجة، أو حط -أو قال: وحط- شك مهدي- عنك بها خطيئة". أورد شيخنا -رحمه الله تعالى- هذين الحديثين في هذا الموضع، أو هذا الحديث بروايتيه في هذا الموضع؛ ليستدل به على معنى من معاني صدق رسالته، ودليل من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام، في إجابة الدعاء له. فإن الله عز وجل أجاب دعاءه -كما في هذا الحديث- ثلاث مرات، فيما ذكر في قصة أبي أمامة -رضي الله عنه-، وهذا موضع من مواضع كثيرة -كما تقدم- فيها براهين واضحة لكل منصف: أن ذلك من علامات صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام؛ إذ كان مجاب الدعوة، ليس في موضع ولا موضعين، ولا ثلاث، ولا عشر، ولا عشرات، بل مواضع كثيرة، كلها تدل على أن ذلك من أظهر علامات صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام. فإن مثل ذلك لا يكون إلا لرسول مؤيد من عند الله سبحانه وتعالى، وهو كذلك عليه الصلاة والسلام. وفي الحديث مسائل أخرى، من أهم هذه المسائل: فيه فضل الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-، وما بذلوا في أمر نصرة هذا الدين، فاختارهم الله عز وجل لصحبة النبي عليه الصلاة والسلام، ونصرة دينه. فإذا كان كذلك، فليحفظ لهم فضلهم، وليعرف لهم قدرهم ومنزلتهم -رضي الله عنهم وأرضاهم-. وفيه كذلك فضل أبي أمامة -رضي الله عنه- خاصة، ففي هذا الحديث طرفًا من فضائله -رضي الله عنه وأرضاه-، فقد كان -رضي الله عنه وأرضاه- على حرص شديد في الشهادة، ولكن الخير فيما يختاره الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك ما علم من عبادته، واستجابته لأمر نبينا عليه الصلاة والسلام، ووصيته حين أوصاه في الوصية الأولى والثانية. وفيه كذلك الرضا بقضاء الله عز وجل وقدره، فليس كل ما يطمع به الإنسان ويحبه -ولو كان أمرًا دينيا شرعيًا- فإنه يصل إليه، وعدم وصوله إليه ليس معنى النقص في دينه، ولكن الخير فيما يختاره الله عز وجل. وفيه من المسائل كذلك: أن ما قد يدع به العبد ويرجوه من صالح الأعمال، إن لم يوفق إليها، فلا يكون ذلك سببًا في حبطانه، بل عنده من الأعمال الصالحة الأخرى الكثيرة ما يمكن أن يجتهد فيها، فينتفع بها في دنياه وفي آخراه. وأرشده النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، كما نرى: أرشده إلى الصيام، وإلى الصلاة. وفيه من المسائل كذلك: تحقيق معنى عبودية النبي صلى الله عليه وسلم، مع منزلة الرسالة، فهو عبد لله قبل أن يكون رسولًا، ولهذا كان يقدم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مقام العبودية على مقام الرسالة. والشاهد من هذا: أنه عليه الصلاة والسلام لم يستطع أن يتعدى ما أذن له في أمر الدعاء، وإلا فهو يحب عليه الصلاة والسلام أن يحقق لأصحابه ما يحبون من أعمال الخير والبر، ولكن هذا في حدود ما يؤذن له، وما يعلمه الله عز وجل. فإن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات يسأل، وهو في كل مرة يقول: "اللهم سلمهم واغنمهم"، ويفهم من هذا: أنه عليه الصلاة والسلام علم أن أبا أمامة -رضة ليس ممن يموت شهيدًا، وليس هذا نقصًا فيه -رضي الله عنه وأرضاه-، ولكن خير