الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 154، الدرس الرابع والخمسون بعد المائة:من( ومنها ما تتنزل عليه من الرحمة ... وحدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا النضر بن شميل حدثنا سليمان بن المغيرة بهذا الإسناد ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح حديث المقداد بن عمرو الذي عرض نفسه على أصحاب رسول الله ولم يقبلوه، ثم أتى النبي فأطعمه وأسقاه. يتناول شرح الحديث وتفسير معاني الكلمات والدروس المستفادة.
يستدل بقصة المقداد بن عمرو على دلائل نبوته ورفقه بأصحابه، ويبرز حسن خلقه في استقبال الضيوف وإطعامهم ورعايتهم.
يتناول بعض الآداب والأحكام مثل أدب التسليم، مواساة المسلمين، إكرام الضيف، دعاء إطعام من أطعم، وأدب التعامل مع الحيوان.
يشير إلى نهاية الحديث مع التعبير عن الصلاة على النبي والسلام.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال ومنها ما تتنزل عليهم من الرحمة. قال: قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا شبابة بن سوار، قال: حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن المقداد قال: أقبلت أنا وصاحباني، وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد -يعني ضعفت من شدة التعب والجوع- قال: فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس أحد منهم يقبلنا، كذلك لشدة حالهم وقلة ذات يدهم. قال: فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم، فانطلق بنا إلى أهله، فإذا ثلاثة أعنز، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «احتلبوا هذا اللبن بيننا». قال: فكنا نحتلب، فيشرب كل إنسان منا نصيبه، ونرفع للنبي صلى الله عليه وسلم نصيبا -ومعنى نرفع أي نحفظه حتى يأتي فيشربه- قال: فيجيء من الليل، فيسلم تسليما لا يوقظ نائما، ويسمع اليقظان. قال: ثم يأتي المسجد، فيصلي، ثم يأتي شرابه، فيشرب. فأتاني الشيطان ذات ليلة، وقد شربت نصيبي، فقال: محمد يأتي الأنصار، فيتحفونه، ويصيب عندهم -يعني وسوسة الشيطان قذفت في نفسه ذلك- ومعنى يتحفونه أي يهدونه ويعطونه. قالوا: يصيب عندهم ما به حاجة إلى هذه الجرعة -يعني هذا شيء يسير لن يحتاج إليه- قال: فأتيتها، فشربتها -يعني نصيب النبي صلى الله عليه وسلم من اللبن الذي اعتاد أن يشربه- قال: فلما أن وغلت في بطني -يعني استقرت وانتهى الإناء- قال: وعلمت أنه ليس إليها سبيل -يعني ما في مجال يرجع، قد خرجت من الوعاء ودخلت البطن- قال: ندمن الشيطان -وهكذا حال الشيطان يوقع ثم يندم- فقال: ويحك، ما صنعت؟ أشربت شراب محمد؟ فيجيء، فلا يجده، لا يجده، فيدل عليك، فتهلك، فتذهب دنياك وآخرتك. قال: وعلي شملة، إذا وضعتها على قدمي خرج رأسي، وإذا وضعتها على رأسي خرج قدماي، وجعل لا يجئني النوم، شغله هذا الأمر. قال: وأما صاحباي، فناما، ولم يصنعا ما صنعت -يعني هو الذي شرب الإناء وحده، فارتاحا ولم ينشغلا بهذا الأمر- قال: فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فسلم كما كان يسلم، ثم أتى المسجد، ثم أتى المسجد، فصلى، ثم أتى شرابه، فكشف عنه، فلم يجد فيه شيئا، فرفع رأسه إلى السماء، فقلت: الآن يدعو علي، فأهلك. فقال: «اللهم أطعم من أطعمني، وأسقي من أسقاني». همزة «أسقي» وصل أم قطع؟ «سقى» ثلاثي، وصل إذن. خطأ مطبعي، هذا خطأ مطبعي. «وأسقي من سقاني»، هل يجوز «سقى» و«أسقى»؟ «أسقى» رباعي، إن كان من «أسقى» فهمزة همزة قطع، وإن كان من «سقى» الثلاثي، ثلاثي، فهمزته همزة وصل. طيب، «اللهم أطعم من أطعمني وأسقي من أسقاني»، كأنه من الرباعي، إذا كان من الرباعي، فهمزته همزته همزته همزة قطع، وإذا كان من الثلاثي، فهمزته همزة وصل. نتأكد إن شاء الله، هل هو من الثلاثي أو من الرباعي؟ الأصل «وأسقي من سقاني»، لكن الإشكال أتى لما قال «من أسقاني»، فننظر إن شاء الله في صحيح مسلم، إذا أحد يستطيع ينظر الآن في صحيح مسلم حتى نتأكد، هل في صحيح مسلم بالرباعي «أسقاني» أو «سقاني»؟ قال: فعمدت إلى الشملة، فشدتها علي، وأخذت الشفرة، فانطلقت إلى الأعنز: أيها أسمن، فأذبحها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هي حافلة، وإذا هن حفل كلهن -يعني فيهن لبن بركة من الله سبحانه وتعالى- قال: فعمدت إلى إناء لآل محمد صلى الله عليه وسلم، ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه -يعني وعاء كبير، وفيه دليل أنهم كانوا يحتلبون بالأوعية الصغيرة لقلة اللبن كذلك، حتى الشياه كانت ضعيفة لأنها لا تجد كذلك الطعام التي يشبعها- قال: فحلبت فيه حتى علته رغوة -يعني حتى الوعاء الكبير صار فيه لبن كثير، والرغوة علامة ذلك- قال: فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أشربتم شرابكم الليلة؟» قال: قلت: يا رسول الله، اشرب، فشرب، ثم ناولني، فقلت: يا رسول الله، اشرب، فشرب، ثم ناولني، فلما عرفت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد روي، وأصبت دعوته -يعني المتقدمة «اللهم أسقي من سقاني»- قال: ضحكت حتى ألقيت إلى الأرض -يعني من فعلته التي فعلها- قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «احدى سوآتك يا مقداد» -ومعناه أن مقداد رضي الله عنه كانت له كما يقال مقالب، وهذه منها شرب لبن النبي صلى الله عليه وسلم- قال: فقلت: يا رسول الله، كان من أمري كذا وكذا، وفعلت كذا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما هذه إلا رحمة من الله، أفلكنت آذنتني، فنوقظ صاحبين، فيصيبان منها» -والمراد بالرحمة أي ما تنزلت على الشياه فصارت جميعا حافلة، بينما اعتادوا أنهم لا يخرجون إلا الأوعية المعتادة- قال: فقلت: والذي بعثك بالحق، ما أبالي إذا أصبتها، وأصبتها معك، من أصابها من الناس؛ لأنه خشي في أول الأمر أن يدعو عليه النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا النضر بن شميل، قال: حدثنا سليمان بن المغيرة بهذا الإسناد. أورد شيخنا رحمه الله هذا الحديث في سياق ذكره لدلائل نبوته عليه الصلاة والسلام وصدق رسالته، ومنها ما تتنزل عليه من الرحمة -يعني في المكان الذي هو فيه، وفي وقت الحاجة تنزل الرحمة فتصيبه وتصيب من حوله ومن معه- وهذا المعنى له نظائر كثيرة، وسيأتي معنا إن شاء الله في بعض الأحاديث الآتية ما يدل على ذلك. ومنها هذا الحديث، فإن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث نزلت الرحمة عليه وعلى من معه من الصحابة، فكانت رحمة من الله سبحانه وتعالى. طيب، هذا صحيح مسلم، قال: «وأسقي من أسقاني». طيب، إذن هو من الرباعي، فإذن هو من الرباعي هنا، «وأسقي من أسقاني» من الرباعي، فتكون همزته همزة قطع. فأورد شيخنا رحمه الله هذا الحديث لهذا الشاهد، وهذا علم من أعلام نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام، إذ أن الرحمة تتنزل في المكان الذي هو فيه فتصيبه وتصيب من معه. وفي الحديث مسائل أخرى كثيرة، من أهم هذه المسائل يذكر فيما يناسب المقام ستة مسائل. من أهم هذه المسائل: أولا، فيه رفق النبي صلى الله عليه وسلم ولطفه، وهذا معنى من معاني حسن خلقه عليه الصلاة والسلام. فحسن الخلق يتناول أقوالا وأفعالا وهديا وسمتا، والنبي صلى الله عليه وسلم قد كان على خلق عظيم كما وصفه الله جل وعلا. ومن تتبع سيرته وجدها حافلة بهذه المعاني والمواقف التي تدل على حسن خلقه عليه الصلاة والسلام. فمن ذلك في هذا الحديث هذه المعاني التي تضمنها هذا الحديث. أولا، كونه قبل أن يعين هؤلاء ويدفع عنهم مضرتهم وجهدهم، مع قلة ذات اليد، الناس كلهم في جوع، في شدة، ولهذا لم يقبل هؤلاء أحد، فقبيله من نبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على حسن خلقه عليه الصلاة والسلام. فكان عليه الصلاة والسلام سباقا في الخير، كذلك مقداما في الإحسان. وإلا فاليوم العكس، تجد أصحاب الرئاسات والولايات أبعد الناس عن أبواب الإحسان، إلا من رحم الله، أبعد الناس عن أبواب الإحسان، وهذا من الحرمان. وهذا نبينا عليه الصلاة والسلام قدوتنا وأسوتنا، يضرب لنا هذا المثل العظيم. وهكذا كذلك في كونه قبلهم في بيته، فاعتنى بهم اعتناء خاصا حتى يذهب ما بهم من جهد وجوع، فمكنهم من المكان الذي يعينهم على أن يذهب ما