جواهر البلاغة 77

جواهر البلاغة 77

الدرس في جواهر البلاغة 77، الدرس السابع والسبعون:من( الباب الخامس:في الإطلاق والتقييد ... 5-أو الترحم نحو:قدم زيد المسكين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم الإطلاق والتقييد في الجمل

يتناول شرح مفهوم الإطلاق والتقييد في الجمل، حيث يُعرَّف الإطلاق بأنه الاقتصار على ذكر المسند والمسند إليه دون تقييد، والتقييد بأنه إضافة ما يتعلق بهما أو بأحدهما. يُوضح أن التقييد يختلف عن مفهومه في علم الأصول.

أهمية التقييد وأثره على المعنى

يناقش أهمية التقييد في الجمل وكيف يؤثر على المعنى، حيث يبين أن بعض الجمل إذا حذف منها القيد أصبحت كاذبة أو غير مقصودة، ويقدم أمثلة من القرآن الكريم لتوضيح ذلك.

أغراض النعت ومعاني التقييد

يشرح أغراض النعت في اللغة العربية وتعدد معاني التقييد في النعت، حيث يأتي النعت لتحقيق أغراض متعددة مثل التخصيص والتوضيح والتأكيد، وتتنوع معاني التقييد باختلاف معاني الألفاظ المستخدمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: «الباب الخامس في الإطلاق والتقييد». قال المعلق: «الإطلاق والتقييد وصفان للحكم، فالإطلاق: أن يقتصر في الجملة على ذكر المسند والمسند إليه، حيث لا غرض يدعو إلى حصر الحكم ضمن نطاق معين بوجه من الوجوه، نحو: الوطن عزيز. والتقييد: أن يزاد على المسند والمسند إليه شيء يتعلق بهما أو بأحدهما، مما لو أغفل لفاتت الفائدة المقصودة أو كان الحكم كاذبًا، نحو: الولد النجيب يسر أهله». فلما كان الكلام على المسند والمسند إليه ناسب أن يذكر صور إيراد المسند والمسند إليه. فمن صوره أن يورد مطلقًا، يعني ليس يتبعه شيء يقيده لا لفظي ولا معنوي. وتقييد المعنى بمعنى وجود شيء من الحصر، فليس هو كالتقييد في علم الأصول، ولكن المراد به إيجاد شيء من تضييق المعنى، ولو كان ذلك معنويًا كما سيأتي -إن شاء الله-. قال -رحمه الله تعالى-: «إذا اقتصر في الجملة على ذكر جزئيها: المسند إليه والمسند، فالحكم مطلق». يقول: إذا اقتصر في الجملة على ذكر جزئيها: المسند إليه، وهو كالمبتدأ والفاعل ونحوه، والمسند، كالخبر والفعل ونحوه، قال: «فالحكم مطلق»، مثل: زيد كريم، أو ذهب زيد، هذا حكم مطلق، أو هذه جملة مطلقة. قال: «وذلك حين لا يتعلق الغرض بتقييد الحكم بوجه من الوجوه، ليذهب السامع فيه كل مذهب ممكن». يعني: ليس هناك معنى يحتاج لإضافته في الجملة، فتبقى الجملة على إطلاقها. ويدخل في هذا مباحث كثيرة من مباحث النحو، لكن كما مر معنا أن علماء النحو ينظرون إلى أواخر الكلم وما يلحق بها من أحكام. وأما علماء البلاغة، فهم ينظرون إلى المعاني. ما أن المعاني ترتبط بالمباني كثيرًا، لكن في هذا الكتاب لأنه يتعلق بعلم البلاغة وما يلحق به من مباحث بيانية ونحوها، فإنه يخوض في تفاصيل بعض تلك الأحكام، ومنه هذا الذي بين يدينا. قال -رحمه الله-: «وإذا زيد عليهما شيء مما يتعلق بهما أو بأحدهما»، والضمير يعود بهما إلى أي شيء؟ نعم، المسند والمسند إليه. قال: «فالحكم مقيد»، وذلك حيث يراد زيادة الفائدة وتقويتها عند السامع، لما هو معروف من أن الحكم كلما كثرت قيوده ازداد إيضاحًا وتخصيصًا. أحيانًا يكون ذلك لزيادة الإيضاح والتخصيص، وأحيانًا يكون لحصر المعنى. وبه تعرف أن التقييد في هذا المبحث ليس هو كالتقييد عند الأصوليين. قال: «فتكون فائدته أتم وأكمل». وهذا التمام والكمال لا فرق فيه بين تقييد المسند إليه أو المسند، ولا كذلك بين التقييد بالتابع أو المفعول أو غير ذلك، كما سيأتي -إن شاء الله- الإشارة إليه. قال: «ولو حذف القيد لكان الكلام كذبًا أو غير مقصود». ومعنى القيد: يعني الذي يحصل به الإيضاح والتخصيص، أو الذي يحصل به كذلك التقييد لذاك المعنى العام. قال: «نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾»، فلو حذف الحال، وهو لاعبين، لكان الكلام كذبًا، بدليل المشاهدة والواقع؛ يعني أن الخلق كان لحكمة لا لعبث، هذا هو الشاهد والواقع. فإذا قوله: «وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما» جملة مطلقة، لكن لا بد من القيد الذي بعدها، وهو قوله: «لاعبين». ولكن هل كل جملة فيها قيد إذا حذف قيدها يكون كذبًا؟ الجواب: لا، فهو يختلف بحسب المعنى. فمن المعاني -كما سيأتي- ما يمكن التخلي عن قيدها، لكن ينقص المعنى المقصود. وهذا هو قوله: «أو غير مقصود»: «لكان الكلام كذبًا أو غير مقصود». فبعض القيود توضع لمعاني مقصودة، إذا لم توضع هذه القيود ذهب المقصود منها، وعند ذلك تغير معنى الكلام، كما سيأتي -إن شاء الله- مثاله في موضعه. قال: «فلو حذف الحال، وهو لاعبين، لكان الكلام كذبًا بدليل المشاهدة والواقع». وهذا واضح. قال: «ونحو قوله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾»، إذ لو حذف «يكاد» لفات الغرض المقصود، وهو إفادة المقاربة. «زيتها يضيء» جملة مطلقة، فإدخال «يكاد» عليها هذا تقييد. وأنت ترى أن هذا التقييد تقييد معنوي بجملة فعلية، ليس هو مثل التقييد في مبحث علم الأصول. والمعنى أن «يكاد» غير المعنى من ثبوت وصف الإضاءة للزيت إلى معنى المقاربة الذي أفادته دخول جملة «يكاد». وهذا المعنى مقصود، فأفاد شيئًا زائدًا، وهذا الشيء الزائد من المعاني البلاغية. قال: «وعلم أن معرفة خواص التراكيب وأسرار الأساليب وما فيها من دقيق الوضع وباهر الصنع ولطائف المزايا يسترعي لبك». إلى أن التقييد بأحد الأنواع الآتية يكون لزيادة الفائدة وتقويتها عند السامع، وهذا ظاهر. لكن كل شيء بما قصد منه هو كامل. الجملة المطلقة إذا قصد الإطلاق فيها فهي كاملة، وهي باهرة، وهي لطيفة، وهي تسترعي اللب، كما أن الجملة التي قصد منها التقييد للإضاحة والتخصيص أو المدح أو غير ذلك هي كذلك باهرة ولطيفة وتسترعي اللب. فهذا الحكم ليس مخصوصًا بالتقييد، فمن تأمل المعنى ودقق فيه وجد أن هذا في المطلق وفي المقيد. قال: «وتقويتها عند السامع لما هو معروف من أن الحكم كلما ازداد قيوده ازداد إضاحًا وتخصيصًا». وكما قلنا: هذا فيما يقصد من الكلام الإضاح والتخصيص بقيوده، فما كان ليس كذلك فجماله ببقائه مطلقًا لا بتقييده. قال: «والتقييد يكون بالتوابع»، وهم التوابع: النعت والبدل والعطف إلى آخر ما ذكر. «وضمير الفصل»، وهو الفاصل بين المبتدأ والخبر. «والنواسخ وأدوات الشرط والنفي والمفاعيل الخمسة». وما هي المفاعيل الخمسة؟ نعم: المفعول به، والمفعول معه، والمفعول لأجله، والمفعول فيه، والمفعول المطلق، هذه خمسة. قال: «والحال والتمييز». وفي هذا الباب جملة مباحث؛ يعني أشياء كثيرة يتم التقييد بها، فمنها هذه اللفظيات، ومنها أمور معنوية كالجمل الفعلية أحيانًا، مثل ما مر معنا في جملة «يكاد زيتها يضيء». وعلق بقوله: «اعلم أن التقييد يكون لتمام الفائدة لما تقرر من أن الحكم كلما زاد قيده زاد خصوصية، وكلما زاد خصوصية زادت فائدته، لا فرق بين مسند إليه أو مسند أو غيرهما، كما لا فرق بين تقييد بالتوابع أو غيرها». هذا نفس الكلام الذي سبق معنا ذكره. قال -رحمه الله-: «المبحث الأول: في التقييد بالنعت». قال: «أما النعت فيؤت به للمقاصد والأغراض التي يدل عليها، منها تخصيص المنعوت بصفة تميزه إن كان نكرة، نحو: جاءني رجل تاجر». يقول: أولًا من أنواع التقييد التقييد بالنعت، فيؤت به للمقاصد والأغراض التي يدل عليها، وهي كثيرة. من أهمها هذه التي ذكرها هنا: يؤت بها لمقاصد وأغراض كثيرة، من أهمها هذا المذكور. يقول: تخصيص المنعوت أولًا من هذه الأغراض: تخصيص المنعوت بصفة تميزه إن كان نكرة؛ لأن الصفات بعد النكرات تفيد التخصيص. التخصيص. قال: «نحو: جاءني رجل تاجر». فأنت خصصت هذا الرجل، ليس أي رجل، فالرجل تاجر، فأفاد هذا النعت شيء من التخصيص. ونرى أن هذا التخصيص حصل في المسند إليه. مسند إليه: رجل. قال: «ومنها توضيح المنعوت إذا كان معرفة، لغرض». فالنعت إذا جاء بعد المعارف فهو يفيد التوضيح للمنعوت. وكما نعلم أن النعت يتبع المنعوت في تنكيره وتعريفه، هذا هو الأصل، واستثني من ذلك استثناءات بقيود معينة مذكورة في علم النحو. مثاله: «جاء زيد العالم». فزيد العالم هذا نعت فيه معنى التوضيح؛ لأن زيد أصلا هو خاص، بخلاف رجل. فلما قلت: «جاء زيد»، وهو معرفة، وقلت: «العالم»، هذا الوصف أفاد ماذا؟ ليس تخصيصًا، وإنما توضيحًا، كما هو ظاهر. قال: «الكشف عن حقيقته»؛ يعني من الأغراض أنه يفيد الكشف عن الحقيقة، نحو: «الجسم الطويل العريض يشغل حيزًا من الفراغ». فجملة «الطويل العريض»، أو هذا القيد «الطويل العريض» لكشف الحقيقة ولبيان سبب ما بعده من كلام؛ لأنك لو قلت: «الجسم يشغل حيزًا من الفراغ» فهذا في الحقيقة فيه إشكال عند صاحبي، قد يقول: لماذا خص هذا الجسم يشغل حيزًا؟ كل الأجسام تشغل حيزًا من الفراغ، لكنه أراد أنه كلما كان أكبر كان إشغاله أكثر، فكان ذلك لكشف الحقيقة. قال: «أو التأكيد نحو: تلك عشرة كاملة». فأفادها هنا التأكيد في قوله: «كاملة». قال: «وأمس الدابر كان يومًا عظيمًا»؛ يعني في قوله: «عظيمًا» فأفاد ذلك التأكيد من كونه أولًا بالعدد كاملًا، أي هذا العدد، وكذلك في اليوم أنه كان يومًا غير الأيام، وذلك بتأكيده بهذا الوصف. وهو يتضمن معنى آخر، وهو دفع توهم عدم الشمول؛ دفع توهم عدم الشمول، أو إن شئت قل: دفع توهم تجوز المتكلم؛ يعني أن المتكلم بالغ -مثلًا-، فصار هذا النعت يفيد تأكيد الكلام دفعًا لتوهم التجوز وعدم الشمول. قال: «أو المدح نحو: حضر سعد المنصور». ما شاء الله، مغرم بسعد هذا، وطنية قوية يدخلها بكل أسلوب، فالشاهد يريد المدح. وأحسن منه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فالرحمن الرحيم صفات، وهي أتي بها للمدح. قال: «أو الذم نحو: وامرأته حمالة الحطب». امرأته حمالة الحطب، حمالة: نعت أو حال، فالمثال غير صحيح. أحسن منه: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، فالرجيم: وصف أتي به للذم. قال: «أو الترحم نحو: قدم زيد المسكين». قدم زيد المسكين، فالمسكين: وصف أتي به للترحم. ولاحظ بين جملة «زيد العالم» و«زيد المسكين» اختلف المعنى بسبب نفس معنى النعت الذي أتي به؛ فالعالم للتوضيح، والمسكين للترحم. وهكذا تعلم أن معاني التقييد في النعت ليست منحصرة، بل هي كثيرة بكثرة معاني الألفاظ. كثيرة بكثرة معاني الألفاظ. طيب. الله هنا والله أعلم.