آخر اختاره الله عز وجل لعبد من عباده، والخير فيما يختاره الله جل وعلا. وفيه كذلك من المسائل: جواز تكرار الكلام، والمسؤول عنه ثلاث مرات، فإن ذلك لا ينافي الأدب، ولا يعد من التعدي، خصوصًا إذا كان بابًا من أبواب الخير، ولعله عليه. كما أن فيه كذلك هذا الأدب في عدم تكرار المسؤول عنه أكثر من ثلاث، قنع أبو أمامة -رضي الله عنه- بعد الثالثة، فقال: يا رسول الله، مرني بعمل -يعني عملًا صالحًا- ما دامت الشهادة ليست مكتوبة لي، فمرني بعمل صالح أستعين به على خير ديني ودنياي، هذا معنى كلامه -رحمه الله تعالى-. فالشاهد لم يكرر السؤال بعد الثالثة، وما ورد في الروايتين يحمل: أنه رواه -رضي الله عنه وأرضاه- مرة على وجه الاختصار، ومرة على وجه البسط، فذكر الثلاث بالتفصيل في الرواية الثانية، وذكر الثانية على وجه الاختصار في الرواية الأولى. وكذلك في هذا: عمل الصحابة -رضي الله عنهم- في رواية الحديث بالمعنى، ما دام لا يغير المعنى، ويبقى على أصل ما وقع. وهكذا كذلك في هذا الحديث من المسائل: فضل الصيام، وهكذا كذلك فضل الصلاة، فمن فضل الصيام: أمر به النبي عليه الصلاة والسلام، وأرشد إليه. ومن فضل الصلاة كذلك: أوصى به أبا أمامة -رضي الله عنه وأرضاه-. وفيه من المسائل كذلك: حرص المرء على نفسه بالخير، وعلى أهل بيته، حتى إن الصيام قد تناول الخادم -فضلًا عن أهل البيت-. وهكذا ينبغي أن يكون رب البيت: إذا وفقه الله عز وجل لعمل صالح، فينبغي أن يحث أهل بيته عليه. وفي هذا: موضع من مواضع كثيرة من صدق الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- في العمل بالعلم، وكذلك اعتنائهم بأهاليهم وذراريهم. فليس الشأن كل الشأن: أن يعتني المسلم بنفسه، ثم يهمل أهل بيته، ومن معنى الخيرية مع أهل البيت: نفعهم في دينهم، الذي يعينهم على سلامتهم وخيريتهم في الآخرة. "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي"، فليست الخيرية منحصرة في الطعام والشراب والملبس، كما يظن بعض الناس. بعض الناس -ما شاء الله- ربما يوفر لأهل بيته كل ما يحتاجون: الطعام -كما يقال- أضعاف مضاعفة، والشراب والملبس، لكنه مفرط ومضيع في أمر الاعتناء بدينهم، ربما يترك أبناءه كالغنم السائمة، لا يراقب دخولهم ولا خروجهم، ولا رفقتهم، ولا محافظتهم على فرائض الله وشرائع الله. والتفريط في مثل هذا، والسؤال عنه: أعظم من السؤال في أمر الدنيا، أعظم من السؤال في أمر الدنيا. إذا كنت تظن أنك مسؤول، وتخاف من عقاب الله عز وجل إن فرطت في المطعم والمشرب والملبس، فإنك مسؤول سؤالًا أعظم إذا فرطت في أمر الدين، بل أمر الدين مقدم على مسألة الطعام والشراب. والآن انقلبت الموازين على الكثير من الناس -إلا من رحم الله-، فتجدهم في غفلة عن هذا الباب، وربما صار هذا حتى لبعض الصالحين، وبعض أهل الخير، يوفقهم الله عز وجل للخير، فيظن أنه ما دام قد حرص على النفقة، وعلى الكسوة، والمطعم والمشرب، فهو قد أدى الذي عليه. أو كذلك ربما كونه سكن بالقرب من المسجد أدى الذي عليه، هذا لا يكفي، فأنت مسؤول سؤال خاص، فلابد أن تعتني -أخي المسلم- بأبنائك، وأن تعتني كذلك بأهل بيتك، فتعينهم