بهم من جهد. فأسكنهم مع إطعامه إياهم، والقصة كما يظهر أنها كانت ليالي وليست ليلة واحدة. وهكذا كذلك في لطفه ورفقه بهم، حتى أنه إذا مر بهم سلم تسليما لا يوقظ نائما، ويسمع اليقظان، وهذا من لطفه عليه الصلاة والسلام. فكان لطيفا فلا يؤذي، وفي نفس الوقت لا يترك حق يسلم. إن كان هناك يقظان ناله فضل السلام وأصاب غيره أجره، وإن كان هناك نائم لم يؤذه بهذا التسليم. وهذا أدب آخر ينبغي أن نتأدب به. وهذا عدل الإسلام في كل شيء، حتى في مثل هذا المقام. قد تنتزع الإنسان نزعتان: نزعة رحمة فتمنعه من التسليم، ونزعة عمل بسنة فتجعله يجهر بالتسليم، بينما السنة في مثل هذا المقام الوسط: تسليم منخفض يسمعك اليقظ ولا يتأذى منك النائم. وفي الحديث من المسائل كذلك هذا الأدب من الآداب التي ينبغي أن يتخلق بها المسلمون من مواساة بعضهم بعضا، أي مواساة بعضهم بعضا عند الجهد والحاجة والمضرة. بل كما تقدم معنا بعض أهل العلم نص أن دفع الضرورة باب آخر من أبواب الواجبات في النفق والصدق. فالصدق منه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب. فالواجب ينقسم إلى قسمين: قسم ما فرضه الله من الزكوات المفروضة، والقسم الثاني ما تتعلق به دفع الضرورات. وقد يكون هذا من هذا الباب. وفيه كذلك من المسائل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من إسكان بعض ضيوفه عند أهله على وجه لا يكون فيه خلطة ومحذور شرعي. وظاهره أنه أسكنهم في موضع يكون فيه دخوله وخروجه من بيته إلى المسجد -يعني كأنه في موضع معبر أسكنهم فيه- فلا بأس أن يسكن الإنسان مثلا ضيفه في غرفة الضيوف إذا كانت غرفة الضيوف معزولة عن موضع أهله، ولو خرج من بيته وبقى الضيوف في غرفة الضيوف، ما دام الموضع في معزل عن أهل بيته وأهل بيته لا يدخلون عليهم، ومواضع مظنة السوء منقطعة، فلا بأس في ذلك. وهذا يدل على هذا المعنى، وعمومات الأدلة تأذن بمثله. وهذا الباب وسط، لا إفراط فيه ولا تفريط. ولا شك أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح -يعني إذا ترتب على مثل هذا مفسدة- وفيه من المسائل كذلك تأكيد أن دعاء «اللهم أطعم من أطعمنا وسق من سقانا» يقال قبل الأكل وليس بعد الأكل. وقد اختلف أهل العلم في هذا، فمنهم من يقول بعد الأكل، ومنهم من يقول قبل الأكل. وقصة حديث أبي هريرة مع هذا الحديث يؤكدان أنه دعاء يقال قبل الأكل. وهذا الحديث مع ذاك الحديث يؤكدان هذا المعنى، فالنبي صلى الله عليه وسلم قاله قبل الطعام. وفيه من المسائل كذلك أدب آخر من الأدب حتى مع الحيوان، وذلك أن الحافل من الحيوان من بهيمة الأنعام لا يذبح. ومعنى الحافل أي الذي فيه لبن، فما كان يدر من بهيمة الأنعام فالسنة أن تترك ولا تذبح. وفيه من المسائل كذلك جواز التصرف في مال الغير إذا علم أنه يأذن بمثله. فالإذن العرفي كما يقول الفقهاء كالإذن اللفظي. فقد هم المقداد أن يذبح شاتا هي للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن علم أن تصرف كهذا لن يغضب عليه النبي صلى الله عليه وسلم أو أنه يأذن بمثله. وهذا ما يقول الفقهاء: أن الإذن العرفي كالإذن اللفظي، فإذا علم أن العرف يقضي بالإذن بمثل ذلك فهو إذن. وأخيرا، فيه كذلك من المسائل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الحلم والصبر في معاملته مع أصحابه رضي الله عنهم. فالمقداد رضي الله عنه لعلمه بحسن خلقه عليه الصلاة والسلام وصبره، كانت له بعض الأعمال التي يتوسع فيها لعلمه أنه يجد جانبا يقبل هذا التوسع. وربما كان مثله عند غيره إذا كان ضيق الصدر أذية وسبب لخصومة، لكن لما كان مع النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو على خلق عظيم، كان سبب للضحك. ولهذا ضحك في آخر القصة. كيف كان في أول الأمر خشي الدعاء على نفسه، ثم أصابه دعاء من النبي صلى الله عليه وسلم، وشرب لبنا وأضاف لبنا فوق اللبن، بركة النبي صلى الله عليه وسلم ورحمة من الله سبحانه وتعالى، كما قال عليه الصلاة والسلام في آخر الحديث. طيب، إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله عليه وسلم والسلام.