على الخير، تأمرهم بفضائل الأعمال -فضلًا عن واجباتها وفرائضها-. وأول ما يسأل العبد: عن فرائض الله، ولهذا صح بالحديث القدسي -حديث أبي هريرة-: أن الله جل وعلا يقول: "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه". وهذا قليل من كثير مما نراه في هذا المثال، قليل من كثير من تحقيق معنى اعتناء الصحابة -رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم- بأهاليهم وأبنائهم ودراريهم. وهكذا ينبغي أن نكون نحن، وإذا تواصينا بمثل هذا، فلا ينبغي أن تتكدر الصدور، ولا ينبغي كذلك أن يحصل شيء من الضيق -لا لأجل تكرار الكلام-، ولا كذلك حتى لتخصيص النصيحة. لو قيل لك في مثل ذلك: فقل: "جزاك الله خيرًا؛ كونك ذكرتني ونبهتني، وكنت في غفلة، وأنا أحتاج أن أبصر بعيوب وعيوب أبنائي؛ حتى أعين نفسي، وأعين أبنائهم على الخير، وحتى أسلم من عذاب الله في الدنيا، وهكذا كذلك في الآخرة". لأن عدم القيام بحدود الله، وتعديها: هذا سبب لغضب الله ونقمته، "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير". والمسلم ينبغي أن يفرح إذا وجد من أخيه ما يكون به التسديد والمقاربة، والتعاون على الخير، وهذا هو من أعظم حقوق أهل الإيمان والإسلام بعضهم مع بعض. وفيه من المسائل كذلك: حق الضيف، فمهما حرص الإنسان في الخير والبر، فلا يعني أن يضيع الحقوق الأخرى، ومن ذلك حق الضيف، فللضيف حقًا. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالضيف في أحاديث كثيرة، حتى في قصة عبد الله بن عمر في الصحيحين، وكان من عباد الصحابة -رضي الله عنهم-. أرشده: أن لا تطغى الحقوق بعضها على بعض، فبين له عليه الصلاة والسلام: أن لأهله حقًا، وكذلك زوره -أي من يزوره- حق، ولضيفه حق، فلا تطغى الحقوق بعضها على بعض. تريد ما عند الله، فكذلك أدي ما عليك للناس، فإن ذلك مما يقربك عند الله. فإذا كان هذا في حق الضيف، وهو غريب أجنبي، فكيف بأهل البيت؟ أهل بيتك من باب أولى، أهل بيتك من باب أولى أن تحفظ لهم حقوقهم، فلا يكن حرصك على العبادة -مثلًا- والزهد والطاعة: سببًا في تفريطك في حقوق أهل البيت. تفرط في أبنائك، خلاص أنت عابد لله -ما شاء الله- تصوم يومًا وتفطر يومًا، صيام نبي الله داود، وكان أعبد الناس، وتقوم الليل، وتحافظ على النوافل، وتلازم القرآن، وتلازم بيت الله. هل هذا سيكون على حساب تربية أبنائك؟ إذا كان كذلك، فأنت لم تفهم الدين، ولم تعرف معنى الحقوق وأولوياتها في سنة النبي عليه الصلاة والسلام. إذا قمت بذلك، وفرطت في زوجتك -حتى الزوجة- إذا فرطت في حقوقها الخاصة والعامة، فأنت كذلك لم تفقه حقيقة العبادة التي يحبها الله جل وعلا. دين الإسلام دين العدل، يأمر المسلم بأن يضع الأشياء في مواضعها، "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء القربة وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون". فمن الفحشاء والمنكر والبغي: أن تضيع حقوق ذوي الحقوق، وكلما كان صاحب الحق أقرب، كانت المساءلة أعظم. وفيه من المسائل كذلك: الاستنارة بنصائح أهل العلم، فإن العلماء ورثة الأنبياء، فهؤلاء صحابة أفاضل، ومع ذلك ما اكتفوا بما يسمعون من العلم العام. أنت تسمع في الدروس العامة، وفي المحاضرات، وفي الخطب: نصائح عامة، لا تكتفي بها، اسأل عما ينفعك خاصة، فهذا الصحابي -رضي الله عنه- أتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فسأله عما ينفعه خاصة. وأنت كذلك، ومن باب أولى، إذا اعتراك شيء، عرضت عليك مشكلة، أو ملمة، فلا تزهد في استشارة أهل العلم، والرجوع إلى أهل العلم، فإن في نصائحهم ما يكون سببًا للخير لك في دنياك وفي آخراك. فالصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يسمعون العلم الكثير منه عليه الصلاة والسلام في مجالس كثيرة، ومع ذلك ما يمنعهم ذلك من الاستزادة في أخذ نصائح خاصة. وهذا الحديث: موضع من مواضع كثيرة تدل على هذا المعنى. وفي هذا الحديث كذلك من المسائل: فضل السجود لله عز وجل خاصة، وأن السجود من الصلاة من أعظم مواضعها، وأنه كذلك سبب لحط الخطايا. والمقصود: الصلاة عمومًا، ولكن ذكر السجود فيه: التنبيه على أشرف ما في الصلاة، وهذا من ذكر البعض الذي يراد به الكل. فإذا ينبغي للمسلم أن يعتني بصلاته -بالصلاة عمومًا-، وصلاته وكذلك في سجوده لربه جل وعلا، فيستغله في الدعاء، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "فأما السجود فاجتهدوا في الدعاء؛ فقمن أن يستجاب لكم". هذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، وبه نكتفي، والله تعالى أعلم. طيب، هذا السائل يقول: ما حكم بيع كياس الدقيق ونحوها مما يكتب عليها وزنها خمسين كيلو جرام، وهكذا علب الحليب قبل أن توزن أو تكال مرة أخرى؟ هل يجوز ذلك أم لابد من إجراء الصاعان؟ وجزاكم الله خيرًا. هذا السؤال يتضمن مسألتين، المسألة الأولى: ما إذا كان الوزن حقيقيًا، فإذا كان الوزن حقيقيًا، وعلم أن البيع بالوزن، فهنا لا بأس أن يتأكد، وليس بشرط -ما دامت الجهة معتمدة-. وأما إذا كان البيع ليس بالوزن، وإنما بالكيس -بغض النظر عن الوزن-، وهذا الغالب في بيع الناس اليوم، فهم يشترون الكيس الذي مكتوب عليه خمسين كيلو -مثلًا-، ولا أظن يوجد دقيق خمسين كيلو، أظن أكثر شيء كم؟ خمسة وعشرين، أظن لا، ما فيه أربعين، أظن خمسة وعشرين، كبير مرة فيه خمسين. طيب، المهم إذا كان مكتوبًا عليه كذلك، فأكثر الناس يتعامل بالحجم لا بالوزن، فيوجد أحيانًا -مثلًا- السكر مكتوب عشرة، وفيها سبعة أو ثمانية أو تسعة -على حسب-، فالناس تعودوا أنهم يشترون بالحجم لا بالوزن. فأنت تبيع هذا الكيس الكبير بكذا، والصغير بكذا، والوسط بكذا، فإذا كان كذلك، فلا حاجة للوزن، ولا حاجة لإجراء الصاع والصاعين؛ لأنك تبيعه ليس بالوزن، وإنما تبيعه كذلك. ومن كان يجهل هذا، فلينبه، يقول: "شوف بارك الله فيك، هذا الكيس مكتوب عليه عشرة، لكنه ليس عشرة، وهو علينا هكذا، ونحن نبيع لكم هكذا"، فإن شاء الله يخرج من الحرج في مثل هذا الباب. على أنه إذا وجد ما يوافق المكتوب ما في داخله، هذا هو الأفضل والأحوط، ولو زاد سعره، يقول: مثلًا هذا عشرة، لكنه عشرة حقيقي، ويباع بكذا وكذا، وستجد في السوق عشرة تجد فيه تسعة بأرخص، بأقل من هذا، فهذا أحسن إن شاء الله. والأمر واسع -إذًا-، جزاكم الله خيرًا.